رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما زلت أتذكر مواقف مررت بها عندما كنت صغيرًا، حين كان لدينا خيال واسع حتى أثناء اللعب، وكان بعضنا يمثل دور المعلم والطبيب والمهندس والطيار، وحتى عندما نُسأل نخبرهم بأمانينا بأن نمارس إحدى هذه المهن مستقبلًا. حين يصبح اختيار المهنة قرارًا لبناء الإنسان لا مجرد الحصول على وظيفة.
لم يعد اختيار التخصص الجامعي قرارًا دراسيًا عابرًا، ولا خطوة تسبق الحصول على وظيفة فحسب، بل أصبح قرارًا استراتيجيًا يحدد ملامح حياة الإنسان لعقود طويلة. ففي عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، وتتبدل فيه المهن وتُستحدث أخرى بفعل التطورات التقنية والذكاء الاصطناعي، لم يعد السؤال: «أي تخصص أختار؟» هو السؤال الأهم، وإنما أصبح السؤال الحقيقي: «كيف أختار مستقبلًا أستطيع أن أنمو فيه، وأتجدد معه، وأحقق من خلاله ذاتي وأحلامي؟»
ورغم هذا التحول الكبير، ما زالت مجتمعاتنا في كثير من الأحيان تتعامل مع اختيار التخصص بعقلية الأمس. فهناك من يقيس النجاح بالمسمى الوظيفي، وآخر يربطه بحجم الراتب، وثالث يعتقد أن التفوق الدراسي وحده يؤهل صاحبه لأي مهنة، بينما الحقيقة تؤكد أن النجاح المهني يقوم على منظومة متكاملة تجمع بين الموهبة، والشغف، والمعرفة، والمهارة، والقدرة على التعلم المستمر.
إن أخطر ما نمارسه بحق أبنائنا أننا نطلب منهم اتخاذ أحد أهم القرارات في حياتهم، قبل أن نتيح لهم فرصة اكتشاف أنفسهم. فالطالب يقضي اثني عشر عامًا في دراسة الرياضيات والعلوم واللغة والتاريخ، لكنه قد يتخرج من المرحلة الثانوية دون أن يعرف شخصيته المهنية، أو طبيعة ميوله، أو نقاط قوته، أو حتى المهارات التي يمتلكها. لذلك ليس مستغربًا أن يقف آلاف الطلاب سنويًا أمام استمارات القبول الجامعي وهم في حالة من التردد والحيرة، فيختار بعضهم تخصصًا لأن صديقه اختاره، أو لأن المجتمع ينظر إليه بإعجاب، أو لأن الأسرة تراه أكثر مكانة، لا لأنه يعبر عن طموحه الحقيقي.
إننا بحاجة إلى تغيير جذري في مفهوم التوجيه المهني. فالتوجيه لا يعني أن نقول للطالب ماذا يدرس، بل أن نساعده على أن يعرف نفسه أولًا. فالإنسان حين يعرف ذاته يصبح أكثر قدرة على اتخاذ القرار الصحيح، وأكثر استعدادًا لتحمل مسؤوليته.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يجب أن يسبق اختيار التخصص ليس: «ما الوظيفة التي تريدها؟»، بل: «من أنت؟ وما الذي يجعلك تستمتع بالتعلم والعمل؟» فالطالب الذي يجد متعته في تحليل المشكلات قد يكون مبدعًا في الهندسة أو الاقتصاد أو البرمجة، والطالب الذي يمتلك حسًا فنيًا قد يحقق نجاحًا كبيرًا في التصميم أو العمارة أو الإعلام، بينما قد يبرع آخر في القيادة والإدارة أو في التعليم أو البحث العلمي. وليس من العدل أن نفرض على الجميع طريقًا واحدًا، لأن الناس خُلقوا مختلفين، وتكمن قوة المجتمعات في هذا التنوع.
ومن المؤسف أن بعض الأسر ما زالت تنظر إلى بعض المهن نظرة دونية، رغم أنها تشكل أساس التنمية الاقتصادية. فالعالم اليوم لا يقاس بعدد الأطباء والمهندسين فقط، وإنما يقاس أيضًا بعدد المبتكرين ورواد الأعمال والمبرمجين والباحثين والمصممين والفنيين المهرة. فكل مهنة تُؤدى بإتقان تُعد مهنة عظيمة، وكل عمل يسهم في خدمة المجتمع يستحق الاحترام والتقدير.
ولعل أكبر تحول يشهده العالم اليوم هو أن الشهادة الجامعية لم تعد نهاية رحلة التعلم، بل أصبحت بدايتها. فالخريج الذي يكتفي بما تعلمه في الجامعة قد يجد نفسه بعد سنوات قليلة خارج المنافسة، بينما يبقى المتعلم المستمر قادرًا على مواكبة التحولات واستثمار الفرص الجديدة.
لقد غيّر الذكاء الاصطناعي كثيرًا من قواعد سوق العمل، ولم يعد السؤال المطروح: أي الوظائف ستختفي؟ بل أصبح السؤال: ما المهارات التي لا يمكن للتقنية أن تحل محلها؟ والإجابة تكمن في الإبداع، والتفكير النقدي، والقيادة، والقدرة على اتخاذ القرار، والذكاء العاطفي، والعمل الجماعي، وهي مهارات ينبغي أن نغرسها في أبنائنا منذ الصغر، لأنها ستكون رأس المال الحقيقي في المستقبل.
ولا يمكن أن تتحمل الأسرة وحدها مسؤولية هذا التحول، فالمسؤولية مشتركة بين المدرسة والجامعة والإعلام والقطاع الخاص ومؤسسات الدولة. فالمدرسة مطالبة بأن تتحول من مؤسسة لتلقين المعرفة إلى بيئة لاكتشاف المواهب، والجامعة مطالبة بربط تخصصاتها باحتياجات الاقتصاد الوطني، والقطاع الخاص مطالب بفتح أبوابه أمام الطلاب للتدريب والمعايشة، والإعلام مطالب بتغيير الصورة النمطية عن النجاح، وإبراز النماذج التي صنعت نجاحها بالاجتهاد والابتكار، لا بالمسمى الوظيفي فقط.
ومن الأفكار التي أرى أنها تستحق التطبيق، إنشاء برنامج وطني للتوجيه المهني يبدأ منذ المرحلة المتوسطة، بحيث يمر الطالب سنويًا بتجارب عملية، وزيارات ميدانية، واختبارات علمية للميول والقدرات، ولقاءات مع أصحاب المهن المختلفة، حتى يصل إلى المرحلة الثانوية وهو يمتلك صورة واضحة عن الخيارات المتاحة أمامه. فاختيار التخصص لا ينبغي أن يكون قرارًا يُتخذ في أيام معدودة بعد إعلان نتائج الثانوية، بل رحلة تمتد لسنوات من الاكتشاف والتجربة والتوجيه.
كما أقترح أن يكون لكل طالب «ملف مهني» يرافقه طوال سنوات الدراسة، تُسجل فيه اهتماماته، وإنجازاته، ومشاركاته، ومهاراته، ونتائج اختبارات الميول، ليصبح مرجعًا يساعده على اتخاذ قرار أكثر وعيًا، بدلاً من الاعتماد على المعدل الدراسي وحده، الذي قد لا يعكس جميع جوانب شخصيته وإمكاناته.
إن الاستثمار الحقيقي لأي وطن لا يقاس بعدد الجامعات التي يبنيها، ولا بعدد الخريجين الذين يحتفل بهم كل عام، وإنما يقاس بقدرته على توجيه طاقات شبابه نحو المجالات التي يبدعون فيها، ويضيفون من خلالها قيمة حقيقية لمجتمعهم. فكل شاب يجد مكانه الصحيح في سوق العمل هو طاقة منتجة، وكل شاب يُدفع إلى تخصص لا يناسبه هو فرصة مهدرة للوطن قبل أن تكون خسارة للفرد.
وفي المملكة العربية السعودية، حيث تمضي مسيرة التنمية بخطى متسارعة في ظل رؤية المملكة 2030، أصبح الاستثمار في رأس المال البشري أحد أهم مرتكزات المستقبل. وهذا يتطلب أن نعيد النظر في ثقافة اختيار التخصص، وأن ننتقل من مرحلة البحث عن الوظيفة إلى مرحلة صناعة الكفاءات القادرة على قيادة الاقتصاد الوطني في مجالاته الجديدة، من التقنية والذكاء الاصطناعي إلى الطاقة والسياحة والصناعات الإبداعية والاقتصاد الرقمي.
وفي الختام، فإن أبناءنا لا يحتاجون إلى من يرسم لهم مستقبلهم بقدر حاجتهم إلى من يمنحهم أدوات رسمه بأنفسهم. فالمستقبل لا يصنعه من يسير خلف الآخرين، وإنما يصنعه من عرف نفسه، وأدرك رسالته، وأحسن استثمار قدراته، وآمن بأن التعلم رحلة لا تنتهي. وعندما ننجح في غرس هذه القناعة في نفوس أبنائنا، فإننا لا نساعدهم على اختيار مهنة فحسب، بل نساعدهم على بناء حياة أكثر نجاحًا، ووطن أكثر ازدهارًا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4263
| 29 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1128
| 28 سبتمبر 2026
أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم واحد، يكفي أن تختار ما تقيسه، ومتى تبدأ القياس، وبماذا تقارن النتيجة، وما تضعه في الصفحة الأولى، وما تدفنه في الملاحق. عندها تكون الأرقام صحيحة، لكن الصورة التي تصنعها قد تكون بعيدة عن الحقيقة. تدخل الأرقام إلى اجتماعات الإدارة العليا ومجالس الإدارة محاطة بهالة من الحياد. وحين تختلف الآراء، يقال: دعونا نحتكم إلى الأرقام. غير أن الرقم لا يتحدث بنفسه؛ فهناك من اختاره، وعرّفه، وحدد طريقة احتسابه، ثم وضعه في سياق يقود إلى استنتاج معين. قد تعلن إدارة أنها أنجزت 95 في المائة من خطتها السنوية. يبدو ذلك نجاحاً استثنائياً، لكن التقرير قد لا يقول إن بعض المشروعات المتعثرة حُذفت من الخطة، وإن مستهدفات أخرى خُفّضت، وإن معظم ما أُنجز كان من الأعمال السهلة، بينما تأجلت المشروعات التي تصنع الفرق. الرقم صحيح، لكن المسطرة تغيرت. وهنا تكمن الحيلة: لا تتغير النتيجة، بل يتغير تعريف النجاح نفسه. ولا يحتاج الأمر إلى تغيير الأرقام؛ فقد يكفي اختيار المقارنة المناسبة. فإذا كانت النتائج ضعيفة، قورنت بعام كان أشد ضعفاً، فيظهر التراجع كأنه نجاح. وإذا تحسن مؤشر واحد وتراجعت بقية المؤشرات، تصدّر الرقم الجيد العرض، بينما انتقلت الأرقام المقلقة إلى الصفحات الأخيرة. وحتى المتوسطات قد تخفي إدارات تعاني بيئة عمل طاردة، أو معاملات معقدة تظل عالقة لأشهر. وتتضح الخطورة في تقارير الأمن والسلامة. قد تعرض المؤسسة مئات الجولات التفتيشية والدورات واجتماعات التوعية، فتبدو منظومة السلامة نشطة. لكن كثرة النشاط لا تثبت أن المخاطر عولجت؛ فقد تتكرر الملاحظات نفسها، ثم تُغلق في النظام بإجراء مؤقت من دون إزالة أسبابها. وقد ينخفض عدد الحوادث المسجلة لأن طريقة تصنيفها تغيرت، أو لأن بعض الإصابات اعتُبرت بسيطة، أو سُجلت لدى المقاول بدلاً من المؤسسة. بل إن انخفاض البلاغات عن الحوادث الوشيكة قد يُعرض بوصفه نجاحاً، بينما يكون سببه خوف الموظفين من الإبلاغ أو عدم اقتناعهم بجدواه. فالمؤسسة الآمنة ليست التي تخلو تقاريرها من الملاحظات، بل التي تكشف مشكلاتها مبكراً وتعالجها قبل أن تتحول إلى حوادث. والقاعدة واضحة: عندما يتحول المؤشر إلى هدف، يبدأ بعض الناس في تحسين المؤشر بدلاً من تحسين العمل. ينطبق ذلك أيضاً على نسبة زيادة توظيف المواطنين. فقد تعلن مؤسسة ارتفاع النسبة السنوية، لكن الرقم لا يخبرنا عن صافي الزيادة بعد الاستقالات، ولا عن جودة الاختيار وملاءمة من عُيّنوا للوظائف، ولا عن قدرتهم على الاستمرار والتطور. فقد يرتفع عدد المواطنين في المؤسسة من دون أن ترتفع قدرتها. فالمواطن ليس مجرد عدد يضاف إلى التقرير لاستكمال النسبة، والتوطين لا يحقق غايته بمجرد إصدار قرارات التعيين. السؤال الأهم ليس: كم مواطناً عيّنت المؤسسة؟ بل: من اختارت؟ وعلى أي أساس؟ وفي أي مواقع وضعتهم؟ وهل وفرت لهم التدريب والمسار المهني الذي يجعلهم إضافة حقيقية؟. عندما يقوم الاختيار على الكفاءة والاستعداد، ويصاحبه تدريب جاد وتمكين تدريجي، يصبح الموظف الوطني عوناً للمؤسسة واستثماراً في مستقبلها. أما عندما تتحول النسبة إلى غاية في ذاتها، أو إلى مدخل لتعيين المعارف والأصدقاء، فقد تنجح المؤسسة في زيادة العدد، لكنها لا تنجح بالضرورة في بناء الكفاءة. وقد يقع الاختيار على أشخاص لا تتناسب مؤهلاتهم أو استعداداتهم مع الوظائف، ثم يُتركون بلا تدريب أو متابعة أو محاسبة، فيصبح التعيين عبئاً على المؤسسة وعليهم هم أيضاً. فالخطأ لا يقع على الموظف وحده، بل يبدأ من إدارة جعلت استكمال العدد أهم من حسن الاختيار. وقد تزداد الصورة بريقاً بفوز المؤسسة بجائزة هنا أو تكريم هناك عن أدائها في أحد هذه المجالات، فتكتسب الأرقام حصانة إضافية، ويبدو طرح الأسئلة وكأنه تشكيك في إنجاز معترف به. غير أن الجوائز، مثل المؤشرات، تقيس ما عُرض عليها وفق معايير محددة، ولا تكشف بالضرورة كل ما يجري داخل المؤسسة. فقد تكون النسبة صحيحة والجائزة مستحقة، ومع ذلك تبقى فجوة بين النجاح في المؤشر والنجاح في الواقع. ولا تُصنع الرواية التي تصل إلى مجلس الإدارة بالأرقام وحدها. فعندما تكون المؤسسة أمام قرار رئيسي أو توجه إستراتيجي جديد، قد تستعين بشركة استشارية للحصول على رأي مستقل يساعد الإدارة العليا أو مجلس الإدارة على الاختيار. لكن الاستقلال لا يتحقق بمجرد وضع شعار شركة عالمية على غلاف التقرير. فالشركة الاستشارية لا تدخل المؤسسة من فراغ. هناك من اختارها، وكتب نطاق عملها، وحدد الأشخاص الذين ستقابلهم، وزودها بالبيانات. وهذا الطرف نفسه قد يتابع عملها وفواتيرها، ويملك تأثيراً في منحها مشروعات أخرى مستقبلاً. وهنا يستطيع بعض المسؤولين، من دون أن يطلبوا صراحةً نتيجة محددة، توجيه المسار الذي تسلكه الدراسة؛ فيصوغون الأسئلة، ويختارون المعلومات، ويوجهون لقاءاتها نحو أشخاص يؤيدون توجهاً بعينه، بينما تبقى آراء وتجارب أخرى خارج نطاق الدراسة. وقد لا تتعمد الشركة الاستشارية تبني وجهة نظرهم، لكنها تعمل داخل الإطار الذي أُعد لها، وتعتمد على المعلومات التي يوفرونها، وتدرك أن العلاقة معهم قد تستمر. وعندها قد تصل وجهة نظر داخلية إلى مجلس الإدارة مرتدية ثوب الرأي الخارجي المستقل، فتكتسب من اسم المستشار قوة لم تكن لتحصل عليها لو عُرضت باسم أصحابها. ولا يعني ذلك أن الشركات الاستشارية تفتقر إلى المهنية؛ فكثير منها يقدم خبرة حقيقية ورؤية لا تتوافر داخل المؤسسة. لكن جودة رأيها تعتمد أيضاً على اتساع نطاق المعلومات التي تصل إليها، وتعدد الأصوات التي تستمع إليها، ووضوح الجهة التي ترفع إليها تقريرها. وفي القرارات الكبرى، من الأفضل أن تكون لمجلس الإدارة أو لجنته المختصة صلة مباشرة بالمستشار، وأن تُعقد معه جلسة مستقلة، للتأكد من أنه استمع إلى الرأي المؤيد والمخالف قبل تقديم توصيته. مجلس الإدارة الواعي لا يرفض الأرقام، ولا يقلل من قيمة الجوائز أو الخبرات الاستشارية، لكنه لا يسمح لها بأن تفكر نيابة عنه. فعندما يرى نسبة مرتفعة، يسأل كيف احتُسبت. وعندما يقرأ تقييماً مستقلاً، يسأل من وضع نطاقه واختار مصادره. وعندما يجد تقريراً مثالياً، يبحث عن الرقم الغائب والصوت الذي لم يُسمع. والإدارة العليا الواعية تفعل الشيء نفسه؛ فمسؤوليتها لا تنتهي عند استلام التقرير، بل تبدأ من مساءلة ما ورد فيه. فالرواية الإدارية لا تصنعها الأرقام وحدها؛ قد يشارك في صنعها تعريف المؤشر، وطريقة عرض الجائزة، ونطاق الدراسة الاستشارية، والأصوات التي سُمح لها بالوصول إلى صاحب القرار. وكل أداة من هذه الأدوات قد تكون صحيحة ومهنية في ذاتها، لكن اجتماعها داخل إطار واحد قد يصنع صورة لا تمثل الحقيقة كاملة. لذلك، لا يكفي أن نسأل: هل الأرقام صحيحة؟ بل يجب أن نسأل: من اختارها؟ وكيف عرّفها؟ وما الذي تركه خارجها؟ فالأرقام لا تكذب، لكنها لا تروي القصة كاملة من تلقاء نفسها. ومن يختارها، ويحدد سياقها، ويرسم حدود التقرير، يستطيع أن يجعل نصف الحقيقة يبدو حقيقة كاملة. وفي الإدارة، قد يكون ذلك أخطر من الكذب الصريح.
1098
| 27 سبتمبر 2026