رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
السؤال: ما الحكمة في تكرير السجدة؟
الجواب: الحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله ، والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه وبعد، فلأمور أربعة
أولا : ترغيما للشيطان ، أَي دحرا لَهُ وإغاظة له وإذلالا ورميا لَهُ بالرغام . مأخوذ من الرغام وهو التراب ومنه أرغم الله أنفه ، وَإِنَّمَا يكون إرغاما لِأَنَّهُ يبغض السَّجْدَة لِأَنَّهُ مَا لُعن إِلَّا من إبائه عَن سُجُود آدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَثْقَلُ مِنَ السُّجُودِ لِمَا لَحِقَهُ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لِامْتِنَاعِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ
والمعنى أن الشيطان لبَّس عليه صلاته وتعرض لإفسادها ونقصها فجعل الله تعالى للمصلي طريقا إلى جبر صلاته وتدارك ما لبَّسه عليه وإرغام الشيطان ورده خاسئا مبعدا عن مراده وكملت صلاة ابن آدم، بسجدتين فأضل الله سَعْي الشيطان حَيْثُ جعل وسوسته –التي يريد بها إضلال العبد وإبعاده عن ربه – جعل الله تعالى هذه الوسوسة لابن آدم سَببا للتقرب منه جلَّ مذكورا وعزَّ مرادا ، بينما اسْتحق هُوَ بِتَرْكِ سجدة الطرد من رحمة الله تعالى عندما أُمر بسجدة واحدة فلم يفعل، فنحن نسجد سجدتين ترغيما له، للحديث الصحيح عند مسلم من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - ؛ قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلاَثاً أَمْ أَرْبَعاً؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْساً، شَفَعْنَ لَهُ صَلاَتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَاماً لأَرْبَعٍ، كَانَتَا تَرْغِيماً لِلشَّيْطَانِ). صحيح مسلم.. كتاب المساجد ومواضع الصلاة. باب السهو في الصلاة والسجود له
وفي الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم-: "إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ، اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ: يَا وَيْلَهُ"
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ: "يَا وَيْلِي أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِيَ النَّارُ".صحيح مسلم كتاب الإيمان. باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصَّلاة
وعن ربيعة بن كعب الأسلمي – رضي الله عنه – قال:
كنت أبيت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- آتيه بوضوئه وبحاجته فقال: "سلني"
فقلت: مرافقتك في الجنة
قال: "أو غير ذلك"
قلت: هو ذاك
قال: "فأعني على نفسك بكثرة السجود"
صحيح مسلم كتاب الصلاة. باب فضل السجود والحث عليه
إن مرافقة المصطفى صلى اللّه عليه وسلم في الجنة من الدرجات العالية التي لا مطمع في الوصول إليها إلا بحضور الزلفى عند اللّه في الدنيا بكثرة السجود انظر أيها المتأمل في هذه الشريطة وارتباط القرينتين لتقف على سرّ دقيق فإن من أراد مرافقة الرسول صلى اللّه عليه وسلم لا يناله إلا بالقرب من اللّه ومن رام قرب اللّه لم ينله إلا بقرب حبيبه {قل إن كنتم تحبون اللّه فاتبعوني يحببكم اللّه} أوقع متابعة الرسول صلى اللّه عليه وسلم بين المحبتين وذلك أن محبة العبد منوطة بمتابعته ومحبة اللّه العبد متوقفة على متابعة رسوله صلى اللّه عليه وسلم
وفي نفس التخريج قال ثوبان مَوْلَى رَسُولِ اللّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: سَأَلْتُ رَسُولَ اللّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ أَعْمَلُهُ يُدْخِلُنِي اللهُ بِهِ الْجَنَّةَ أَوْ قَالَ قُلْتُ: بِأَحَبِّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ، فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ:"عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ للهِ، فَإِنَّكَ لاَ تَسْجُدُ للهِ سَجْدَةً إِلاَّ رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً"
فالسجود لهذا أفضل أركان الصلاة عند العلماء: (فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا فيه من الدعاء)؛ وذلك لأن الله يقول: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق:19]، فكلما سجد الإنسان زاد قرباً من الله سبحانه وتعالى.
وهاهو الشيطان يتميز غيظا وأغيظ ما يكون يوم العج والثج ، يوم تعج الأصوات ملبية وموحدة ، معلنة تفرد المولى تبارك وتعالى بالملك والحمد ويوم الثج يوم تذبح القرابين تقربا إلى الله تعالى في الأثر " ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أغيظ ولا أحقر منه يوم عرفة، وما ذلك إلا مما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر رأى جبريل يزع الملائكة. رواه مالك في الموطأ كتاب الحج باب جامع الحج.. وقال هذا مرسل وقد وصله الحاكم في المستدرك عن أبي الدرداء - رضي الله عنه -
ولذا كان مشروعا للمسلم إغاظة وإذلال أعداء الله تعالى بالإقدام على ما يحب الله عز وجل ، وإقامة شريعته ، ونصر دينه، ومخالفة أصحاب الجحيم، قال تعالى :"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ"التوبة: {73} + التحريم :9
وقال تعالى :"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ"(التوبة: 123)
واسمع ما يقول المولى تبارك وتعالى فيما رصده لمن يغيظ أعداءه بطاعته له عز وجل "مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ"التوبة: (120)
وكلُّ أمر يقع مخالفا لما يتوقع أحدهم ، مباينا لما يظن ، سُمِّي مراغمة ، في الصحيح ، أَنَّ أَبَا ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم- وَهُوَ نَائِمٌ، عَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَإِذَا هُوَ نَائِمٌ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ
فَقَالَ: "مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لاَ إِلَهِ إِلاَّ الله ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ"
قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟
قَالَ: "وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ"
قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟
قَالَ: "وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ" ثَلاثاً
ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: "عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ"
قَالَ: فَخَرَجَ أَبُو ذَرٍّ وَهُوَ يَقُولُ: وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرّ" صحيح مسلم كتاب الإيمان باب من مات لا يشرك باللَّه شيئاً دخل الجنَّة، ومن مات مشركاً دخل النار
ثانيا : عندما أمر الله تعالى الملائكة بسجدة آدم ، سجدوا ، فلما رفعوا رؤوسهم رأوا الشيطان لم يسجد، فسجدوا ثانيا شكرا لله تعالى فجرى ذلك في شريعتنا ، وهو المراد من قول بعضهم ، إن السجدة الثانية سجدة شكر.
لقد حكى الله تعالى قصة خلق الإنسان الأول وأمْره تعالى الملائكة بالسجود له في أكثر من سورة من كتابه بترتيب المصحف
أولا : البقرة: قال تعالى "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ" البقرة 34.
ثانيا : الأعراف: قال تعالى " وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ "{الأعراف:11}
ثالثا: الحجر : قال تعالى"وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ*فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ* فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ*إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ"{الحجر:28-31}
رابعا: الإسراء : قال تعالى "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً"{الإسراء:61- 62}
خامسا: الكهف: قال تعالى "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً"{الكهف:50}
سادسا: طه : قال تعالى "وإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى"{طه: 116}
سابعا: ص: قال تعالى "إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ* فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ*فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ* إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ* قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ *قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ*قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ *وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ *قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ* قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ*إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ *قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ"ص:71-83}
هذه أخبار الملأ الأعلى عند واقعة خلق الإنسان الأول وتكريم الله تعالى له ورفع شأنه بالعلم ، وتوجيه الأمر الإلهي للملائكة بالسجود له عليه السلام فلعل السجدة الأولى منهم امتثالا للأمر الإلهي ، وكانت الثانية : شكرا لله تعالى على توفيقه لهم وخذلان عدو الله تعالى إبليس لتكبُّره واستعلائه ، وقياسه الفاسد الذي سوَّغ له الامتناع عن السجود ، ولا غرو أن تكون السجدة الثانية من الملائكة شكرا لله تعالى فهم الذين طبعهم الله تعالى على طاعته فهم يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ، لا يعصون الله ما أمرهم ، يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، وقد كان من هدي المصطفي صلى الله عليه وآله وسلم
فيما رواه أبو بكرة - رضي الله عنه - ؛ أنه - صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمْ كان إذا أتاه أمر يَسرُّه أو يُسَرُّ به، خر ساجداً، شكراً لله تبارك وتعالى. سنن ابن ماجه كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. باب ما جاء في الصلاة والسجدة عند الشكر. ومعنى – أمر- في قول أبي بكرة – رضي الله عنه - أنه صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمْ كان إذا أتاه أمر يسره أو يسر به - أي عظيم، جليل القدر، رفيع المنزلة، من هجوم نعمة منتظرة أو غير منتظرة مما يندر وقوعها].ومنه يُشرع سجود الشكر عند حصول نعمة واندفاع نقمة إذ السجود أقصى حالة العبد في التواضع لربه وهو أن يضع مكارم وجهه بالأرض ويُنَكِّس جوارحه وهكذا يليق بالمؤمن كلما زاده ربه محبوباً ازداد له تذللاً وافتقاراً فبه ترتبط النعمة ويجتلب المزيد
ومن عجيب ما ورد عن أبي حنيفة – رحمه الله تعالى - في عدم ندب سجود الشكر - قوله لو ألزم العبد بالسجود لكل نعمة متجددة كان عليه أن لا يغفل عن السجود طرفة عين فإن أعظم النعم نعمة الحياة وهي متجدّدة بتجديد الأنفاس والرد عليه بأن المراد سرور يحصل عند هجوم نعمة يُنتظر أن يفاجأ بها مما يندر وقوعه ومن ثم قيدها في الحديث بالمجييء على الاستعارة ومن ثم نكَّر أمر للتفخيم والتعظيم كما مر
قال الحاكم في مستدركه تعقيبا على الحديث الآنف الذكر أنه صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمْ كان إذا أتاه أمر يسره أو يسر به، خر ساجداً، شكراً لله تبارك وتعالى " قال هذا حديث صحيح
ولهذا الحديث شواهد يكثر ذكرها:
منها: أنه - صلى الله عليه وسلم - رأى القرد فخر ساجدا
منها: أنه - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا به زمانة فخر ساجدا
ومنها: أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رَأَى نغاشيًّا ، فَخر سَاجِدا- شُكْرًا لِلَّهِ -
ومنها: أنه - صلى الله عليه وسلم - أتاه جعفر بن أبي طالب – رضي الله عنه - عند فتح خيبر، فخر ساجدا.فى المستدرك على الصحيحين كتاب الصلاة باب التأمين
نغاشا : أي قصيراً جداً ضعيف الحركة ناقص الخلق فخر ساجداً ثم قال أسأل اللّه العافية أخرجه الدارقطني والبيهقي
نقول إذا رأي المسلم مبتلى في دينه - ومصيبة الدين جلل – عاصيا خلع ربقة الإسلام من عنقه بينما هو موفق لطاعته ومهتد بهدي المصطفي صلى الله عليه وآله وسلم - يسن له السجود لذلك شكراً للّه على سلامته في دينه وفي أذكار النووي : إذا رأي المسلم مبتلى بنحو مرض أو نقص خلقة قال العلماء: ينبغي أن يقول هذا الذكر سراً – يقصد – قوله صلى الله عليه وآله وسلم - الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي عافاني مِمَّا ابْتلاكَ بِهِ وَفَضَّلَنِي على كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلاً، " فمن فضل ذلك أن من قال هذا الدعاء " لَمْ يُصِبْهُ ذلكَ البَلاءُ" يقوله سرا بحيث يسمع نفسه –فقط - ولا يسمعه المبتلى في بدنه أو دنياه - لئلا يتألَّمَ قلبُه بذلك - إلا أن يكون المبتلى بليته في دينه كمعصية لله تعالى فيسمعه إن لم يخف مفسدة أو مضرة
وفي مغنى المحتاج من كتب فقه الشافعية تسن سجدة الشكر .. بعدما عدد بعضا من المواطن التي تشرع فيها قال : ومنها رؤية عاص يجهر بمعصيته ، ويظهر الساجد هذه السجدة للعاصي.مستدلين بحديث أبي بكرة - رضي الله عنه - الذي ذكرناه آنفا
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - رضي الله عنه - قَالَ: (خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَتَوَجَّهَ نَحْوَ صَدَقَتِهِ (فَاتَّبَعْتُهُ) (فَدَخَلَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَخَرَّ سَاجِدًا، فَأَطَالَ السُّجُودَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ اللَّهَ - عز وجل - قَدْ قَبَضَ نَفْسَهُ فِيهَا "، فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَجَلَسْتُ، " فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ "، قُلْتُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: " مَا شَأْنُكَ؟ "، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَجَدْتَ سَجْدَةً خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ - عز وجل - قَدْ قَبَضَ نَفْسَكَ فِيهَا، فَقَالَ: " إِنَّ جِبْرِيلَ - عليه السلام - أَتَانِي فَبَشَّرَنِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ - عز وجل - يَقُولُ: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ، وَمَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَسَجَدْتُ لِلَّهِ - عز وجل – شُكْرًا رَواهُ أَحْمَدُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ
وفي نظم المتناثر من الحديث المتواتر للشيخ محمد بن جعفر الكتاني كتاب الصلاة ، نقلا عن مرقاة الوصول لنوادر الأصول ما نصه "فسجدة الشكر معلوم رسمها في أفعال الرسول فتواترت عنه صلى اللّه عليه وسلم قد فعلها غير مرة ثم بعده أصحابه رضوان اللّه عليهم" ، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم – ليصوم شكرا لله تعالى على ما أنزله بعدو الله فرعون من الغرق ، وأنجى أخاه موسى من بطشه وكيده،كما في صيام عاشوراء ، صحيح البخاري،. كتاب الصوم. باب: صيام يوم عاشوراء. كما أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلى حتى تتورم قدماه شكرا له عز وجل على مغفرته لذنوبه ما تقدم منها وما تأخر صحيح البخاري، أبواب التهجد. باب: قيام النبي صلى الله عليه وسلم حتى ترم قدماه. صحيح مسلم كتاب صفة القيامة والجنّة والنّار. باب إكثار الأعمال، والاجتهاد في العبادة
ثالثا:لما صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم خلف جبريل ، عندما أرسله الله تعالى إليه ليعلمه الصلاة، لما سجد جبريل سجد صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما رفع رأسه ، وجد جبريل لا زال ساجدا وهو الإمام عاد فسجد، فكأنه سجد سجدتين ، فوجب في شريعته ما فعله صلى الله عليه وسلم
لما كان الأصل في العبادات كلها الاتباع ، وقال صلوات ربي وسلامه عليه :"صلوا كما رأيتموني أصلى " وقد صلى هو صلى الله عليه وآله وسلم ، كما رأي أمين الوحي جبريل عليه السلام يُصلى به كما في سنن أبي داود من حديث ابنِ عَبّاسٍ – رضي الله عنهما - قال قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَمّنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السّلاَمُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرّتَيْنِ فَصَلّى بِيَ الظّهْرَ حِيْنَ زَالَتِ الشمس وكانَتْ قَدْرِ الشّرَاكِ، وَصَلّى بِيَ العَصْرَ حِينَ كَانَ ظلّهُ مِثْلَهُ، وَصَلّى بِي ـ يَعني الْمَغْرِبَ ـ حِينَ أَفْطَرَ الصّائّمُ، وَصَلّى بِيَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشفَقُ، وَصَلّى بِيَ الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطّعَامُ وَالشّرَابُ عَلَى الصّائّمِ، فَلمّا كَانَ الْغَدُ صَلّى بِيَ الظّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلّهُ مِثْلَهُ، وَصَلّى بِيَ الْعَصرَ حِينَ كَانَ ظِلّهُ مِثْلَيْهِ، وَصَلّى بِيَ المَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصّائّمُ، وَصَلّى بِيَ الْعَشَاءَ إِلَى ثُلُثِ الّليْلِ، وَصَلّى بِيَ الفَجْرَ فأَسْفَرَ، ثُمّ الْتَفَتَ إِلَيّ فقال: يَا مُحمّدُ وَقْتُ الأَنْبياءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ مَا بَيْن هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ". سنن أبي داود، كتاب الصلاة. باب في المواقيت
وعن مشروعية عودة المأموم إلى السجود إذا رفع رأسه من السجود فوجد الإمام لا زال ساجدا في الصحيح قال صلوات الله وسلامه عليه "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْد.." صحيح البخاري كِتَاب الصَّلَاةِ. باب الصَّلَاةِ فِي السُّطُوحِ وَالْمِنْبَرِ وَالْخَشَبِ.صحيح مسلم كتاب الصلاة. باب ائتمام المأموم بالإِمام
والمراد بهذا الحديث أن الائتمام يقتضي متابعة المأموم لإمامه في أحوال الصلاة، فتنتفي المقارنة والمسابقة والمخالفة إلا ما دل الدليل الشرعي عليه
وعند الشافعي معنى "ليؤتمّ به" ليُقتدَى به في الأفعال الظاهرة، ولهذا يجوز أن يصلِّي المفترض خلف المتنفل، وبالعكس وعند غير الشافعي أن الإقتداء يكون في الأفعال الباطنة والظاهرة
وفي رواية " وإذا رفع فارفعوا، وإذا سجد فاسجدوا " وهو يتناول الرفع من الركوع والرفع من السجود
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ – رضي الله عنه - "إِذَا رَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ يَعُودُ فَيَمْكُثُ بِقَدْرِ مَا رَفَعَ ثُمَّ يَتْبَعُ الْإِمَامَ" أخرجه البخاري في صحيحه معلقا في كِتَاب الْأَذَانِ. باب إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ.ووصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح وسياقه أتم ولفظه " لا تبادروا أئمتكم بالركوع ولا بالسجود، وإذا رفع أحدكم رأسه والإمام ساجد فليسجد، ثم ليمكث قدر ما سبقه به الإمام ". مصنف ابن أبي شيبة – باب الرجل يرفع رأسه قبل الإمام من قال يعود فيسجد (ج 1 / 402) رقم 4620 -
وكأنه أخذه من قوله صلى الله عليه وسلم "إنما جعل الإمام ليؤتم به " ومن قوله " وما فاتكم فأتموا".
وعند عبد الرزاق عن عمر نحو قول ابن مسعود ولفظه " أيما رجل رفع رأسه قبل الإمام في ركوع أو سجود فليضع رأسه بقدر رفعه إياه " مصنف عبد الرزاق باب الذي يخالف الإمام 2/ 373 رقم / 3759 وإسناده صحيح، قال الزين بن المنير: إذا كان الرافع المذكور يؤمر عنده بقضاء القدر الذي خرج فيه عن الإمام فأولى أن يتبعه في جملة السجود فلا يسجد حتى يسجد وقد روي هذا الحديث جمع من الصحابة منهم أبو هريرة وأنس وجابر وأبو موسى الأشعري وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم أجمعين –
من هذا كله كانت الحكمة هنا من مشروعية السجدتين ما كان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أول يوم عمله جبريل عليه السلام الصلاة، ولما كان هو الإمام للأمة وأسوتها وقدوتها، فأوجب الله تعالى على أمته الاقتداء به صلوات ربي وسلامه عليه.
رابعا: السجدة الأولى : إشارة إنه خلق من الأرض ، والثانية : إلى أنه يعاد إليها ، والجلسة الخفيفة بين السجدتين إشارة إلى مقدار الدنيا الدنية قال تعالى عن هذه النشأة والنهاية ". مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى"{طه 55}
وعن قصر مدة الحياة على ظهر الأرض قال تعالى :"فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ" {الأحقاف: 35}
وقال عز من قائل " وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ"يونس : 45}
وقال:"وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ "الروم {55}
وثمة ملمح آخر في الصلاة عن قصر عمر الإنسان ، عند الموت من حق المسلم على المسلمين صلاة الجنازة ، وهي صلاة بلا أذان ولا إقامة، فمتى الأذان والإقامة؟
والجواب : عند الولادة مشروع الأذان للصلاة في أذن المولود اليمنى، والإقامة للصلاة في الأذن اليسرى ، فعند الولادة أذان وإقامة بلا صلاة ، وعند الوفاة صلاة بلا أذان ولا إقامة ، وذلك إشعارا بقصر مدة حياة الإنسان على ظهر هذه الأرض، كقصر ما بين الأذان والإقامة والنهوض للصلاة
ألا ما أقصر عمر الإنسان على ظهر هذه الأرض، بل عمر الدنيا كلها، فما هي إلا ساعة أو قريبا منها ، فلا بقاء ولا دوام هنا ، إننا هنا أشبه ما نكون بمسافر، توقف في مطار من المطارات، حينا من الوقت ، ثم ما يلبث أن يستأنف رحلته إلى قراره ومستقره الذي يقصده، مع هذا الاجتهاد في محاولة فهم حكمة التشريع الرباني، ليزداد المؤمن يقينا وتمسكا بشرع الله تعالى ويؤديه ، عن فهم عميق وحكمة بالغة ، فما أدركنا حكمته شكرنا الله تعالى عليه وحمدناه فهو مصدر كل نعمة، وما لم ندركه لخفائه سلمنا الأمر لله تعالى فله الحجة البالغة والحكمة السامية ، وربما تقاصرت العقول عن فهم مراد الشارع مما أمر ، وله عز وجل الأمر من قبل ومن بعد كما له الخلق
بعد ذكر هذه الحكم الأربع من وراء مشروعية تكرار السجود ، نقول ثمة حكم أخري وكم في الصلاة من أسرار وفي الحديث " صَلَّى عمار بن يَاسر صَلَاة فأخفَّها فَقيل لَهُ: خففت يَا أَبَا الْيَقظَان فَقَالَ: هَل رَأَيْتُمُونِي نقصت من حُدُودهَا شَيْئا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: إِنِّي بادرت سَهْو الشَّيْطَان، إِن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: “إِن العَبْد ليُصَلِّي الصَّلَاة لَا يكْتب لَهُ نصفهَا. وَلَا ثلثهَا وَلَا ربعهَا وَلَا خمسها وَلَا سدسها وَلَا عشرهَا” وَكَانَ يَقُول: “إِنَّمَا يكْتب للْعَبد من صلَاته مَا عقل مِنْهَا” المغني عن حمل الأسفار في الأسفار، في تخريج ما في الإحياء من الأخبار وقال : أخرجه أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح وَهُوَ عِنْد أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ. "مَا عقل مِنْهَا " أي ما تدبر وتأمل وأعمل فكره وقدح ذهنه ،هذا والله تعالى أعلى وأعلم.
هوامش:
كشف المشكل من حديث الصحيحين (3/ 162)
عمدة القاري شرح صحيح البخاري (7/ 313)
"المستدرك": (1/276)
النُّغاشي - بِضَم النُّون وَفتح الْغَيْن الْمُعْجَمَة المخففة ثمَّ ألف ثمَّ شين مُعْجمَة - وَهُوَ الرجل الْقصير، وَكَذَا فسره بِهِ ابْن فَارس وَابْن الْجَوْزِيّ فِي “تَحْقِيقه” (وَزَاد فِي “غَرِيبه” : الضَّعِيف الْحَرَكَة، وَكَذَا هُوَ فِي “المعرب” للمطرزي فَقَالَ: هُوَ الْقصير فِي [الْقَامَة] الضَّعِيف الْحَرَكَة (وَقَالَ فِي (زنيم) “رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام رَأَى رجلا نغاشيًّا يُقَال لَهُ: (زنيم) فَخر سَاجِدا” قَالَ: فَهَذَا عَلَى هَذَا اسْم علم الرجل بِعَيْنِه وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن: النغاشي: النَّاقِص الْخلقَة. وَقيل: هُوَ مختلط الْعقل. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَالرُّويَانِيّ: هُوَ النَّاقِص الْخلق. وَقيل: الْمُبْتَلَى. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي “خلاصته” : النغاشي [بتَشْديد الْيَاء] والنغاش - بحذفها - هُوَ: الْقصير جدًّا الضَّعِيف الْحَرَكَة (النَّاقِص الْخلق. وَكَذَا ذكره ابْن الْأَثِير، وَهَذِه الْأَقْوَال مُتَقَارِبَة)
هي أرضٌ جعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - صدقة لابن السبيل (حم) 1664، (ك) 2019، وحسنه الألباني في المشكاة: 937، وصَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب: 1658، وفضل الصلاة على النبي بتحقيق الألباني ح7
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9399
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2181
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1125
| 06 أكتوبر 2026