رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يبذل المجتمع الدولي جهوداً قصوى لتحقيق نتائج ملموسة للتكيف مع الظروف المناخية المتقلبة، خاصة ً أنها تسببت في موجات جفاف ضربت مزارع المحاصيل في دول أوروبا، وأحدثت أضراراً في نتاج الزراعة على المستوى العالمي، والتي انعكست آثارها على الدول المستوردة للحبوب والمحاصيل الرئيسية.
ولا تقتصر الجهود على محاولة التكيف مع هذا التغير فحسب إنما تسعى في محاولات جادة للتصدي للزيادة السكانية وانتشار الفقر والحد من تأثيرات الكوارث الطبيعية التي تسببت بشكل أو بآخر في التأثير على أوجه الأنشطة الإنسانية والصناعية.
فقد تابعنا في أغسطس الماضي ما أسفر عنه اجتماع قادة الصندوق الأخضر للمناخ باعتباره أداة للعمل العالمي المشترك، من توجيه مليارات الدولارات لمساعدة الاقتصادات النامية على التكيف مع المتغيرات فقد وافقت الدول المتقدمة على زيادة المساعدات المناخية في 2009 إلى "100"مليار دولار بحلول 2020 وهي تبلغ حالياً "10" مليارات دولار سنوياً ولكنها لم تشهد نمواً منذ ذلك التاريخ، لمساعدتها في الحد من تأثير الانبعاثات الناجمة عن ظاهرة الاحتباس الحراري والفيضانات والجفاف وموجات الحرارة.
الوضع الراهن لهذا التغير يتطلب تحركاً عاجلاً وألا تقتصر الحلول على إيجاد موارد مالية من دول مانحة أو تقديم مساعدات لوجستية لدول متضررة بقدر ما أرى الحاجة إلى تخطيط أوليّ مدروس في كيفية رسم خطوات التنفيذ الأولى.
فالخطوة المبدئية هي التي توجد نقطة فاعلة ليبدأ بعدها الحراك الدولي، وأدلل في ذلك بتقرير منظومة عمل الأمم المتحدة في مجال تغير المناخ الذي قدم نتائج أبحاثه حول الظواهر المتقلبة، ونأمل أن تجد طريقها نحو التفعيل في تكوين قاعدة معلوماتية ترصد الظواهر البيئية على المستوى العالمي، وتدرس قيمة المعلومات الواردة، وتشخص الوضع القائم للتوسع الحضري والعولمة الاقتصادية والمخاطر الطبيعية المترتبة على تغير المناخ، وإيلاء البحوث أهمية في تطوير الآليات المعمول بها وإمكانية التنبؤ بالظواهر مستقبلاً.
وكان البرنامج الدولي للبحوث المناخية قد حدد في هذا الصدد آليات تنبؤ واقعية عن مدى تأثير الإنسان على المناخ، وقدم خلال العشرين سنة الماضية تقييماً للمعلومات العلمية والفنية والاجتماعية بتغير المناخ ومدى انعكاسه سلبياً على الاقتصاد وخيارات التأقلم معه.
ويرى خبراء الأمم المتحدة أنّ الحد من انبعاث الغازات التي تسبب الاحتباس الحراري في تشجيع الطاقة القابلة للتجديد، والحد من ذوبان الجليد، وتحسين فعالية الطاقة، ووقف استغلال وإزالة الغابات بهدف الحفاظ على الغطاء النباتي، والبحث عن وسائل نوعية لتغيير نمط الاستهلاك.
وإذا تتبعنا تأثيرات هذا التغير فإنّ ارتفاع درجات الحرارة، وتفاوت مستويات هطول الأمطار هي المسبب الرئيسي في موجات الجفاف، إلى جانب ظواهر التصحر وجفاف الأراضي الزراعية والمياه المالحة، وزيادة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من ثاني أكسيد الكربون بنسبة "70%" خلال الأعوام "1970ـ2004" مع توقعات بزيادته إلى "90%" خلال السنوات الخمس والعشرين القادمة.
من العوامل المؤثرة أيضاً النفايات التي تشكل "5%" من الانبعاثات الغازية مع توقعات بارتفاعها إلى نسبة "30%" في 2030 وكذلك نفايات الصناعة، وتلوث الهواء، واتساع ثقب الأوزون، والأعاصير.
وتعتبر التأثيرات الصحية والبيئية والاجتماعية هي الأخطر على الحياة البشرية لأنها نتاج تباطؤ الجهود الدولية في إيجاد طرق للتكيف مع المناخ، كما أنها عقبة في طريق التنمية التي كلما تقدمت عادت خطوات إلى الوراء، ومن المخاطر انتشار الأمراض ونفوق الحيوانات وتوقف نمو المحاصيل وسوء التغذية واعتلال الصحة العامة وتردي البيئات المجتمعية.
إزاء هذه المستجدات يسعى الخبراء إلى تحفيز الحكومات على الاستثمار في توليد الطاقة والبحث عن منافذ للطاقة المتجددة مثل الشمسية والحرارية ورفع قدراتها في الدول النامية خلال السنوات العشر القادمة والاستعاضة عن الأنشطة الصناعية التقليدية بالمدن التقنية صديقة البيئة وابتكار آليات جديدة للاستفادة من النفايات ومخلفات الصناعة وتفعيل أبحاث وتجارب خزن الكربون.
وتتوقع الأمم المتحدة في تقرير المناخ 2011 استثمار "20"تريليون دولار في تحسين البنية التحتية للطاقة وإذا حققت هذا النمو فإنها ستكون قادرة على بلوغ "60%" من خفض الهدر، أما في المباني والإسكان والتجارة فيمكن للاستثمار خفض الانبعاثات "30%".
وإذا كانت الدول النامية تحصل على تدفقات استثمارية بنسبة "46%" من إجمالي الاستثمارات اللازمة حتى 2030 فإنها ستكون قادرة على الاستجابة لمحاولات التكيف المناخي في إذا وضعت إستراتيجية فعلية تقوم على التنفيذ الآني.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4434
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4128
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
2019
| 07 مايو 2026