رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ولمن لا يعرف جزيرة "غوري"، هي باختصار: وسمٌ بالكلّاب المحمّر بالنار على إلية الرجل الأوروبي الأبيض وجبينه، لن يمحوه الزمن كعار أبدي أسود.
أجوب هذه الأيام أدغال السنغال، برفقة الصديق الكريم الشيخ منصور نياز، مستشار الرئيس السنغالي للشؤون الدينية، واقترح على زيارة جزيرة تبعد عن العاصمة داكار 3 كيلوات، وفوجئت بالمجموعات السياحية التي تزور الجزيرة، وأخبرني في الطريق بأن جزيرة "غوري" التي نقصدها، بها "بيت العبيد" الذي بناه تجار الرقيق الأوروبيون عام 1776، وكانت محطة يتجمع فيها كل العبيد الذين يسترقّهم الرجل الأبيض من قارة إفريقيا، ويصطادهم كما الحيوانات فعلا، بطريقة غاية في الوحشية، نساء ورجالا وأطفالا، ومن ثم يرحّلهم إلى أوروبا وأمريكا.
"بيت العبيد" عبارة عن قـلعة كبيرة بناها الألمان، وهو من طابقين يربط بينهما سلّمان في شكل قوسين، وثمة صورة معبّرة في المتحف لرجل إفريقي مكبّل بالسلاسل، جاثيا على ركبتيه يبكي، ومناشدا السيد الأبيض بهيئته الأرستقراطية تلك التي نراها في الأفلام، والرجل الأسود يصيح به: ألست إنسانًا مثلك؟
كنت أستمع لمدير البيت يشرح لنا عن الغرف العطنة التي نراها ونمر بها في الأسفل، والتي كانت زنزانات لتخزين العبيد. حجرات ضيقة لا تتجاوز مساحة الواحدة منها عشرة أمتار مربعة، وكان يُحشر في كل منها حوالي الخمسين شخصًا، دخلت حجرة الأطفال وتغشتني حالة من الغمّ والكدر، أتلمس تلكم الحجارة التي مضت عليها خمسة قرون، يا تراها لو تكلمت ما الذي ستقوله عما رأته؟! ، ولكأني أسمع - وأنا وحيد بتلك الحجرة الموحشة - بكاء الأطفال وهم يُنتزعون نزعا عن أمهاتهم اللاتي لهن حجرة أخرى، فيما البنات الأبكار في حجرة خاصة يحشرن فيها، فقيمتهن أغلى عند ذلك النخاس الأبيض القذر.
كان تجار الرقيق يبيعون الأطفال في مقابل مرآة صغيرة فقط، والفكرة التي سيطرت على الأسياد البيض إذ ذاك؛ اعتبار"العبد" لا روح ولا ضمير لديه، وأنه صالح فقط كي يعمل حتى الإنهاك، ولذلك كان يعاقب بأقسى أنواع التعذيب التي تفوق تعذيب الحيوانات، فما ثمة إلا السخرة فقط، والعمل بلا مقابل عند سيده الأوروبي الأبيض، وكان المعيار لذلك هو لون الجلد، فـ "بمقدار ما يزداد لون الجلد سوادًا؛ يقترب صاحبه من سمته الحيواني أكثر"، كما كتب جوزيف ندياي في كتابه (العبودية كما نرويها لأطفالنا).
عندما أرهفت سمعي لمدير البيت يشرح عن القصص المأساوية التي حدثت، وكيف كان الرجل الأوروبي الأبيض ينتزع الطفل من أمه ليرسله إلى تاهيتي، فيما الزوج كان مطلوبا في الولايات المتحدة، والزوجة إلى أمريكا الوسطى، وأن من تم نقلهم في تلكم الفترات يقدرون بـ60 مليونا من البشر، قضى 6ملايين نحبهم في الطريق ورموا في البحر؛ فوجئنا - في وجومنا الصامت ذلك - ببكاء وعويل سائح أمريكي من ذوي البشرة السمراء كان بيننا. هذا الأمريكي الأسمر لم يتحمل كل تلك القصص، وأبكانا معه في موقف إنساني صعبٍ علينا، فلم نتصور كل تلك البشاعة والوحشية من بشر تجاه بشر، وكان يقول: "أنا من ولاية جورجيا الجنوبية، وأجدادي مرّوا من هنا".
مؤلف الكتاب الآنف نقل شهادة مكتوبة جرى حفظها عن تلك المأساة التي سربلت إفريقيا كلها. جاء في هذه الشهادة: "كانت الدموع تغسل خدودهم عندما كانوا يتبادلون النظرات، وكان البعض منهم يتأوهون بألم ويرفعون عيونهم نحو السماء ثم يثبتون أنظارهم إليها ويصرخون بأعلى أصواتهم. وكانوا يفصلون الأطفال عن أهلهم والنساء عن أزواجهن والإخوة عن إخوتهم. ولم تؤخذ بالحسبان الصداقة أو القرابة، وإنما كان ينتهي كل منهم حيث يقوده مصيره".
قلت للأمريكي الذي بكى وأبكانا: "عد لبلادك، وتواصل مع جماعات حقوق الإنسان، واطلب أن يُجبر كل رئيس انتخب للولايات المتحدة للمجيء إلى هذه القلعة، ليعرف تاريخ بلادكم جيدا، وما فعله الأمريكيون العنصريون بأجدادك والبشرية، وليت هذا الطلب ينتقل لرؤساء فرنسا وألمانيا وهولندا والبرتغال، فهذه القلعة شاهد تاريخي يلاحق الرجل الغربي الأبيض للأبد، وما اقترفه من جرائم فوق الإنسانية".
أمسكت بيدي الكلّابات التي كانت تُربط بأرجل أولئكم الأفارقة، وكثير منهم مسلمون جلبوا من مالي وجامبيا والسنغال، طالعت سلاسل الحديد التي تُطوّق أعناقهم بها، وتلك الكرات الحديدة الثقيلة التي تربط بأياديهم كيلا يفروا، وإن فعلوا هوت بهم في قاع الأطلسي. طالعت رسومات تصور أولئك المساكين الذين قاموا بالاحتجاج والتمرد، وكيف كان الأسياد البيض يتفننون في تعذيبه، وقتله سحلا وصلبا، كي يرتدع الآخرون.
من أبشع ما رأيت هناك؛ صورة شنق لإفريقي محتج، من وسط سلسلته الفقرية عن طريق كلّابات تغرز في وسطه إمعانًا في زيادة آلامه حتى يموت صبرا، يتجرع الموت ببطء وألم ليكون عبرة لغيره. هناك عقوبة تلقاها اثنان من هؤلاء المحتجزين في القلعة الآثمة، أرادا التمرد على وضعهما، وكانت عقوبتهما أمام جميع رفاقهما من العبيد هي وضعهما حيّين في فوهة مدفع، ثم إطلاقهما بالبارود ليتمزقا إربًا إربًا.
رميت ببصري تجاه المحيط الأطلسي بزرقته الغامقة، وأنا منتصب في بوابة "اللا عودة" وهذا اسمها، فقد كانت تلك البوابة في "بيت العبيد" آخر قطعة قدم يطأه هذا الإفريقي المأسور في قارته، ويشحن بعدها مكبلا في السفينة التي تمخر به للمجهول بلا عودة أبدا. قطع تأملاتي مدير البيت وهمس بأن بابا الفاتيكان الأسبق يوحنا بولس الثاني وقف مكانك هنا، وقدم اعتذاره لإفريقيا، لمعرفته بدور الكنيسة المعيب في تلك الفترة، ورصد ذلك جوزف ندياي في كتابه، وقال: "إن الكنيسة قد سمحت بل كرّست بشكل ما تلك التجارة المعيبة، وأسوأ من هذا أن الرهبانيات الدينية استفادت تمامًا من نظام العبودية". وكان الفيلسوف مونتسكيو قد كتب عام 1748 في مؤلفه الشهير «روح الشرائع» الذي قال فيه: "من المستحيل أننا كنا نفترض أن أولئك المخلوقات ـ العبيد ـ كانوا كائنات إنسانية، ذلك أننا لو كنّا افترضنا أنهم كذلك، فكان سيبدأ الاعتقاد بأننا نحن لسنا مسيحيين".
السينما الأمريكية تطرقت للمأساة عبر فيلم "الجذور" وهي رواية تاريخية ألفها أليكس هيلي ونشرت لأول مرة عام 1976. حاول فيها هيلي تتبع تاريخ عائلته منذ أحد أجداده والذي يدعى "كونتا كونتي "والذي استعبد واستحضر ليعمل كرقيق إلى الولايات المتحدة. هناك فيلم حديث بعنوان: "جانغو المتحرر من القيود" أنتج في عام 2012، وتقع أحداثه في الجنوب العميق في حقبة ما قبل الحرب الأهلية الأمريكية، وهي من أروع وأقسى ما صوّر معاملة هؤلاء العبيد.
طلبوا مني تسجيل كلمة في سجل الزيارة هناك في "بيت العبيد"، وقلت ما أعظم ديننا، عندما ساوى بين الجميع: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}، أين هم من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو يقول: "لا فرق بين عربي وأعجمي ولا أبيض ولا أسود إلا بالتقوى"، وها هم ضيوف الرحمن اليوم في المشاعر المقدسة، بأحاريمهم البيضاء، يستوون جميعا أمام المليك الحق، ولا يتمايزون إلا بالتقوى.
كان يوما حزينا في حياتي ذلك الذي زرت فيه جزيرة "غوري" بالسنغال، الدمعات التي تهاملت مني، والقلب الذي انقبض؛ إنما كان لأناس ذنبهم الوحيد أن الله خلقهم ببشرة سوداء، قاتل الله العنصرية وأهلها أنى كانوا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10467
| 06 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3495
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2517
| 08 سبتمبر 2026