رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هو سؤال ثقيل الوطأة بامتياز: ما الذي حدث للربيع العربي وأين آلت ثوراته التي منحت الشعوب العربية آمالاً عريضة في إمكانية الخروج من أنفاق الاستبداد والفساد والتخلف التي حشرتها فيها أنظمة "دولة الاستقلال"؟ وهو السؤال الذي يحاول الأكاديمي والباحث الألماني "إيبرهارد كينلة" وزميلته "نادين سيكا" الأكاديمية اللبنانية مواجهته والتأمل فيه، في كتاب صادر حديثا بالإنجليزية بعنوان: "الانتفاضات العربية: التغير والتحدي"...
The Arab Uprisings: Transforming and Challenge
تتفاقم وطأة السؤال بالتوازي مع سرعة الحدث المدهشة وتاريخيته.. ففي مساحة زمنية قصيرة اندلعت انتفاضات شعبية غير مسبوقة، وسقطت أنظمة راسخة، واهتزت عروش أنظمة أخرى، وانتصرت ثورات، ثم ما لبث وأن هُزمت. الأسوأ والأكثر دهشة هو عودة من سقط من الأنظمة، وقد ازداد شراسة وعنفاً.
يُضاف إليه أن الأنظمة التي اهتزت استبداداتها هنا وهناك تعلمت الدرس "الانتفاضي" فراجعت إستراتيجياتها في مواجهة شعوبها وإطالة عمرها وأمدية تسلطها. ما الذي حدث إذن؟ ولماذا نجحت ثورات كثيرة في طول وعرض تواريخ شعوب وبلدان العالم، في حين أدار ذلك النجاح ظهره للعرب؟ لن تترك هذه الأسئلة أحدا يرتاح وخاصة ممن تفاءلوا بتلك الانتفاضات الشعبية العفوية، وأملوا باندحار حقبة وانبلاج أخرى.
يجمع كينلة وسيكا في هذا الكتاب عدة مساهمات أكاديمية رصينة تقدم مقاربات ومحاولات للإجابة على تلك الأسئلة الصعبة، وللبحث في الجذور التاريخية والسياقات المختلفة التي وفرت نجاحاً أولياً هنا أو هناك، كما في مصر وتونس، أو تحولاً صراعياً دامياً، كما ليبيا وسورية. ثم كيف أثرت موجة الانتفاضات العربية على الوضع القائم للأنظمة المحافظة والملكية، حيث أربكتها في المرحلة الأولى، لكن عززت من حضورها وربما شرعيتها أمام شعوبها في مرحلة لاحقة. يُقرر المحرران ابتداءً ما هو مقرر من أن حالات البلدان العربية سواء لجهة دراسة ثوراتها أو أية جوانب أخرى فيها تتصف بالتشابه الذي يميزها عن دول مجاورة غير عربية أخرى، لكنها تتباين في الوقت ذاته عن بعضها البعض بما يستوجب الحذر من تطبيق مفهوم معين أو إطلاق حكم عام يطال "العرب" أو "الدول العربية" وكأنها كتلة مصمتة واحدة.
تتجسد أهمية هذا التقرير الابتدائي والنظري وتحذيراته ونحن نقرأ ونقارن بين ما كتبه فرد لوسون في الفصل الثالث حول "إعادة النظر في الاقتصاد السياسي للانتفاضات العربية: مقارنة بين الجزائر واليمن"، وما كتبه جون شالكرافت متسائلا عن "أي تغيير يمكن أن ينجزه الاحتجاج: الفاعلية وحدودها في الانتفاضات العربية".. المقاربة الأولى تحاول أن تعيد الاعتبار إلى منظور الاقتصاد السياسي في فهم العوامل المسببة للانتفاضات العربية، وكذا العوامل التي أفشلتها.
ويرى لوسون أن معظم الأدبيات التي تناولت الربيع العربي فشلت في استكناه أثر الأزمة العالمية المالية في سنوات 2008 و2009، وما نتج عنها من كساد في التجارة الدولية، وزيادة معدلات البطالة في الشرق الأوسط، وبالتالي مساهمتها في تفعيل العوامل الانتفاضية. وهكذا وبسبب الترابط والتبادلية الاقتصادية العالمية فإن البلدان العربية تأثرت مباشرة من تلك الأزمة، وقاد ذلك إلى ضغوطات داخلية متراكمة ومتسارعة انفجرت على شكل الربيع العربي. تنتمي هذه المقاربة إلى نوع التحليل الفوقي والإجمالي الذي يفترض ترك المنعكسات والظروف الناتجة عن تحول عالمي أو إقليمي ذات الأثر على الأطراف المخلتفة. وهنا ثمة افتراض مُستبطن بالتالي، وشبه رياضي، بأن الوحدات المتأثرة، أي الدول والمجتمعات هنا، متجانسة ومصمتة وشبه موحدة في طرائق استجاباتها، كما هي دول الربيع العربي جراء الأزمة العالمية المالية.
على الطرف الآخر وشبه النقيض من التحليل تأتي مقاربة جون شالكرافت التي يرى فيها أن الفهم الأدق للربيع العربي ونجاحه أو فشله يجب أن يتأتي من قراءة كل حالة على حدة، أي النظر إلى الاختلافات والتباينات وليس افتراض التشابه المصمت أو الغالب. وأن التحليل المُبدع والمبادر لكل انتفاضة شعبية، ثم لكل انقلاب عليها، ودراسة الظروف المحيطة والتحولات التراكمية هو الذي يفيدنا في نهاية المطاف.
لكن وقبل قراءتي لوسون وشالكرافت، هناك فصل تأسيسي مهم قدمه روجر هيكوك بدأ فيه النقاش بمتابعة الثورات الأوروبية الشهيرة في منتصف القرن التاسع عشر، وتمحيص ظروفها التاريخية السياسية والاقتصادية، كل على حدة، والوصول إلى "نماذج" محددة يمكن الاستفادة منها وقياس الانتفاضات العربية عليها. والجهد الذي قام به هيكوك في "مقارنة ما لا يُقارن"، كما هو عنوان فصله، يستحق التقدير لما فيه من جهد سوسيولوجي واقتصاد سياسي وتاريخي، ومقاربة تأملية صعبة بين حقبتين وعامين مختلفتين تماماً: 1848و 2011. يلي ذلك مقاربات تومسا ديملهوبر، الآن ديكوف، إيبرهارد كينلة، ونادين سيكا، حول الملكيات في الخليج وشرعية بناء الدول، وعودة انبعاث الملكيات العربية، والاحتجاج الشعبي وتحول شكل الدولة بشكل عام (كينلة)، وفي مصر وسوريا تحديداً (سيكا).
تتعمق هذه القراءات في مصائر الربيع العربي ودينامياته الداخلية والارتدادات التي أنتجها وحالة السيولة الجيوإستراتيجية والسياسية التي تولدت عنه، وهذا ما يُسجل لها ولمحرريها. ما يُؤخذ عليها هو تهميشها لدور الفاعلين الدوليين، سواء دولا كبرى أو إقليمية، في التأثير في تلك المصائر، مقابل التوغل في تحليل آليات الاقتصاد السياسي والبنى الداخلية التي لا أحد بطبيعة الحال يُجادل في جوهريتها. لكن المثال الليبي والسوري يقدمان دليلا كبيرا على أن العامل الخارجي، الدولي والإقليمي، كان الحاسم في إنجاح الثورة في مرحلتها الأولى (ليبيا)، وفي إفشالها في ما بعد مرحلتها الأولى (سوريا)، ثم في تعطيل قيام نظام ناجز وفعال بعد انتصارها، كما هو المثال الليبي ثانية.
عناد شبان فلسطين يقلب الأجندة
الانتفاضة المقدسية العنيفة والبطولية التي خاضها شبان فلسطين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة وفي الداخل الفلسطيني المُحتل،... اقرأ المزيد
524
| 26 أكتوبر 2015
اللاجئون السوريون.. ماذا عن روسيا وإيران؟
السؤال الأول: لماذا لم تفتح ولا تفتح روسيا وإيران بلدانها للاجئين السوريين، وكلا البلدين ولغ في الشأن السوري... اقرأ المزيد
544
| 28 سبتمبر 2015
المسلمون والقدس.. الزيارة والاستثمار والدفاع
ربما لم يتبق ما يُقال عن أحداث الأقصى الأخيرة وتواصل الجرائم الإسرائيلية التي تحميها وترعاها حكومة يمينية متطرفة،... اقرأ المزيد
729
| 21 سبتمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5742
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4926
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3093
| 24 سبتمبر 2026