رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من بين الدلالات الكثيرة لإعادة انتخاب باراك أوباما تبقى تلك الأكثر أهمية، وهي أن الناخب الأمريكي أدرك أن هناك تغييراً عميقاً استطاع الرئيس الأسود أن يحققه في مفهوم الزعامة الأمريكية وهو ما أشار إليه في خطابه بعد الفوز التاريخي بالنأي عن مسألة الحرب، "نزعة وعقدة" لطالما تحكمتا بالنظرة إلى أي رئيس، كان، بيل كلينتون حاول ذلك من دون أن يحدده كهدف علني، ومن دون أن يجعله معياراً للحكم عليه، ولم ينجح كلياً، وعندما خلفه جورج دبليو بوش كان واضحاً أنه لن يكمل هذا النهج لأنه ينتمي إلى المدرسة التقليدية التي تصنع "الرئيس المحارب"، وما لبثت هجمات 11 سبتمبر 2001 أن حسمت خياراته وقناعاته، فأحاط نفسه بزمرة اليمين المحافظ التي جعلت "الحرب على الإرهاب"، وريثة للحرب الباردة، وهذه الزمرة نفسها ظهرت في حملة ميت رومني ومنيت معه بالهزيمة.
هذا التغيير، الذي لم يترسخ بعد، وقد تسهم الولاية الثانية لأوباما في تأكيده، ليس مرتبطاً بنمط تفكيري فحسب، وإنما بعوامل وحقائق أبرزها أن الأزمة الاقتصادية كشفت ضرورة الاهتمام بالداخل الأمريكي بدرجة أكبر، ولم يكن الحديث عن مسائل التعليم والبنى التحتية والصحة وفرص العمل خلال الحملة الانتخابية سوى عينات مما يجب إيلاؤه رعاية مطلوبة منذ زمن، ثم أن الأزمة الاقتصادية لفتت إلى كلفة حروب بوش وفرضت إعادة تفكير في نهج "الزعامة" الذي بلغ في اعتناقه القوة حد التهور، خصوصاً أن تلك الحروب لم تحقق للولايات المتحدة الأهداف التي توختها بل أدت عملياً إلى إضعاف قيادتها للعالم، وأبرزت قوى أخرى مثل روسيا والصين اللتين تشكلان حالياً تحديات صعبة لأمريكا في ما يبدو أنه إعادة إنتاج للحرب الباردة.
سيكون على أوباما أن يثبت في السنوات الأربع المقبلة مؤدى هذا التغيير، بأن يحافظ على مكانة الولايات المتحدة من دون أن يضطر إلى تقديم تنازلات واضحة للروس والصينيين، فهؤلاء بدورهم لا يسعون إلى حروب ساخنة لابد أن تنعكس على اقتصاداتهم واستقرار أوضاعهم، إلا أنهم سيواصلون التحدي لإنزال أمريكا من علياء القوة العظمى الوحيدة التي تتصرف وكأنهم غير موجودين.
من الطبيعي أن الصراع بين القوى الثلاث سيزداد، وربما كانت موسكو وبكين تفضلان فوز رومني لاعتقادهما أن سياسات اليمين الأمريكي أسهل استغلالاً من جانبهما، في حين أن السياسة الأوبامية المهادنة تخلق لهما تعقيدات يصعب التعامل معها، كما يظهر حالياً في الأزمتين السورية والإيرانية، إذ أن سلبيتهما فيما يخص سوريا أدت إلى تعطيل مجلس الأمن، بل إلى تعطيل كل الحلول سياسة كانت أو عسكرية، كما أن إيجابيتهما الشكلية في التعامل مع الأزمة الإيرانية لم تستطيع التغطية على اختراقهما نظام العقوبات رغم موافقتهما العلنية على التزامه.
بديهي أن أوباما يعود إلى البيت الأبيض أكثر قوة وأوسع تفويضاً من جانب الأمريكيين، وقد فهم أن العبرة في فوزه تتعلق بالداخل وليس بالخارج، ومع ذلك فإن هذا الفوز لا يعني، بل لا يتيح له، الانطلاق في سياسات انقلابية على ما انتهجه في ولايته الأولى، بالنسبة إلى الداخل يستطيع أن يستنتج أنه نال ثقة بالطريقة التي اختارها للتعامل جذرياً مع الأزمة الاقتصادية، إذ سعى إلى ضوابط تغير عقلية الأسواق المالية وتقاليدها، وتمكن من نيل تأييد قسم كبير من المؤسسات التي أيقنت أن معالجة سطحية عاجلة يمكن أن تنجح آنياً غير أنها ستمهد لأزمة أخرى قد تكون أكثر كارثية، صحيح أن انتقادات وجهت إلى أوباما بأنه استعاد بعض مفاهيم اليسار والاشتراكية، إلا أن هذه بقيت مآخذ سياسية وأيديولوجية، فالمحك الحقيقي كان في النتائج التي تحققت فعلاً وتلك المتوقعة في المرحلة المقبلة.
وهذا ما لعبت دوراً حاسماً في الخيار الانتخابي، لأن المرشح الجمهوري كان يريد إعادة معالجة الأزمة إلى منطلقات غير مضمونة.
والواقع أن نجاح المعالجة الأوبامية للأزمة يؤثر مباشرة على معظم الدول التي تعتبر حليفة تقليدياً للولايات المتحدة، فالأزمة بدأت في نيويورك ثم انتشرت، ولعل تفرق الحلفاء في معالجتها هو ما أدى إلى البلبلة المستمرة في أوروبا، وما أجل ويؤجل الانفراج المؤمل به.
أما بالنسبة إلى الخارج ونزعاته وأزماته؛ فإن المشكلة مع نهج أوباما هي أن الولايات المتحدة حافظت معه على احتكارها للحلول والمبادرات، وليس مؤكداً أنه يريد أن يغير هذا الواقع، رأينا أن نشاطاً كبيراً حصل في بداية ولايته الأولى على صعيد المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، ثم رأينا الجمود التام، بل الانصياع الخالص للإرادة الإسرائيلية، وقد انعكس ذلك على قدرات القوى الأخرى المعنية بما فيها الأمم المتحدة على التعاطي مع هذا الملف، وفي ما يخص الأزمة الإيرانية كان واضحاً أن أوباما لم يسع إلى خطوات حاسمة، حتى أنه واجه تحدياً غير مسبوق من جانب "حليفه" الإسرائيلي الذي راح يدفعه دفعاً للذهاب إلى الحرب، بل يرضخ أوباما، تحديداً لأن مؤسسته العسكرية لا تريد هذه الحرب، ولأن الحلفاء الأوروبيين لا يريدونها أيضاً، وإذا أراد أن يستعيد العمل العسكري فلابد له أن يتوصل إلى حل تفاوضي قد تكون إيران راغبة فيه الآن بسبب تفاقم تأثير العقوبات عليها، وايضاً لأن أوضاع حليفها السوري لم تعد تكسبها أي قوة بل باشرت إضعاف نفوذها.
لا شك أن أول استحقاقات السياسة الخارجية لأوباما في ولايته الثانية ستكون سوريا، وهي ستتحكم بمجمل الملفات الأخرى سواء ما يتعلق منها بإيجاد تفاهمات مع روسيا والصين، أو بمجريات التفاوض مع إيران، أو بقيود العلاقة الاستراتيجية مع إسرائيل، لكن، مرة أخرى، لابد له من العودة إلى الملف الفلسطيني، لأنه يبقى أساسياً وجوهرياً إذا ما أراد أوباما أن يترك إرثاً طيباً في دبلوماسيته وبالأخص إذا ما أراد أن يصحح تعامله مع تحولات "الربيع العربي" التي باتت تشيع خيبة الأمل هنا وهناك.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
3741
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2607
| 02 يونيو 2026
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام رمضان؟ ولماذا نستطيع في تلك الأيام أن نترك عادات سيئة، ونلتزم بالصلاة، ونقرأ القرآن براحة وطمأنينة… ثم بعد انتهاء الموسم نعود أحيانًا كما كنَّا؟ هذه المواسم ليست عبثًا، بل جعلها الله محطات متكررة لإعادة ترتيب حياتنا من الداخل. رمضان كان ثلاثين يومًا من التدريب الحقيقي على الصبر والانضباط وتزكية النفس، ثم جاءت العشر المباركة والحج بعده بفترة قصيرة لتعيد شحن القلب من جديد وكأن الله يمنحنا فرصة أخرى حتى لا تبهت أرواحنا وسط زحمة الحياة. لكن السؤال الأهم: كيف نستفيد فعلًا مما مضى؟ وكيف نجعل أثر رمضان والحج يستمر معنا؟ وكيف نحافظ على أنفسنا من العودة للعادات والسلوكيات السيئة التي حاولنا تركها؟ رمضان لم يكن مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل كان تدريبًا عمليًا على التحكم بالنفس. خلال ثلاثين يومًا تعلّمنا أن الإنسان قادر على تغيير عاداته إذا امتلك الإرادة. استطعنا أن نبتعد عن أشياء اعتدناها سنوات، وأن نقترب من القرآن والصلاة والدعاء والهدوء الداخلي. ثم جاءت أيام الحج والعشر المباركة لتذكّرنا بمعنى الطهارة الحقيقية، والتجرد لله، والشعور بأن الدنيا أصغر من أن تستحق كل هذا التعلق والانشغال، لبسنا الإحرام ومشينا ورمينا واستعدنا ذكريات جدنا إبراهيم الخليل صلوات ربي وسلامه عليه وعلى نبينا محمد. هذه المواسم ليست لحظات مؤقتة فقط، الدين يهتم بالسلوك بالعادات والتعامل بعلاقتك مع الآخر، الدين ليس ركوعا وسجودا فقط، الدين معاملة ونهج حياة. ولذلك فإن أهم محطة يجب أن نتوقف عندها بعد رمضان والحج هي "المراجعة". ماذا تغيّر فينا؟ ما العادة التي استطعنا كسرها؟ ما العبادة التي قرَّبتنا من الله؟ ما الشيء الذي شعرنا معه براحة وطمأنينة حقيقية؟ كثير من الناس يظنون أن التغيير يعني أن يصبح الإنسان كاملًا، بينما الحقيقة أن الاستمرار أهم من الكمال. فالله يحب العمل الدائم وإن كان قليلًا. ليس المطلوب أن تعيش بنفس قوة رمضان طوال السنة، لكن المطلوب ألا تنقطع تمامًا بعده هذا شي مهم جداً. ولكي نحافظ على الأثر الجميل لهذه المواسم، نحتاج إلى بناء عادات صغيرة وثابتة، فمثلاً صفحة قرآن يوميًا، ركعتا قيام ولو لدقائق، أذكار الصباح والمساء، صدقة بسيطة، أو حتى المحافظة على الصلاة في وقتها. هذه الأعمال الصغيرة تشبه القطرات التي تحافظ على حياة القلب مهما كانت الحياة مزدحمة. ومن الأمور المهمة أيضًا أن ننتبه للبيئة التي حولنا. فالإنسان يتأثر بمن يجلس معهم وبما يراه ويسمعه يوميًا. لذلك فإن الصحبة الصالحة، والمجالس الطيبة، والابتعاد عن كل ما يعيدنا للعادات السيئة… كلها أسباب تساعد على الثبات والاستمرار. كما يجب أن نفهم أن العودة لبعض الأخطاء لا تعني الفشل. كل إنسان يضعف ويتعثر، لكن الفرق الحقيقي بين الناس هو سرعة العودة إلى الله وعدم الاستسلام. الطريق إلى الله ليس طريقًا بلا أخطاء، بل طريق مليء بالمحاولات والرجوع والتوبة والاستمرار. لقد خلق الله لنا رمضان كفلتر ينظف القلب خلال ثلاثين يومًا، ثم أتبع ذلك بالعشر المباركة والحج بعد شهرين تقريبًا حتى تبقى الروح متصلة بالله وحتى لا نغرق طويلًا في انشغالات الدنيا. وكأن هذه المواسم محطات صيانة للقلب يعود فيها الإنسان إلى نفسه، ويعيد ترتيب أولوياته ويتذكر لماذا خُلق وإلى أين يسير. فالسعيد حقًّا ليس من تأثر في رمضان فقط، أو بكى في عرفات فقط، بل من حمل أثر تلك الأيام معه بعد انتهائها. من أصبحت عبادته سلوكًا وأخلاقه نهج حياة وقلبه أهدأ وعلاقته بالله أقرب وأصدق. نسأل الله أن يجعل أثر رمضان والحج باقيًا في قلوبنا وأن يرزقنا الثبات بعد الطاعة والاستمرار بعد المواسم لأن الفرص لها عدد فلا تضيعها لكنك لن تجد ما تقوله لربك إذا وقفت بين يديه.
2286
| 02 يونيو 2026