رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
استسلمت لمشاعري الحزينة وأنا أسير في جنازة أمي وجلست ساكناً وهم يهيلون عليها التراب، ارتعش جسدي من شدة الخوف والبرد، لم أستطع أن أتكلم.. اختنق الصوت.. الناس حولي كثيرون لكنني كنت وحيداً مثل أمي التي تركوها وحدها داخل القبر.
وقفت أتلقى العزاء.. الناس يقولون: إنا لله وإنا إليه راجعون، وأنا أؤمن بذلك لكنني كنت أحتاج إلى أن يرددها الناس على مسامعي. إنها نعمة من الله أن يصافحك الناس في هذا الموقف ويذكرونك بهذه الحقيقة. البقاء لله وحده وكل البشر لابد أن يموتوا، يتساوى أمام الموت الأمير مع الفقير.
الأجساد تدفن في التراب، والأرواح تصعد إلى بارئها والناس يعودون ويتركون الإنسان وحيداً، ويبكي الأحباب فترة ويتلقون العزاء ثم ينسون.. هل يمكن أن أنساكِ يا أماه؟!!
الدنيا تشغلنا فننسى أحب الناس، لكن ماذا تعني تلك الدنيا؟ الحياة نعمة من الله فهل تُنسِينا النعمة المنعم، وكيف تشغلنا عن واهب الحياة، ومالك الملك؟!!
الناس يتصارعون في هذه الدنيا كالوحوش. يتفاخرون بالأنساب، يكنزون الأموال، ويتعالون بجاه زائف ومظاهر خادعة، وبعد فترة قليلة يموتون، ويتركون الأموال لأبناء لا يحسنون إنفاقها، وقد يستخدمونها في تدمير أنفسهم.
والله يعز من يشاء في هذه الدنيا، لكن الناس ينسون وهم يتمتعون بهذا الحب إنه ابتلاء من الله.
لقد ماتت أمي بعد ثلاثة أيام فقط من فوزي في انتخابات مجلس الشعب، وجاء آلاف الناس يهنئونني فشغلوني عن البقاء بجانب أمي في أيامها الأخيرة. وماتت أمي وجاء الناس يعزونني وبين التهنئة والعزاء مجرد ساعات.
هل كنت أحتاج إلى ذلك الدرس القاسي؟! ربما.. وهل يمكن أن أفهم الرسالة وأعرف معانيها؟!
تذكرت أنني كنت أسير على قدمي في الطريق إلى المقابر وأنا أودع أمي، وبعد فترة قليلة سأسير في ذلك الطريق محمولاً على الأعناق، ويهيلون على جسدي التراب، ويقولون لأحبابي إنا لله وإنا إليه راجعون.
تلك هي قصتي ولكن قبل أن تنتهي يجب أن أفهم الدرس. والحياة قصيرة وإن طالت وهي نعمة من الله يجب أن نشكره عليها، ولكن كيف؟
داود عليه السلام كان يقول يا ربي كيف أشكرك وشكري لك نعمة تستحق عليها الشكر!
كثيرون هم الذين أنعم الله عليهم بجاه وعز وأموال وقصور، لكنه حرمهم من نعمة الشكر، فتحول كل ذلك وبالا وويلات.
الخوف يملأ النفس والله وحده هو الذي نخافه ونرجوه، وكلما اشتد خوفنا منه زاد تعلقنا برحمته وكرمه.
وكلما زاد عطاء الله للإنسان زاد طمعه.. حسناً نحن نطمع في عطاء الكريم ورحمة الرحمن الرحيم.
وما أطيب العز والجاه عندما نستخدمهما لإرضاء الله لأن غاية حياتنا هي أن يرضى الله عنا، فإن رضي فقد فزنا.
والله سبحانه وتعالى أنعم علينا بالإسلام وأعزنا به، والحياة تكون طيبة وجميلة فقط عندما نعيش في ظلال الإسلام، وعندما نعبد الله كما أراد سبحانه أن يعبد في الأرض، وكما علمنا رسولنا صلى الله عليه وسلم.
الحياة يكون لها قيمة عندما نعمل لإعلاء كلمة الله، وتحرير الإنسان من كل أشكال العبودية ليكون عبداً لله وحده.
والحياة يكون لها قيمة عندما نقيم العدل في الأرض وتلك من أهم وظائف الأمة الإسلامية.
والبشرية لم تنعم بالعدل إلا في ظل حضارة الإسلام وشريعته والإنسان يحتاج إلى أن يكون لحياته معنى قبل أن يحتاج إلى غذاء ومسكن وملبس وجاه.
والإسلام وحده هو الذي يعطي للحياة معناها، فالمؤمن لا يعيش ليتمتع كما تتمتع الأنعام لكنه يعيش ليعبد الله وليعمِّر الأرض ويبني الحضارة ويقيم العدل.
فهل جربنا أن نشكر الله على نعمة الإسلام؟ إنها أجمل وأفضل النعم، وبدونها لا يكون للحياة معنى ولا قيمة.
ولأننا مسلمون فنحن نتعلق دائما بالأمل في رحمة الله وكرمه، يزداد رجاؤنا فيه كلما زادت معرفتنا به.. ونطمع دائماً في عطائه، نخاف منه ونحبه، وغاية حياتنا أن نرضيه.
فإن نسينا ذكرنا موت الأحباب، وإن شغلتنا الدنيا وقصرنا في عبادته فإننا نطمع في عفوه ويزداد أملنا ورجاؤنا في رحمته ومن نعم الله علينا أن لنا أملاً في أن يجمعنا الله مع أحبابنا في جنته.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
2367
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
1617
| 28 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
708
| 25 يناير 2026