رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
اشتهر الحجاج بن يوسف الثقفي بالظلم، وكان مثالاً للطغيان والاستبداد، على رغم أنه كان سبباً في فتوحات وصلت للهند والصين ونشر الإسلام في تلك البقاع، وكان يجهز الحملة تلو الأخرى ويهتم بها، وامتاز بتكليف القادة الشجعان المبدعين أو الموهوبين لقيادة حملات الفتوح، فاختار قتيبة بن مسلم الباهلي لفتح بلاد آسيا الوسطى، وأرسل محمد بن القاسم الثقفي لفتح بلاد السند والهند، على رغم صغر سنه، ويمكن القول إن وصول الإسلام إلى بلاد الصين والهند وباكستان اليوم، كان الفضل لله ثم للحجاج.
لكن رغم كل تلك المآثر، كان مستبداً لا يتورع عن ظلم الآخرين والتعرض للصالحين، فقد قتل الأئمة والتابعين أمثال عبدالله بن الزبير وسعيد بن جبير وغيرهما، حتى أصابه مرض، ضيّقت عليه الأرض بما رحبت، وتمنى الموت على أن يستمر في آلامه، فشكا من حاله وما يعاني من شدة الألم إلى الحسن البصري، فقال له الحسن: قد كنتُ نهيتُك ألا تتعرّض إلى الصالحين فلججت. فقال له: يا حسن، لا أسألك أن تسأل الله أن يفرّج عنّي، ولكني أسألك أن تسأله أن يُعجِّل قبض روحي ولا يطيل عذابي.
لما قبض الله روح الحجاج وانتشر خبر هلاكه، فرح الناس وخرجوا للشوارع مستبشرين، وقيل إن الإمام طاووس بن كيسان، أحد كبار فقهاء التابعين تلا عند موت الحجاج (فقُطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين)، فيما الحسن البصري كان يدعو عليه بالموت حتى تموت سُنّتُه، فلما مات فرح وسجد.
في حديث صحيح رواه البخاري، أنه مرّت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جنازة فقال: مستريح ومستراح منه. قالوا يا رسول الله: مَن المستريح ومَن المستراح منه؟ قال: المستريح هو العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا، والمُستراح منه العبد الفاجر، يستريح منه العباد والدواب والشجر.
ويُذهب غيظ قلوبهم
فرح المؤمنون بهلاك رؤوس الكفر من صناديد قريش يوم بدر، وفرح الإمام أحمد بن حنبل بهلاك المأمون، وفرح أهل مصر بهلاك الولاة العبيدين وانتهاء الحكم الفاطمي في مصر، وقبل ذلك بكثير سجد أبوبكر الصديق - رضي الله عنه - حين سمع بمقتل مسيلمة الكذاب، والقصص في هذا الجانب أكثر من أن نحصيها.
إن قصص المستراح منهم عبر التاريخ كثيرة، ولا بأس إن قام أحد بتذكير الناس بها بين الحين والحين، خاصة عند هلاك ظالم ما، والذي ليس شرطاً أن يكون هذا الظالم رئيساً أو زعيماً، بل يمكن أن ينتشر الظلم عبر آخرين أقل درجة ومرتبة، وظلمهم ربما يصل لمستوى ظلم الولاة والحكام وأمثالهم، فقد يكون الظالم على شكل وزير، مدير، مفكر، كاتب، مثقف، إعلامي، سياسي، رجل أعمال، وغيرهم كثير، لكن تختلف درجة الظلم من شخص إلى آخر، والذي نتحدث عنه ها هنا أكثر من غيره هو ذاك الظالم الذي ينتشر ظلمه ويتسع، وقد تبقى سنّته الظالمة حتى بعد هلاكه، وهنا مكمن الخطر، بل هو ما يدفع إلى ضرورة التنبيه إليه والتحذير منه، وبالطبع قبل ذلك، إظهار الفرح بهلاكه.
إن هلاك ظالم ما، فيه سعادة بالغة لا يشعر بها سوى من اكتوى بنار ظلمه من قريب أو بعيد، سعادة لا يمكن وصفها والتعبير عنها إلا من ذاق الويلات والعذاب في حياة ذاك الظالم، بصورة مباشرة أم غير مباشرة، وليس في هذا أي غرابة، لأنها فطرة في الإنسان السوي، الذي يتألم للمظلوم، ويسعد بهلاك الظالم، (ويشف صدور قوم مؤمنين، ويُذهب غيظ قلوبهم).
هلاك الظالم بين الشماتة والفرح
قد يخلط البعض في مسألة هلاك الظالم، بين إظهار الفرح والشماتة، والحقيقة أنه لا شماتة في الموت،. لكن هناك خيطا رفيعا بين الشماتة والفرح في هذه المسألة، وأشير إلى نقطتين ها هنا. الأولى، أنه لا شيء في أن يفرح الناس بهلاك ظالم، لأن فرحهم يقوم على أساس أن هلاك الظالم هو انقطاع لشره وظلمه وسنّته، وليس لأن الله كتب عليه الموت، ذلك أن الموت يصيب كل شيء حي، ولا توجد استثناءات في هذه الحقيقة، والفرح بمَهلك أعداء الإسلام وأهل البدع المغلظة وأهل المُجاهرة بالفجور، أمر مشروع - كما يقول الشيخ محمد صالح المنجد - وهو مِن نِعم الله على عباده وعلى الشجر والدواب، بل إن أهل السنَّة ليفرحون بمرض أولئك وسجنهم وما يحل بهم من مصائب.
لا شيء إذن أن تُظهر فرحتك بهلاك ونفوق فاسق داعر يجاهر بنشر فسوقه، أو مجرم آثم كذاب لا يتورع عن نشر أكاذيبه، وزرع الفتن بين الناس عبر الوسائل المختلفة، لا شيء في أن تفرح بهلاك زعيم متجبر، أو ديكتاتور ظالم زرع الآلام والأذى بين الناس لمجرد اختلافهم معه في الرؤى والتوجهات.
إن من يفرح لهلاك أولئك الظلمة، ليس لأن الموت خطفهم. لا، إنما لأن الموت وضع حداً لجرائمهم وظلمهم وفسوقهم وإفسادهم حياة البلاد والعباد، وربما الشجر والدواب، والحديث الذي يستشهد به بعض أصحاب الورع البارد (اذكروا محاسن موتاكم) ليس بحديث، بل اعتبره الإمام البخاري أنه منكر الحديث.
النقطة الثانية في هذه المسألة، أنه حين هلاك ظالم فاسق فاجر، الأصل ألا يفرح الناس بذلك فحسب، بل أكثر من ذلك وهو الاستمرار في التذكير بمساوئه وظلمه، كي تظل عالقة بالأذهان، يحذر الناس الاقتداء بها مستقبلاً، أما محاولة تبييض صورته لسبب أو آخر، فليس من سنّة السلف الصالح في التعامل مع مسألة هلاك الظلمة والمجرمين.
إنه بالقدر الذي نبذل الجهد في تذكير الناس بمحاسن ومآثر الصالحين والأئمة العادلين بعد وفاتهم، والدعوة إلى الاقتداء بهم والسير على صراطهم المستقيم، فإنه بالمثل، يلزم كشف مساوئ الظلمة والمجرمين على اختلاف وظائفهم وأدوارهم في الحياة الدنيا، مع ضرورة فضح إجرامهم وألاعيبهم، والتحذير منها على الدوام، وتلكم خلاصة ما يمكن القول في موضوع اليوم.
وللّه على الناس حج البيت
الحج ليس حركة أقدام إلى بقعة مقدسة فحسب، بل هو في حقيقته رحلة عودة الإنسان إلى حقيقة العبودية؛... اقرأ المزيد
42
| 24 مايو 2026
قراءة في ظاهرة المدير السام
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على... اقرأ المزيد
483
| 23 مايو 2026
معرض الكتاب.. الاستثنائي
كل عام يختلف بشكل متغاير وبثوب جديد، ليصبح جاذبا لكل الفئات والأعمار والتخصصات، معرض استثنائي من السعة والتنظيم... اقرأ المزيد
75
| 23 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1437
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1272
| 19 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1092
| 21 مايو 2026