رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك في الداخل والخارج منا ومن غيرنا من يحاول اختطاف الإسلام الذي نعرفه ونحبه ونعتنقه لينمطوه ويعدلوه لنا بما تهوى أنفسهم وبما يخدم أجنداتهم. فمنا من يمارس العنف والقتل والسبي والحرق وتدمير الآثار الخ، وينسب ذلك إلى الإسلام ومنا دعاة متطرفون لا يعيشون العصر ويدشنون خطابا دينيا متشددا يلقي بالمسلم خارج العصر بل خارج التاريخ والحياة ومن غيرنا من يحاول اختطاف الإسلام كذلك ليفصل لنا إسلاما تعبديا صوفيا لا علاقة له بالحياة تساوقا مع “دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله“ وهؤلاء يعبرون عن أنفسهم من خلال أفكار متطرفة وممارسات مستهجنة.
فأوروبا الليبرالية التي لطالما تغنت بأنها رائدة عصر التنوير والحرية والحداثة وأم الثورات الكبرى ومدونات حقوق الإنسان.
وأنها راعية حقوق الإنسان الأولى في عالم اليوم. تفاجئ المسلمين في القارة الأوروبية وخارجها بتصرفات فردية وجمعية شخصانية ومؤسسية فيها من العدوان على رموزهم ومقدساتهم وأشخاصهم بما يضع كل هذه المزاعم تحت المجهر من جديد فمن الإساءة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالرسوم إلى منع بناء المآذن في سويسرا من خلال استفتاء عام إلى قتل المسلمين المسالمين الذين ذهبوا بحثا عن لقمة العيش أو طلبا للعلم فمن مروة الشربيني في ألمانيا إلى قتل أسرة فلسطينية عربية مسلمة مكونة من ثلاثة أشخاص في أمريكا هم ضياء شادي بركات وزوجته يسر محمد أبو صالحة، وشقيقتها رزان محمد أبو صالحة على يد مواطن أمريكي متطرف كاره للإسلام ثم إلى الأحزاب اليمينية في الغرب التي تغذي الإسلاموفوبيا وتستغل وجود أي جماعة إسلامية متطرفة أو أحداث عنف وإرهاب كحادث قتل طاقم تحرير مجلة شارلي إبدو بباريس لإيقاظ العنصرية والكراهية ضد المسلمين وقد عبرت هذه الأحزاب عن نفسها في حركة “أوروبيون وطنيون ضد أسلمة الغرب (باغييدا)” من خلال مسيرات ضد المهاجرين المسلمين في ألمانيا والنمسا وتنوي توسيع نشاطها ضد المسلمين في كافة الدول الأوروبية بالتعاون مع الأحزاب اليمينية العنصرية.
وقد جرت محاولات مستميتة ودؤوبة ومستمرة في الماضي كما في الحاضر لوصم الإسلام بالتطرف والغلو والبطش والإرهاب ومعاداة الإنسان وكان آخرها تصريحات رئيس الوزراء الكندي ستيفن هاربر، والتي قال فيها إن النقاب الذي ترتديه بعض النساء المسلمات جاء من ثقافة “معادية للمرأة فهل الإسلام كما يصوره هؤلاء وهؤلاء!؟
لا شك في أن الإسلام بعيد كل البعد عن اتهاماتهم ومحاولاتهم لتنميطه واختطافه فالإسلام عصي على الكسر والاختطاف والقولبة والتنميط المغرض فهو يسر لا عسر. ينحو نحو السلام. ويمقت الغلو والجفاء وسماحته ورحمته غطت كل مجالات الحياة وبساطته ويسره ووسطيته ووضوحه غير مستعص على العقول والأفهام ولا على القلوب والأبصار (“قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ” (1) وكان يسره من أقوى عوامل انتشاره في العالم. وعن يسر الشريعة وبساطتها ومناسبتها لكل الناس يقول الشاطبي – رحمه الله- في الموافقات “ ومنها أن تكون التكاليف الاعتقادية والعملية مما يسع الأمي تعقلها ليسعه الدخول تحت حكمها.
أما الاعتقادية فأن تكون من القرب للفهم والسهولة على العقل بحيث يشترك فيها الجمهور من كان منهم ثاقب الفهم أو بليدا. فإنها لو كانت مما يدركه الخواص لم تكن الشريعة عامة ولم تكن أمية. وقد ثبت كونها كذلك“(2). فبساطة الإسلام وعمقه وخلوه من الفلسفات والتعقيدات جعله متاحا للجميع للعلماء كما للبسطاء. مــرّ الرازي يوما على امرأة عجوز وكان تلاميذه يمشون وراءه بالعشرات ما يقول كلمة إلا ويكتبونها، فتعجبت العجوز من هذا الذي وصل إلى هذا المستوى، فنادت العجوز على واحد من التلاميذ وقالت “يا بني من هذا؟“ فغضب وقال أما عرفتيه هذا الإمام الرازي الذي عنده ألف وألف دليل على وجود الله تعالى. هنا قالت العجوز قولتها العجيبة والشهيرة “يا بني لو لم يكن عنده ألف شك وشك ما احتاج لألف دليل ودليل، “أفي الله شك“؟! “فلما بلغ هذا الإمام الرازي قال “اللهم إيمانا كإيمان العجائز“ ورغم أن ثمة من يشكك في هذه الرواية إلا أن المقصود بإيمان العجائز إيمان الفطرة أي هؤلاء الذين عرفوا الله من دون تدخل الفلسفة وانساق الكلمات وانشغال العقول بالمصطلحات ويعظمون الله تعالى بأسمائه وصفاته أشد من المتكلمين ألف مرة ولا غرو في ذلك فقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول: (وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إلى رَبِّي) (3) أي: أن هدي الرسول صلى الله عليه وسلم بالوحي، فإذا كان هداه بالوحي فكيف يهتدي غيره بغير الوحي؟! وقد قال الجويني لأصحابه لما حضره الموت: لا تشتغلوا بالكلام، والله لو كنت أعرف أنه يصل بي إلى ما وصل ما اشتغلت به، وقد تركت أهل الإسلام وعلومهم وخضت البحر الخضم، والآن إن لم يتداركني ربي فالويل لي.
هكذا كان يقول، ثم يقول: وهأنذا لم أعرف شيئاً، بل أموت على عقيدة عجائز نيسابور.(4)
السياسة الخارجية التركية عام 2025
شهدت السياسة الخارجية التركية تحولات بالغة الأهمية، في سياق إقليمي ودولي مضطرب، على نحو يشبه ما عرفه العالم... اقرأ المزيد
45
| 12 يناير 2026
سلطان الخير وسـتة أعـوام من الإنجازات
إدارة الناس بحكمةٍ واقتـدار في شؤون الحكم ليست بالأمر السهل أو البسيط، بل هي من أصعب التحـديات التي... اقرأ المزيد
54
| 12 يناير 2026
معول الهدم
لسنا بخير، ولن نكون بخير ما دمنا نُقدّس المجاملة، ونخشى الحقيقة أو نُخفيها. لقد تحوّلت المجاملة من سلوكٍ... اقرأ المزيد
102
| 12 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1272
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1056
| 07 يناير 2026
في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال نظامنا التعليمي يتعامل مع الزمن كأنه ثابت، وكأن عدد السنوات هو الضامن الوحيد للنضج والمعرفة. نحن نحسن عدّ السنوات، لكننا لا نراجع كفاءتها. نُطيل المراحل، لا لأن المعرفة تحتاج هذا الطول، بل لأن النظام لم يُسأل منذ زمن: هل ما زال توقيتنا مناسبًا لعصر يتسارع في كل شيء؟ الطفل اليوم يمتلك قدرة حقيقية على التعلّم والفهم والربط واكتساب المهارات الأساسية. ومع ذلك، نؤجّل بداية التعليم الجاد باسم الحذر، ثم نضيف سنوات لاحقة باسم التنظيم، ثم نقف أمام سوق العمل متسائلين: لماذا تتسع الفجوة بين التعليم والوظيفة؟ ولماذا يحتاج الخريج إلى تدريب إضافي قبل أن يصبح منتجًا؟ نتحدّث كثيرًا عن الفجوة بين التعليم وسوق العمل لكن قليلين فقط يطرحون السؤال الجوهري: ماذا لو لم تكن هذه الفجوة في نهاية المسار… بل في طوله؟ هل فعلا نحتاج جميع سنوات المراحل الدراسية بعدد سنواتها المقررة من أجيال مضت ؟ التعليم ليس عدد سنوات، بل كفاءة زمن. ليس المهم كم نُدرّس، بل متى وكيف ولماذا. حين نُطيل الطريق دون مراجعة أثره، لا ننتج معرفة أعمق بالضرورة، بل نؤجّل الإنتاج، ونؤخر الاستقلال المهني، ونضيف عبئًا زمنيًا على رأس المال البشري. ماذا لو أن جزءًا كبيرًا مما نحاول تعويضه عبر التدريب بعد التخرّج يمكن اختصاره أصلًا من سنوات دراسية مهدرة، لا تضيف كفاءة حقيقية، ولا تُعجّل النضج المهني، بل تؤجّل دخول الشباب إلى دورة الإنتاج. وهنا تظهر المفارقة الأهم: حين يلتحق الخريج مهنيًا في سن أصغر، لا يعني ذلك نقصًا في النضج، بل بداية مبكرة لتكوينه الحقيقي. النضج المعرفي والمهاري يتسارع في بيئة العمل. كلما دخل الشاب إلى السوق أبكر وهو يمتلك أساسًا علميًا ومهاريًا منضبطًا، بدأت قدرته على تحمّل أعباء العمل، واتخاذ القرار، وإدارة الوقت، والعمل تحت الضغط في التكوّن مبكرًا. التجربة المهنية لا تنتظر اكتمال العمر، بل تصنع النضج نفسه. وهكذا، فإن خريجًا يبدأ مساره في سن أصغر لا يصبح فقط منتجًا أسرع، بل يصل إلى مستويات أعلى من الكفاءة في وقت أقصر، لأن سنوات الخبرة تتراكم مبكرًا، وتتحول المهارات النظرية إلى ممارسة عملية في مرحلة عمرية أكثر مرونة وقدرة على التعلّم والتكيّف في الاقتصاد الحديث، الزمن ليس عنصرًا محايدًا. كل سنة إضافية خارج سوق العمل هي تكلفة غير منظورة على الفرد والأسرة والدولة. وكل سنة تأخير في التخرّج هي سنة تأخير في الإسهام والابتكار والإحلال الوظيفي وتراكم الخبرة الوطنية. ومع ذلك، ما زلنا نتعامل مع سنوات التعليم كأنها مُسلّمات لا تُمسّ ولا تُراجع؟ حين نبدأ التعليم مبكرًا، ونضغط المراحل دون المساس بالجودة، ونحوّل جزءًا من المحتوى النظري إلى مهارات عملية متدرجة، فإننا لا نختصر الوقت فحسب، بل نغيّر طبيعة العلاقة بين التعليم والإنتاج. الطالب لا يصل إلى الجامعة بعد سنوات طويلة من التلقين، بل بعد مسار أكثر تركيزًا، وأكثر ارتباطًا بالواقع، وأكثر قابلية للتحويل إلى مهارة سوقية. هذا ليس تقليصًا للتعليم، بل إعادة هندسة له حيث تتراكم المهارات في وقت أبكر، ويبدأ الاندماج المهني في مرحلة أقرب، وتُختصر تلك السنوات الرمادية التي لاتضيف كثيرا إلى الجاهزية المهنية. تسريع عجلة الإنتاجية لا يتحقق فقط عبر التكنولوجيا أو الاستثمارات، بل عبر إدارة الزمن البشري بذكاء. حين يدخل الشاب إلى سوق العمل أبكر وهو يمتلك أساسًا معرفيًا ومهاريًا متينًا، تبدأ دورة الإنتاج أسرع، ويبدأ التعلّم الحقيقي في الميدان مبكرًا، وتتحول سنوات الخبرة من عبء مؤجّل إلى رصيد متراكم. أما الإحلال في رأس المال البشري وهو أحد أكبر تحديات الاقتصادات الحديثة فلا يمكن تسريعه إذا ظلّت بوابة الدخول إلى السوق طويلة وممتدة. كل سنة إضافية في المسار التعليمي هي تأخير في ضخّ الدماء الجديدة إلى القطاعات، وتأخير في نقل الخبرة بين الأجيال، وتأخير في تمكين الكفاءات الوطنية من تولّي أدوارها. لسنا بحاجة إلى خريجين أكبر سنًا، بل إلى خريجين أكثر جاهزية. ولا نحتاج مسارًا أطول، بل مسارًا أذكى. كما لا نحتاج إلى ترميم الفجوة بعد أن تتشكّل، بل إلى منع تشكّلها من الأصل عبر إعادة النظر في زمن التعليم نفسه. حين لا يكون الوقت في صالح التعليم، يصبح الانتظار قرارًا لا ضرورة. ويغدو السؤال الحقيقي ليس: كم نُدرّس؟ بل: هل ما زال توقيتنا يخدم الإنسان والاقتصاد والمستقبل؟ التاريخ لا يتذكّر من حافظ على المدة، بل من امتلك الجرأة على مراجعتها.
999
| 07 يناير 2026