رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم نستيقظ فجر اليوم (أمس) على وقع الضربات الصاروخية المتتالية، بل فزعت قطر عن بكرة أبيها لروح الوطن وسويداء قلبه، ويا للألم عندما يكون نبأ فقد أغلى من عرفته قطر والعروبة والنخوة والمروءة أشد وطئا من صليل المعارك، فقد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني "رحمه الله".
كم هو صعب علينا أن نكتبها "رحمه الله" وهو لا يزال حيّا فينا، حيّا بيننا! ما فتئ يوجه ويسدّد، ومثله قليليون فقد فقد كان زعيما أنطق الصامت وأخرس الظالم ونصر المظلوم وأعان المحتاج وأغاث الملهوف، يعرفه كلّ قُطر في العالم شهد نكبة أو أزمة أو ضائقة أو كارثة طبيعية أو إنسانية.
زعيم ملهمٌ غيّر بإنجازاته وعلاقاته الدولية مفهوم الحجم في عرف الجغرافيا الدولية من المساحة إلى الكتلة والقوة الدبلوماسية وأرسى دور صناعة التاريخ في صياغة الجغرافيا السياسية.
زعيم ورّث مآثر ومنظومة قيم بنى عليها قطر (الإنسان) قبل أن يشيّد قطر (العمران) فاستثمر في أبناء قطر ومن فيها قبل أن يعبّد الطرق وما فيها أو يدشّن عصرية قطر ونهضتها الفريدة.
لم يكن عهده وعودا على رمال متحرّكة بل جبالا راسخة فمنذ تقلده سدّة الحكم أعلن في زيارته لمنتدى علمي "جورج تاون" واشنطن مسيرة إنشاء الحياة الديمقراطية في الدولة فكان لقطر أول بيت للديمقراطية بعد عام واحد فقط.
لم تكن الاستحقاقات التي منحها للشعب خطبا عصماء في محافل تستلهم التصفيق لتحقيق مكاسب برجماتية بل كانت صفحات حيّة لبرامج ومنجزات سجّلها التاريخ بحروف من نور.
لن نكرر ما عرفناه وأشبعناه تحليلا في معطيات الشورى والمشاركة الشعبية وحلّ وزارة الإعلام وإنشاء شبكة الجزيرة التي كانت منبرا للشعوب المغلوبة وثورة إعلامية دولية عربية حتى النخاع سحبت البساط عن التدفق الأحادي الغربي حتى أسماها علماء الغرب (ظاهرة الجزيرة) تنافس بعدها المتنافسون، واختصم المختصمون حتى شهدت قطر والفضاء العربي في عهده أيضا ولادة نجم سهيل سات (القمر الصناعي) القطري لضمان السيادة دون انقطاع أو تشويش، كما حلّقت القطرية برؤيته آفاقا رحبة.
فوق الإنجازات التي لا تسعها كتب التاريخ كان الوالد حمد الزعيم الإنسان قريبا من كلّ شيء، قريبا في كل شيء بما شهدناه بأم أعيننا، فلم نستوقف منه ولا معه ولا بأمره يوما على كلمة كتبناها ولا مقالا نقديا سطرناه في الإعلام بل كان هو الداعم الحقيقي والملهم الذي ما فتئ يتقبل ما تأتي به الصحافة بصدر رحب.
وفي السياسة، شهدت موقفا عروبيا أصيلا لم تسطره الأخبار، فقد كنّا في انتظار سموّه في زيارة في دولة من الدول وكان قبيل الزيارة قد استعر القتل على الفلسطينيين من العدو الإسرائيلي المحتلّ في حرب سميّت عمليتها بـ (عمود السحاب). كنا فرحين بزيارة سموّه وقد وصل وقتها وفد المقدّمة ولم نتوقع أن تتطور الأحداث، فما كان إلا أن أُخطرنا أن الزيارة الأميرية تأجلت وسيعود وفد المقدّمة أدراجه إلى الدوحة، بعدها علمنا سرّ تغير البرنامج، فقد أعلن سمو الأمير الوالد عن عقده وترؤسه لمؤتمر إسلامي استثنائي لنصرة غزة في الدوحة. كرّس نفسه "رحمه الله" للقضية الفلسطينية وأعلن فيها صندوقا لدعم غزّة.
أعادت العروبة والحميّة الذاكرة فينا إلى ما تربّى عليه الطفل حمد منذ نعومة أظفاره، فلا تزال صورته في المدرسة الابتدائية وهو يصدح في طابور الصباح دفاعا عن الجزائر عالقة في أذهاننا، ومن شبّ على شيء شاب عليه فما فتئ في الدفاع عن فلسطين وقضيتها حتى وفاته، فكان جديرا به أن أقيم له مجلس عزاء في غزّة وأن نكست الأعلام حدادا عليه في الدول العربية والإسلامية وعدد من دول العالم.
هذا ولم يكن الوالد حمد نصيرا للمظلومين خارج وطنه بل كان رحيما عطوفا في شعبه ينطلق في رعيّته راجلا انطلاق الواثق الآمن يشارك بقرب (عدلت فآمنت فنمت) بشرا (يأكل الطعام ويمشي في الأسواق) عرفه أطفال قطر والمقيمون فيها وعجائزها عنوانا للحنان والرحمة.
كان واسع الثقافة تسبقه روح المرح يصدق فيه "هم القوم لا يشقى بهم جليسهم" تتمنى أن كان الزمن قد وهبك جلسات وجلسات لتتعلم من معجمه الإنساني والفكري والتاريخي والعروبي. كان ملهما في مشاريعه التي حوّلت قطر إلى منارات علم دولية ومراكز إشعاع وثقافة فوق وضعه قطر الصغيرة حجما في مقدمة الكرة الأرضية ذكرا ونجاحه في تحقيق الوعد بأفضل نسخى عالمية في مونديال 2022.
كان عالما فذا يثريك بتنوع معرفته وروعة مبادراته، يقف بأم عينه على كل صغيرة وكبيرة من مشاريع رؤيته ليس قبل ويوم تدشينها فحسب بل على مدار الأعوام. كان يراها كما ترى الأم وليدها ويتقبل كل رأي حولها بسعة صدر ويحفل ويهتم ويقرأ ويردّ دون وسطاء أو حرّاس بوابات، بل ويجعل الحركة النقدية حولها حركة اجتماعية صحيّة ومصدرا للإلهام والمشاركة الشعبية ومقاما للبحث والتقصي والتطوير دون مصاردة أوإقصاء محاسبا على أي تقصير ومعززا لكل تطوير.
مهما كتبنا من كلمات من ردهات حزننا العميق اليوم لن نوفي الأمير الوالد سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني حقّه. فبقدر ما يكون المرء كبيرا والفقد عظيما يكون الجرح.
استيقظت قطر كلها لوداعك فجر اليوم (أمس) بحرها وسماؤها وشعبها ومن فيها ونسيت أجراس الإنذار لتعدك أنها على العهد فقد كنت رجلا بأمّة وقد أوصيت وأنجبت ولم ولن يودّع من أنجب...
وكما يقول الشاعر:
لقد كانت في حياتك لي عظاة وأنت اليوم أوعظ منك حيّا
درس الحروب.. احفظوا وثائقكم رقميا
تعطينا الحروب دروسا كل يوم، مع غمرة الألم نرى كيف يخرج الإنسان صامدا وغنيا في نفسه وإرادته ولكنه... اقرأ المزيد
1008
| 04 سبتمبر 2024
المقعد الأخير
ماذا يعني أن تكون في المقعد الأخير في المقهى أو المطعم؟ وماذا يعني أن تكون في المقعد الأول... اقرأ المزيد
1206
| 28 أغسطس 2024
بعد التقاعد (استمر) بذكاء
استمر.... فلم يحلم أحدنا يوماً في قطر أن تتم إعادة توظيفه بعد التقاعد عن طريق الذكاء الاصطناعي AI... اقرأ المزيد
1230
| 22 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4650
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1173
| 01 أكتوبر 2026