رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يكن فوز رجب طيب أردوغان بمنصب رئاسة تركيا مجرد حدث داخلي يخص الأتراك وحدهم بل حدث بحجم الأمة التي تفاعلت مع الحملة الانتخابية منذ انطلاقتها إلى أن أعلنت نتائجها متوّجة هذه الشخصية التي حظيت باحترام واسع في أوساط الشعوب العربية والإسلامية هي والحزب الذي تترأسه.
هذا الاهتمام نوه إليه أردوغان في خطاب فوزه وذلك بتوجيه شكره لكل من دعا له بالتوفيق في تركيا وسوريا والبوسنة وفلسطين وغيرها، معتبراً أن فوزه لمن وقف مع الحق ضد الباطل، ومع المظلوم ضد الظالم، وعدّد المدن السورية والعراقية والأفغانية والفلسطينية والبوسنية واللبنانية معتبراً أنها فازت جميعاً.
قد يكون جزء كبير من هذا الاهتمام من الشعوب العربية والاسلامية بأردوغان والدعاء له بالفوز نابعا من إحساسها بوقوفه معها، ونصرته للقضايا العربية والإسلامية العادلة والتي تمثلت في أمور عدة: أبرزها الانحياز لثورات الربيع العربي ضد الأنظمة المستبدة في كل من تونس وليبيا ومصر وسوريا والعراق، وحق هذه الشعوب في العيش بحرية وكرامة، واختيار من يمثلها ويحكمها بعيداً عن الإكراه والاستغلال والإجبار، ثم استنكار الانقلابات المضادة للثورات التي أعادت العسكر كما في مصر، ونصرة المظلومين خصوصا السوريون من اللاجئين، وتذليل كل العقبات التي تقف في وجههم في مجالات الإقامة بأمن وأمان، وتوفير سبل التعليم والصحة والعمل في بلاده، فيما تضيّق دول عربية مجاورة لهم الخناق عليهم، أو تمنن وتستكثر لاحتوائهم، ومثل ذلك حدث أيضاً في دعمه للقضية الفلسطينية ضد العدوان الأخير والمتواصل على غزة، وإعلانه عن تطبيب الجرحى والمصابين الغزاويين في مشافي بلاده.
لكن هذا الاهتمام بالفوز يتعدى هذا الجانب في ظني إلى قضايا أخرى كما تابعت ذلك من خلال كثير من التعليقات التي وردت عن ألسنة ناشطين وشرائح شبابية في مواقع التواصل الاجتماعي وأهم هذه الجوانب ما يلي:
ـ التطلع لتجسيد النموذج الديمقراطي التعددي والاختيار الشعبي لممثليهم على مستوى البرلمان والرئاسة، وإرساء دعائم التداول السلمي على السلطة بطريقة حضارية بعيداً عن العنف والاستبداد، والقبول بهذه العملية الشفافة بسلاسة وانسيابية، رغم حرارة التنافس الانتخابي، كما في تركيا.. هذا الحلم والرغبة في التغيير تتطلع إليه الشعوب العربية التوّاقة للحرية والعدل، وهي ترى أوطانها لا تزال ترزح تحت نير الاستبداد والقوى المضادة لثورات الربيع العربي.
وإلى أردوغان وحزبه تعود كثيرا من الإصلاحات الديمقراطية وآخرها جعل الانتخابات الرئاسية من خلال الاقتراع الشعبي المباشر لأول مرة.
ـ التطلع لنموذج تنموي يضع الدول العربية والإسلامية في مصاف الدول المتقدمة في اقتصادها واكتفائها الذاتي، ويخلّصها من الفساد المالي والإداري بعيداً عن نهب ثروات الأوطان لصالح الحكام المستبدين وشراء الولاءات.. وليس بخاف أن تركيا قطعت شوطاً كبيراً في تحقيق التنمية والتقدم الاقتصادي والرفاهة الاجتماعية، وهي تواصل بثبات وثقة هذا الازدهار والتطوير والتحديث، وهو ما ينعكس بصورة ملحوظة على حياة الأتراك.
وإذا كان مهاتير محمد مهندس نهضة ماليزيا الحديثة فإن أردوغان وحزبه هما مهندسا نهضة تركيا الراهنة، ولهما دور بارز فيما وصلت إليه هذه البلاد اليوم.
والدروس التي قدمها نموذج أردوغان وحزب العدالة والتنمية هي أن التوجهات الإسلامية للحزب لا تحول دون تقدم الدول ونهضتها وازدهارها كما يحاول بعض العلمانيين العرب تصويره، أو كما لا تريد بعض الأحزاب الإسلامية خاصة المتشددة منها فهمه وإعطاءه الأولوية.
وما من شك أن تواصل تصويت الأتراك لأردوغان وحزب العدالة لدورات متعددة، إنما هو تصويت للاستقرار في البلاد، ورغبة في مواصلة التطوير والازدهار فيها، ولذا لا غرابة أن نجد كثيراً ممن صوّت لأردوغان هم من العلمانيين والقوميين إقراراً منهم بفضله وعطائه في خدمة المواطن التركي وتحسين أوضاعه المعيشية وتوفير فرص العمل والعيش الكريم له، بعيداً عن التخندق الحزبي الضيق، وهي علامة وعي على تقديم مصالح الوطن ومواطنيه على هذا الجانب.
- التطلع لنموذج تعايش بين كافة أطياف المجتمع بكل توجهاته السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وقومياته وطوائفه ونسيجه الاجتماعي.
وقد كتب صديقي المحلل السياسي التركي (ذو الأصول السورية) على صفحته في الفيسبوك أنه صوّت لأردوغان وبعض جيرانه الآخرين من الإسلاميين، فيما صوت غيرهم لأكمل الدين إحسان أوغلو، ومجاميع أخرى من جيرانه الأكراد صوتوا لصلاح الدين دميرطاش.. ثم أردف قائلاً: بعد التصويت تقابلنا، وتبادلنا السلام والتحيات وتمنينا لبعضنا البعض أن تكون نتيجة الانتخابات خيراً على مستقبل تركيا والشعب التركي، دون أن يخطر ببال أحد منا أن يحسم الأمر بالعنف أو القوة أو القتل أو السجن أو السحل، منوهاً بأن كثيراً من العرب في الضفة الأخرى لا يزالون يظنون أنه كلما سفكت دماء أكثر كلما قرب الخلاص.. فضّلوا وأضلّوا، وأحلو قومهم دار الخراب واللجوء والتشريد والدماء. وبدوره حرص أردوغان في خطاب فوزه على شكر الجميع على نجاح الانتخابات من انتخبه ومن لم ينتخبه، مؤكداً على أنه سيكون رئيساً للجميع دون استثناء.
وبحكم وجودي أثناء الانتخابات في تركيا كان ملحوظاً مرور يوم الانتخابات بسلام وأمان، وأن الأتراك عادوا لأعمالهم في اليوم التالي دون أي شغب أو نصب.
لهذه الأسباب وغيرها لم يحتفل رجب طيب أردوغان وحزبه ومؤيدوه الأتراك لوحدهم فقط بل احتفلت معهم مجامع كبيرة من الأمتين العربية والإسلامية ممن يرونه نموذجاً مشرّفاً يحتذى به، ويتطلعون إلى تجسيد نماذج مشابهة له في بلدانهم بعد خلاصهم من نير الاستبداد والانعتاق من ربقة التخلف والتبعية والفساد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. ib_1983@hotmail.com
4791
| 09 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1488
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1257
| 11 مارس 2026