رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تبحث هذه المقالة الأسباب التي أدت إلى تراجع شعبية الأحزاب اليمينية المتطرفة في هولندا والدانمارك، وخسارتها لجُلّ مقاعدها في البرلمان، في حين صعدت هذه الأحزاب في بلدان أوروبية أخرى وحققت فوزاً كبيراً.
ويمكن رصد أربعة أسباب لهذا الانحسار، جميعُها يدور في فلك الفشل الذريع الذي لحق بركب اليمين المتطرف في هولندا والدانمارك، والذي حاول من خلاله سحب البساط من تحت أقدام اللاجئين، وتعتيم صورتهم في الوسط المدني الأوروبي.
بين الانتصار والانكسار
وحدها صناديق الانتخابات هي التي تُجبر المهزوم في معركتها على الاعتراف بهزيمته، على أن يحدوه أمل النجاح في الانتخابات المقبلة. وهذا هو حال انتخابات البرلمان الأوروبي الأخيرة -وكذلك انتخابات البرلمان الدانماركي- التي كانت عدوة للأحزاب اليمينية المتطرفة في بعض البلدان الأوروبية.
وفي الوقت نفسه؛ لا يمكن إنكار الفوز الكاسح الذي حققته مجموعة من هذه الأحزاب في المجر واليونان وإيطاليا وألمانيا، ولكنّ الأمر كان قد بلغ ذروته في المجر التي حقق فيها حزب فيكتور لوبان فوزاً ثميناً، بعدما حصده غالبية المقاعد.
ورغم أنّ النتائج التي أسفرت عنها انتخابات البرلمان الأوروبي لم تصبّ في صالح اللاجئين المقيمين في أوروبا؛ فإنها شهدت في بعض البلدان الأوروبية عكس ذلك تماماً، إذ تلتها انتخابات البرلمان الدانماركي التي أثلجت صدور اللاجئين بعدما أثبتت تراجع شعبية اليمين المتطرف الدانماركي الذي كان ينادي بطرد اللاجئين، وإرغامهم على العودة إلى ديارهم، وبهذه النتيجة يشعر اللاجئون في الدانمارك بارتياح شديد.
فقد مُنِي حزب الشعب الدانماركي اليميني في هذه الانتخابات بهزيمة مدويّة هي الأقسى له منذ عشرين عاماً، إذ تراجعت شعبيته إلى النصف تقريباً بعد حصوله على 75 مقعداً في البرلمان، بينما حصلت كتلة المعارضة اليسارية والاشتراكيون الديمقراطيون على 91 مقعداً من أصل 179 مقعداً.
وقد أقر زعيم حزب الشعب الدانماركي اليميني كريستيان ثوليسين بهذه الهزيمة، فعلّق قائلاً: "لن أترك السفينة تغرق وحدها في وسط العاصفة، كلي أمل أننا سوف نستعيد عافيتنا في الانتخابات المقبلة".
وفي هولندا أيضاً لم يأتِ حزب الحرية الذي يتزعمه خيرت فيلدرز بما يناسب التوقعات خلال خوضه الانتخابات البرلمانية الأوروبية الأخيرة، إذ تراجعت شعبيته هو الآخر وخسر مقاعده الأربعة في البرلمان، وذلك رغم كل الدعايات الانتخابية التي استحضرها قُبيل الانتخابات لحشد أنصاره والتحريض على اللاجئين، وقد وصف الحزب خسارته هذه بأنها مخيّبة للآمال متعهدا بأنه سيعود إلى الواجهة في الانتخابات المقبلة.
فشل شيطنة اللاجئين
السؤال الذي يطرح نفسه بجدارة هو: لماذا تتراجع شعبية الأحزاب اليمينية في هولندا والدانمارك في الوقت الذي بدأت فيه هذه الأحزاب تنشط وتتقدم في بلدان أوروبية أخرى؟! للإجابة على هذا التساؤل نقدم جملةً من الأسباب لذلك، وفي مقدمتها:
أولاً: فشل هذه الأحزاب في تمرير مشاريعها التي تحرض على العداء والكراهية للاجئين، من خلال تسليط الأضواء على جوانب الفشل في حياة اللاجئين، والادعاء بأنهم مصدر القلق والإرهاب والجريمة في أوروبا. وهذا الترويج قد يكون عبر التصريحات الصحفية، أو تنظيم المظاهرات المعادية للإسلام والمهاجرين، أو ببعض التصرفات البهلوانية التي تهدف إلى استفزاز مشاعر المسلمين.
وقد لجأت حركة "بيغيدا" المعادية للإسلام إلى هذا النوع من الأساليب، من خلال حراكها العنصري في هولندا الذي كثيراً ما تحول إلى صِدام مباشر مع اللاجئين عندما يتم تجاوز الخطوط الحُمْر، وتُعرَف هذه الحركة بجرأتها في الاستفزاز وعدم مبالاتها بالنتائج، وذلك من خلال تنظيم حفلات شواء لحم الخنزير أمام المساجد، أو الإساءة لشعيرة الصيام في شهر رمضان المبارك، أو حمل لافتات مسيئة إلى نبي الرحمة.
وكان آخر أفعالها تلك في العشر الأواخر من رمضان؛ إذ نظمت الحركة فعالية مستفزة في مدينة آيندهوفن الهولندية تحولت إلى مواجهة بين أنصارها ومصلين غاضبين من هذه التصرفات.
إن هذه المحاولات الرامية إلى عزل اللاجئين وجعلِهم فئة منبوذة في أوروبا باءت كلها بالفشل، وقد أثبتت الانتخابات الأخيرة أنّ منهج اليمين المتطرف هو المنبوذ وهو الذي لا ترتضيه شريحة كبيرة من الأوروبيين.
ثانياً: فشلت الأحزاب اليمينية بهولندا والدانمارك في حشد الوسط المدني ضد اللاجئين اقتصادياً؛ إذ طالما ادعت هذه الأحزاب أنّ اللاجئين يتلقون رواتب المساعدات الشهرية من البلديات، على حساب الضرائب التي يدفعها المواطن الأوروبي.
ولأن ساعات العمل في أوروبا جِدّ طويلة وشاقة؛ فقد حاول اليمين اللعب على هذا الوتر، وقدّم للحشود روايته التي تفيد بأنكم أنتم تعملون وتكدّون وتدفعون الضرائب الباهظة للحكومات، التي بدورها تقدم هذه الأموال المقتطعة من أجوركم -على طبقٍ من ذهب- إلى اللاجئين، الذين يتلذذون بهذه الأموال دون أيّ جُهدٍ يُذكَر.
وقد جاؤوا لهم بقميصٍ كذبٍ لعلهم يمرّرون عليهم خرافة ذئب اللاجئين الذي سيفترسهم ويفترس أموالهم وقوت يومهم، لكنّ المكتب المركزي للإحصاء (CBS) في هولندا قدّم تقريره السنوي الذي أبطل كل هذه المزاعم، إذ ذكر في بيانه أنّ هناك تراجعاً كبيراً في أعداد اللاجئين الذين يتلقون رواتب المساعدة الشهرية وخاصةً السوريين الذين اندمجوا في سوق العمل.
ليس هذا فحسب؛ بل إنّ عدد اللاجئين الذين استغنوا عن راتب المساعدة أكبر من عدد المواطنين الهولنديين أيضاً، وهذا الأمر تكرر في عامين متتاليين. وبالتالي فقد تم دحض الرواية التي يتبناها اليمين المتطرف وبالإثباتات والأرقام الرسمية، وهذا ما كان سبباً ربّما في فقدان الثقة بينهم وبين أنصارهم.
احتواء الأنشطة الاستفزازية
ثالثاً: قدرة اللاجئين على ضبط النفس بعد كل محاولة استفزازية يقوم بها أنصار اليمين المتطرف، وعدم انجرارهم إلى ما يتجاوز القانون إلا ما ندر، وهذا الأمر يُحسب للاجئين لا عليهم. ولعلّ من أهم الدوافع التي تقف خلف هذه المحاولات هو محاولة استقدام اللاجئين إلى حلبة المواجهة، ليتم استغلال غضبهم واستنفارهم بهذه الاستفزازات وتسويقه في المجتمع الأوروبي على أنه عملٌ مُدان ووحشي وغير مقبول.
وربما كان الهدف من حرق نسخ القرآن الكريم في الدانمارك مثلا هو جرّ المسلمين إلى ردة فعل لا يرتضيها المجتمع الدانماركي، الذي لا يقدّس القرآن الكريم كما يقدّسه المسلمون.
وإلا فما الغاية من إقدام زعيم حزب النهج الصلب في الدانمارك على تنظيم فعالية وسط حيّ تقطنه الغالبية المسلمة في العاصمة كوبنهاغن، وتلاعبه بالقرآن مع صحبه على أنه كرة تُركَل بالأيادي والأقدام -وهو يعلم أنّ هذا التصرف قد يفتح الباب على مصراعيه أمام مواجهة مفتوحة- سوى أنه يريد جرّ المسلمين إلى تبنّي مواقف غاضبة وتصرفات تخالف القانون بتصديهم لهذه الفعالية؟
ولماذا اعتزمَ رئيس حزب الحرية خيرت فيلدرز تنظيم مسابقة في الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام، وهَمَّ بها ثم تراجع عنها في اللحظات الأخيرة تحت ذريعة أنه يخشى على أنصاره من ردة الفعل؟ ألا يُعتبر ذلك محاولة واضحة من هذه الأحزاب للتصعيد من أجل أن يفقد اللاجئون المسلمون شعبيتهم في الأوساط الأوروبية إذا خالفوا القوانين والأنظمة؟!
لكنّ اللاجئين كانوا -في كل مرة- على قدر كبير من الوعي؛ إذ اكتفوا بما يمنحه لهم القانون باستثناء بعض المخالفات هنا وهناك، وكثيراً ما ألغت البلديات أنشطة وفعاليات لأنصار حزب الحرية وأنصار حركة "بيغيدا"، وأجبرتهم على فضّ التجمعات كي لا تخرج الأمور عن السيطرة. وبهذا تمكن اللاجئون من التحلي بالصبر رغم قساوة المشهد ورغم الإساءة إلى أهم مقدس في الإسلام، ألا وهو القرآن الكريم.
رابعاً: ولعل من أهم الأسباب التي أدت إلى انحسار اليمين المتطرف في هولندا والدانمارك الحراكُ الذي يقوم به أبناء الجاليات، وقلبوا به الطاولة على أحزاب اليمين المتطرف. فعندما استشعر اللاجئون الخطر المحدق بهم وبمستقبلهم؛ قاموا بما يلزم لكي يفهم المواطن الأوروبي حقيقة ما يجري، وتصله الحقيقة كما هي لا كما يقدمها اليمين المتطرف.
أضف إلى ذلك أنّ المواطن الأوروبي يجد نفسه مضطراً إلى الاحتكاك باللاجئين في حياته اليومية، في المدرسة والجامعة والعمل وفي الشارع ومواقف الحافلات والقطارات والأسواق، وبالتالي يأخذ هو بنفسه انطباعه الخاص عن اللاجئين دون الحاجة إلى انتظار رواية اليمين المتطرف.
ولا بد في هذا الصدد من الإشارة إلى المبادرة العربية الفلسطينية التي قام بها بعض الأشخاص بالدانمارك في صلاة العيد، عندما شجّعوا الحضور فيها على خوض الانتخابات كي تفوَّت الفرصة على اليمين المتطرف، وذلك من خلال شعار المبادرة الذي انتشر على نطاق واسع: "هيّا بنا إلى التصويت بدل التصويت عنا".
وقد لاقت هذه المبادرة تفاعلاً شعبياً كبيرا حتى على الصعيد الدانماركي، إذ راهنت عليها وعلى أصوات أصحابها أحزاب دانماركية، فأدلى كل واحدٍ بصوته وكانت النتيجة مثلجة للصدور بعدما أوقف اليمين المتطرف عند حده، لاسيما أنّ بعض هذه الأحزاب في الدانمارك توعد في حملته الانتخابية بإفراغ الدانمارك من المسلمين، وبأنه لن يبقى مسلم واحد في الدانمارك في الليلة التي يصل فيها مرشَّحوه إلى سدة البرلمان.
الجدير بالذكر أنّ اللاجئين يقع عليهم دور كبير في قلب المعادلة، وتكذيب رواية اليمين المتطرف، وذلك بإعطاء الصورة النضرة عن مجتمع اللاجئين، وحشد أنصارهم وتقديم قضيتهم بما يليق بحجمهم وحجم طموحاتهم كي لا يكونوا وحيدين في الميدان، وحتى يصيروا جزءاً لا يتجزأ من مجتمعهم الجديد الذي ولجوه من بوابة القارة الأوروبية.
الجزيرة نت
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في مقالي هذا، سأركز على موقفين مفصليين من نهائي كأس الأمم الإفريقية الذي جمع بين منتخب المغرب ومنتخب السنغال. مباراة كان من المفترض أن تعكس روح التنافس والاحتكام للقوانين، لكنها شهدت أحداثًا وأجواءً أثارت الاستغراب والجدل، ووضعت علامات استفهام حول سلوك بعض المسؤولين واللاعبين، وما إذا كانت المباراة حقًا تعكس الروح الرياضية التي يفترض أن تحكم مثل هذا الحدث القاري المهم. الموقف الأول يتعلق بتصرف مدرب منتخب السنغال، بابي ثياو، حين طلب من لاعبيه الانسحاب. هذا السلوك يثير علامات استفهام عديدة، ويُفهم على أنه تجاوز للحدود الأساسية للروح الرياضية وعدم احترام لقرارات الحكم مهما كانت صعبة أو مثيرة للجدل. فالمدرب، قبل أن يكون فنيًا، هو قائد مسؤول عن توجيه لاعبيه وامتصاص التوتر، وليس دفع الفريق نحو الفوضى. كان الأجدر به أن يترك الاعتراض للمسارات الرسمية، ويدرك أن قيمة الحدث أكبر من رد فعل لحظي قد يسيء لصورة الفريق والبطولة معًا. الموقف الثاني يتعلق بضربة الجزاء الضائعة من إبراهيم دياز. هذه اللحظة فتحت باب التساؤلات على مصراعيه. هل كان هناك تفاهم صامت بين المنتخبين لجعل ضربة الجزاء تتحول إلى مجرد إجراء شكلي لاستكمال المباراة؟ لماذا غابت فرحة لاعبي السنغال بعد التصدي؟ ولماذا نُفذت الركلة بطريقة غريبة من لاعب يُعد من أبرز نجوم البطولة وهدافها؟ برود اللحظة وردود الفعل غير المعتادة أربكا المتابعين، وترك أكثر من علامة استفهام دون إجابة واضحة، مما جعل هذه اللحظة محاطة بالشكوك. ومع ذلك، لا يمكن القول إن اللقب ذهب لمن لا يستحقه، فمنتخب السنغال بلغ النهائي بجدارة، وقدم مستويات جيدة طوال مشوار البطولة. لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن المغرب أثبت أنه الأجدر والأقرب للتتويج بما أظهره من أداء مقنع وروح جماعية وإصرار حتى اللحظات الأخيرة. هذا الجيل المغربي أثبت أنه قادر على تحقيق إنجازات تاريخية، ويستحق التقدير والثناء، حتى وسط لحظات الالتباس والجدل. ويحسب للمنتخب السنغالي، قبل النتيجة، الموقف الرجولي لقائده ساديو ماني، الذي أصر على عودة زملائه إلى أرض الملعب واستكمال المباراة. هذا القرار جسد معنى القائد الحقيقي الذي يعلو باللعبة فوق الانفعال، ويُعيد لكرة القدم وجهها النبيل، مؤكدًا أن الالتزام بالقيم الرياضية أحيانًا أهم من النتيجة نفسها. كلمة أخيرة: يا جماهير المغرب الوفية، دموعكم اليوم تعكس حبكم العميق لمنتخب بلادكم ووقوفكم معه حتى اللحظة الأخيرة يملؤنا فخرًا. لا تحزنوا، فالمستقبل يحمل النجاح الذي تستحقونه، وستظلون دائمًا مصدر الإلهام والأمل لمنتخبكم.
2862
| 20 يناير 2026
بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري أمام السنغال، جاءت ليلة نصف النهائي لتؤكد أن كرة القدم لا تعترف إلا بالعطاء والقتال على أرض الملعب. قدمت مصر أداءً مشرفًا وأظهرت روحًا قتالية عالية، بينما كتب المغرب فصولًا جديدة من مسيرته القارية، مؤكدًا تأهله إلى النهائي بعد مواجهة ماراثونية مع نيجيريا امتدت إلى الأشواط الإضافية وحسمت بركلات الترجيح. المباراة حملت طابعًا تكتيكيًا معقدًا، اتسم بسرعة الإيقاع والالتحامات القوية، حيث فرض الطرفان ضغطًا متواصلًا طوال 120 دقيقة. المنتخب المغربي تعامل مع هذا الإيقاع بذكاء، فحافظ على تماسكه وتحكم في فترات الضغط العالي دون ارتباك. لم يكن التفوق المغربي قائمًا على الاستحواذ وحده، بل على إدارة التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق في المباريات الكبرى. تجلّى هذا التوازن في الجمع بين التنظيم الدفاعي والقدرة على الهجوم المنظم. لم يغامر المغرب دون حساب، ولم يتراجع بما يفقده زمام المبادرة. أغلق اللاعبون المساحات وحدّوا من خطورة نيجيريا، وفي المقابل استثمروا فترات امتلاك الكرة لبناء الهجمات بهدوء وصناعة الفرص، ما منحهم أفضلية ذهنية امتدت حتى ركلات الجزاء. في لحظة الحسم، تألق ياسين بونو، الذي تصدى لركلتي جزاء حاسمتين بتركيز وثقة، وهو ما منح المغرب بطاقة العبور إلى النهائي وأثبت حضوره في اللحظات المصيرية. على الصعيد الفني، يواصل وليد الركراكي تقديم نموذج المدرب القارئ للمباريات بإدارة متقنة، ما يعكس مشروعًا قائمًا على الانضباط والواقعية الإيجابية. هذا الأسلوب أسهم في تناغم الفريق، حيث أضاف إبراهيم دياز لمسات فنية ومهارات فردية ساعدت على تنويع الهجمات وصناعة الفرص، بينما برز أشرف حكيمي كقائد ميداني يجمع بين الصلابة والانضباط، مانحًا الفريق القدرة على مواجهة أصعب اللحظات بثقة وهدوء، وخلق الانسجام التكتيكي الذي ساعد المغرب على التقدم نحو ركلات الجزاء بأفضلية ذهنية واضحة. ولا يمكن فصل هذا الإنجاز عن الجمهور المغربي، الذي شكّل سندًا نفسيًا هائلًا، محولًا المدرجات إلى مصدر طاقة ودافع مستمر. كلمة أخيرة: الآن يستعد المغرب لمواجهة السنغال في النهائي، اختبار أخير لنضج هذا المنتخب وقدرته على تحويل الأداء المتزن والطموح المشروع إلى تتويج يليق بطموحات أمة كروية كاملة.
1455
| 16 يناير 2026
في رحلتي من مطار حمد الدولي إلى منزلي، دار بيني وبين سائق الليموزين – وهو عامل من الجنسية الهندية – حوار بسيط في شكله، عميق في مضمونه. بدأته بدافع الفضول: سألته متى قدم إلى قطر؟ فقال: منذ عام 2018 وحتى اليوم. ثم استرسل في الحديث بعفوية وصدق، حتى وجدت أن مجمل ما قاله يمكن اختصاره في ثلاث نقاط أساسية، لكنها كفيلة بأن تقول الكثير عن هذا الوطن. أولًا: أهل قطر… السمعة قبل الكلام تحدث الرجل عن أهل قطر بإعجاب واضح، قائلاً إنهم ناس محترمون، متحضرون، لا تصدر منهم إساءة، ويحترمون الكبير والصغير والغريب قبل القريب. وأضاف عبارة لافتة: أحيانًا يفتعل بعض الناس مشاكل ويقولون إنهم من أهل قطر، لكننا نعرف أن هؤلاء ليسوا قطريين… لأن القطري معروف ولا يقول عن نفسه أنا قطري !، ثم ان أهل قطر معروفون بأخلاقهم. وأكد أنه لا يتحدث عن نفسه فقط، بل عن انطباعٍ عام لدى كثير من العمالة الآسيوية. اعتراف صادق فجّر في صدري شعورًا بالفخر، لأن السمعة الطيبة لا تُصنع بالإعلام، بل بالسلوك اليومي. ثانيًا: الأمن والأمان… سبب البقاء انتقل للحديث عن قطر كدولة، فوصفها بأنها منظمة، نظيفة، هادئة، وآمنة. وقال إنه تلقى عروض عمل في دول عربية وأجنبية، قريبة وبعيدة، لكنه فضّل البقاء في قطر، لا لشيء إلا لأنه يشعر بالأمان والطمأنينة. المدينة – كما قال – هادئة، والقيادة فيها ممتعة، والمسؤولون محترمون. وهنا لا تتحدث لغة الأرقام، بل يتكلم الإحساس. ثالثًا: الشرطة… القانون يحمي الجميع أما النقطة الأهم – في رأيه – فكانت حديثه عن تعامل رجال الشرطة. قال إن الشرطة في قطر تحترم الجميع، مهما كانت الوظيفة أو الجنسية، وإنها حريفة في أخذ الحقوق. وأضاف: إذا حدثت أي مشكلة، أنصح أي شخص بالذهاب إلى مركز الشرطة… الشرطة في قطر تستمع بهدوء واحترام، وتأخذ الحق وفق القانون، سواء كان الخصم مواطنًا أو غير مواطن. كلام يحسب لوزارة الداخلية، ويؤكد أن العدالة حين تُمارس بعدل، تصبح مصدر أمان لا خوف. خلاصة الحوار هذه النقاط الثلاث – كما قال السائق – هي ما جعله يحب العيش في قطر، ويشعر بالأمان، ويستمتع بالحياة فيها. أما بالنسبة لي، فقد كان هذا الحديث البسيط ردًا عمليًا، هادئًا، صادقًا، على كثير من التقارير والادعاءات التي تتحدث باسم حقوق الإنسان، بينما الحقيقة ينطق بها من عاش التجربة. تحية لقطر شعبًا، وتحية لوزارة الداخلية، وتحية لكل سلوكٍ يومي يصنع صورة وطن… دون ضجيج.
774
| 15 يناير 2026