رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثورة الشعب المصري في يناير 2011 لحظة فارقة في التاريخ يندر تكرارها، لحظة أدرك فيها الشعب المصري لذاته، وحقه في الحياة، وإمكاناته وقدرة الفعل التي يستطيعه، استقرت في يقين أجيال صاعدة، تزيح من أمامها ثقافة الهزيمة والخوف.
تعيش هذه الأجيال الآن معانات النضج وتجاوز العجز القديم وتبدع أساليبها الجديدة للمقاومة والبناء معا وتدفع ثمن كل هذا طواعية أو غصبا ولكن بكل رضا وبالإمساك بأهدافها كما القابض على الجمر، وتواجه عالما بقدر تسليمه بعظمة الحدث والفعل غير أنه يحاول ألا تخرج النتائج ضد مصالحه وخططه.
سجلت وقائع الثورة تعبيرا خرج من بعض شباب مصر لزملائهم أثناء المواجهات، وتكرر مع أشخاص متعددة من الجنسين وبذات الصيغة وكأنه إلهام إلهي: "ارجعوا أنتم للخلف أنتم متعلمون وتقدروا تبنوا مصر، إحنا مالناش ثمن، ونقدر نواجههم"، تعبير يخشع عنده القلب ويرتجف، وصدقه العمل، وظل السؤال كيف وصل إلى عقل البسطاء المطحونين من أبناء الشعب؟ كيف استطاب التضحية بحياته ليحمي شباب وشابات من سنه، وبلا وجل ودون تردد؟
هؤلاء هم جند الثورة الحقيقيون، وصناعها، وشهداء معاركها الأولى.
تصفية هؤلاء الفدائيين البسطاء كان هدف الاتفاق بين النظام السابق ثم المجلس العسكري مع جماعة الإخوان، فهل يمكن أن يضيع ثأرهم أو هدفهم، ثأر الدم لا ينسى وهدف الحياة وضرورات البقاء لا يمكن التنازل عنها دون تحقيقها. لن يضيع ثأر الدم بانقضاء الزمن، ولكن الثأر يجب ألا ينحرف بالإرادة والوعي عن هدف الثورة في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية.
العارض الذي ألم بالثورة المصرية ليس مجرد الاستحواذ، ولكنه غياب المشروع الحلم، لأن الشعار مهما كانت عبقرية تعبيره عن الرؤية إلا أنه لا يعني إمكانية تحقيقه دون خطة العمل وتحديد مهامها بشكل واضح وقاطع.
سلوك الاستحواذ على الثورة كما ظاهرة زواج الأقارب، أصاب بنية سلطة ما بعد الثورة بالتكلس وانهيار القدرة على استيعاب مفهوم التغيير باتساعه وتنوع مهامه ومقاصده، وانهار نتيجة له المناعة الذاتية لبيئة الثورة، وصار جسد النظام عرضة للأمراض التي فتحت أبواب الثورة وبررت لها، وأصبح التفريط هو منتهى حدود قدرة سلطة آلت بالاستحواذ على الثورة إلى الانقلاب عليها ومن ثم تسوق مبررات وجود وبأي ثمن ومهما كان، وتضطرب الرؤية لينفرط عقد الوطن، وتتحول الحالة الداخلية إلى صراع سلطة يغيب عنه الوعي والحالة الثورية، أو هو "صراع الحماقات" كما عبر عنه بحكمة راقية أحد مشايخ سيناء.
مشروع الحلم المصري، لم يجد من يعبر عن حقيقته، في كافة الأطروحات الحالية والأفكار والسياسات، سواء بالوعي أو بالشجاعة والاستعداد لتحمل المسؤولية.
اتهم محمد علي في مشروع الحلم المصري في القرن التاسع عشر أنه يسعى إلى بناء إمبراطورية أو بأن لديه أطماع إمبراطورية، واتهم جمال عبد الناصر في مشروع الحلم المصري منتصف القرن العشرين أنه أيضاً يطمع إلى بناء إمبراطورية مصرية، والحقيقة أن كلتا المحاولتين كانت بالجغرافيا تعبر ببصرها ومسؤولياتها إلى الحدود الجغرافية للمصالح والأمن المصريين، والتي تمتد من منابع النيل وبحر العرب إلى شمال البحر المتوسط وجبال طوروس ومن المحيط الأطلسي غربا إلى الخليج العربي شرقا، وحساب حدود المصالح المصرية دون هذا العمق الجغرافي هو "التفريط" في الثورة وليس التفريط هو استمرار صراع الحماقات، بل إن استمرار صراع الحماقات أدنى من التفريط.
إن التفريط يتمثل في كافة المخاطر المحيطة بمصر دون موقف أو إعداد لموقف مناسب لها. إن الموقف من مياه النيل وتحويله إلى مصدر للصراع يعني أن الوعي المصري في إدارة مصالحها أدنى من وعي الملكة الفرعونية حتشبسوت والتي وصلت علاقاتها إلى الصومال بارتباط المصالح وكان ذلك منذ آلاف السنين، بل إن الكتابات الغربية عن احتمالات صراع مسلح بين مصر وإثيوبيا تكشف عن مخطط للانحراف بالمشروع المصري قبل بدايته.
إن العجز عن استيعاب ارتباط وحدة الأقاليم العربية بالأمن المصري جعل مصر أداة تفتيت وليست عامل وحدة ومسؤول عنها.
إن عجزنا عن إدراك مشروع الحلم المصري جعلنا نسمع خلال الأيام الماضية عن علاقة إستراتيجية تربط بين تركيا الحزب الحاكم ومصر جماعة الإخوان، وصارت العلاقات الحزبية بديلا عن علاقات الدولة وأمنها.
إن التفريط يتضح في تمادي الهجوم الإسرائيلي على المياه المصرية التي تدخل في إطار جغرافيا مشروع الحلم المصري.
ولعل أحد مظاهر التفريط هو صناعة التقسيم لسيناء بعد استكمال إنهاء السيادة المصرية عليها، ويجري تقسيم سيناء بين إرهاب يرفع الرايات السوداء، وحركة بيع للأراضي تحت راية الاستثمار، وقانون تمليك الأراضي هو خطوة أساسية في هذا الاتجاه، كبديل لقانون قاطع بأن أراضي سيناء لا تملك ولكن يتم منح حقوق للانتفاع بها وللمصريين فقط.
إن القاعدة الأساسية لمشروع الحلم المصري هي وحدة الشعب المصري، وهنا يبرز المحور الثاني للتقسيم وبعد التقسيم على قاعدة الجغرافيا، يجري التقسيم على القاعدة الطائفية وحملات دفع المسيحيين إلى الهجرة من أماكن معيشتهم، هو تفريط في وحدة الشعب، ثم التقسيم بين أصحاب الحق في الإسلام وهم متعددو الأسماء والمناهج، وغيرهم من الكفار على حسب الموقف السياسي والانتماء الحزبي، هو أيضاً تفريط في وحدة الشعب، ومدخل آخر للتقسيم.
ارتقى الفقراء من شباب مصر والذين حرموا من التعليم ومن مصدر يؤمن لهم العيش إلى مستوى النبلاء والشهداء من أجل مجتمعهم ووطنهم الذي ضن عليهم بحقوقهم، لقد ارتقوا بقولهم لرفاقهم الأوفر حظا في التعليم والعمل وتوافر أسباب الحياة: "عودوا أنتم للخلف، أنتم تقدروا تنفعوا مصر أكثر مننا، وإحنا ممكن ننفع مصر بهدم جبروت النظام بأرواحنا"، وفي الوقت ذاته تدنى موقف أسماء وشخصيات وتيارات كانت تملأ فضاء الوطن طنينا، وبقدر ما كان تفريط المستشار طارق البشري في ضرورة الدستور قبل الانتخابات، ووضع نفسه خادما لرؤية جماعة الإخوان واتفاقها مع النظام السابق حول "تعديلات دستورية" تؤدي لتداول السلطة، كان أيضاً تفريط المستشار حسام الغرياني رئيس الجمعية التأسيسية لوضع الدستور، وهو واحد من قضاة تيار الاستقلال الذين توالت مواقفهم الانقلابية على الثورة، وتجسد ذلك في مقولة أطلقها "بأن ثورة 1952 نصبت على الفلاحين"!، وذلك في معرض مناقشة نسبة تمثيل العمال والفلاحين في المجالس المنتخبة.
تعبير النصب عندما يخرج من قاضي دون نسبه إلى موقفه السياسي، هو حكم على موقف ثورة 1952 من القوى الاجتماعية، وأي قارئ للصحف وليس دارسا للتاريخ يدرك الموقف الاجتماعي لثورة يوليو تجاه العمال والفلاحين، وهذا يعني عدم صلاحية هذا القاضي المهنية فما بالنا بصلاحيته لرئاسة الجمعية التأسيسية للدستور، وإن أخذنا في اعتبارنا انتماء القاضي لموقف جماعة الإخوان، لأدركنا إلى أي مدى فرط هذا الرجل في ضميره المهني، فكيف بالتالي يمكن ائتمانه على رئاسة الجمعية التأسيسية لوضع دستور يعبر عن أمة وتاريخها وحاجاتها.
استوعب الجندي الألباني محمد علي المشروع المصري، واستوعب البكباشي جمال عبد الناصر المشروع المصري، وهو الرجل الذي كان باشاوات ما قبل الثورة يطلقون عليه "ابن البوسطجي"، لأن والده كان موظفا بالبريد المصري، واستوعب الفقراء والضعفاء والمتسربون من التعليم من شباب مصر وأنبل شهدائها مشروع الحلم المصري وقدموا حياتهم فداء وحماية له، إمبراطوريا فليكن، تمتد حدوده بطول العالم وعرضه، هو كذلك، ويدوم زمن البناء فيه زمن الحياة فوق الأرض، هذه حقيقة المسؤولية المترتبة عليه.
ولم يستوعب القضاة ورافعو الرايات السوداء حقيقة مشروع الحلم المصري، فانزووا جميعا عبيدا للمشروع الأمريكي في الشرق الأوسط الجديد والكبير وبؤرة القلب فيه إسرائيل.
هذا الفارق في الاستيعاب هو ضمانة الانتصار، فملح الأرض من فقراء مصر يدركون ماذا يريدون ويدفعون ثمنه، وغيرهم يستطيب حياة العبيد وطعم الثريد فتدهسهم أقدام أسيادهم قبل أقدام الشعب.
سقط الاستحواذ وسقط التفريط في مواجهة قدرة البقاء لدى الشعب المصري، فهل يفيد العبيد منطق الخندقة والرايات السوداء ووسيلة الإرهاب سبيلا للتقسيم؟.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
7419
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1596
| 26 يوليو 2026
الله يرحم أيام المحكمة الشرعية، حين كانت القضايا تُعرض على القضاة فيستمعون إلى الخصوم مباشرة، ويفهمون أصل الخلاف، ثم يفصلون فيه بعد جلسة أو جلستين، من دون هذا الامتداد الطويل الذي نراه اليوم. نتذكر بكل تقدير أصحاب الفضيلة من قضاة المحاكم الشرعية في قطر: الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود، والشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي البنعلي، والشيخ عبدالقادر بن محمد العماري، والشيخ عبدالله بن عبدالعزيز آل محمود، رحم الله من رحل منهم وجزاهم خير الجزاء. أما اليوم، فقد أصبحت بعض القضايا تمر بمراحل وإجراءات متعددة؛ من ابتدائي واستئناف وتمييز، وتأجيلات ومذكرات وردود على المذكرات، حتى إن الإجراءات في بعض الأحيان تبدو أطول من القضية نفسها. كما أصبح كثير من الجلسات يدور حول تقديم المذكرات والرد عليها، بدل المرافعة المباشرة التي تختصر الوقت وتوضح جوهر النزاع، وأصبح المتقاضي بحاجة إلى محامٍ حتى في بعض القضايا البسيطة التي كان يستطيع في السابق عرضها بنفسه. ومن وجهة نظري، فإن تعقيد الإجراءات أسهم في توسيع دور مكاتب المحاماة، حتى في أبسط القضايا، بما جعلها قطاعًا اقتصاديًا مزدهرًا. ولعل الانتشار اللافت لمكاتب المحاماة في كل زاوية من الدولة يعزز هذه الرؤية. ولا أحد ينكر أهمية الضمانات القانونية ودرجات التقاضي، فوجودها لحماية الحقوق وتحقيق العدالة، لكن العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى رحلة طويلة تستنزف الوقت والجهد والمال. لا أحد يطالب بالعودة إلى الماضي بحذافيره، ولا بانتقاص حقوق المتقاضين، وإنما نأمل تبسيط الإجراءات، وتسريع الفصل في القضايا، وإعادة الاعتبار للمرافعة المباشرة والصلح، حتى تصل الحقوق إلى أصحابها بأقصر الطرق وأقلها كلفة. فالعدالة لا تكتمل بصحة الحكم وحدها، بل بسرعة وصوله أيضًا.
1248
| 30 يوليو 2026