رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نحن مدينون باعتذار إلى الشعب السوري، الذي يذبح تحت أعيننا كل يوم منذ أحد عشر شهرا، في حين خذلته الشعوب العربية ووقفت منه موقف المتفرج. كأنما صار «قلب العروبة» محاطا بعرب بلا قلب.
ــ 1 ــ
من الجمعة 3 فبراير إلى الجمعة التالية 10 منه تم (قتل 755 سوريا. ومنذ بداية الانتفاضة الأسطورية في منتصف مارس الماضي قتل النظام القائم حتى الآن نحو 8 آلاف شخص واختفى عشرة آلاف وامتلأت السجون بعدد لا يحصى من المواطنين، وكانت الجريمة الوحيدة التي ارتكبها كل هؤلاء أنهم تمنوا أن يسترد بلدهم كرامته وحريته، بعد نحو 45 عاما من الاستبداد والقهر. حتى أننا طوال الأشهر التي خلت أصبحنا لا نرى في سوريا سوى أنها بلد غارق في دم أبنائه. شوارعها لا تسير فيها سوى جنازات الضحايا ومدرعات القتلة. ومدنها موعودة بالخراب والدمار كلما ارتفع فيها صوت يطالب بالحرية. بل إننا ما عدنا نسمع سوى أزيز الصواريخ والقاذفات واستغاثات المحاصرين المطالبين بوقف المجازر، وهتافات المصرِّين على إسقاط النظام، والداعين إلى أي تدخل عربي أو دولي يكبح جماح غارات التتار الجدد.
ــ 2 ــ
هذه الجريمة المستمرة منذ أحد عشر شهرا لم تحرك شيئا في العالم العربي، الذي اكتفت أغلبيته بمتابعة ما يجري عبر شاشات التلفزيون، تماما كما يحدث مع أي مسلسل تركي!
من المفارقات أن العالمين العربي والإسلامي اهتز وانتفض حين ظهر كتاب «الآيات الشيطانية» وحين نشرت إحدى الصحف الدنماركية رسوما مسيئة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام، لكنها لم تكترث بالمذبحة المستمرة التي يتعرض لها الشعب السوري. وإذ أفهم مشروعية الغضب للمقدسات الدينية إلا أنني أستغرب ذلك التقاعس عن التعبير عن الغضب دفاعا عن كرامة المسلمين وعزتهم. الأمر الذي يكشف في جانب منه عن مدى الخلل في المفاهيم السائدة التي تفصل بين عقيدة الإنسان وكرامته، وتقصر الغيرة والحمية على الأولى دون الثانية. علما بأن للعقائد ربا يحميها، أما انتهاك حرمات الناس واستباحة كراماتهم فهو يمثل عدوانا على حق من حقوق الله، يستوجب الاستنكار والاستنفار ويستدعي الاحتشاد والخروج للضرب على يد الظالم.
إذا قال قائل إن الجامعة العربية قدمت مبادرات وأوفدت مراقبين وذهبت إلى مجلس الأمن لتستقوي به في مواجهة نظام دمشق، فلن اختلف معه. لكني أقول فقط إن الجامعة تمثل الحكومات ولا تمثل الشعوب، ثم إن المراقبين ذهبوا حقا وعادوا ولم يفعلوا شيئا غيَّر من المعادلة، وإنما استثمر النظام مهمتهم لكسب الوقت بهدف الانتهاء من قمع المظاهرات. أما اللجوء إلى مجلس الأمن فقد أجهضه الفيتو الروسي والصيني. ولم يعد أمامنا من مبادرات حل الإشكال على الصعيد الدولي سوى مؤتمر أصدقاء سوريا الذي دعت إليه فرنسا، والمؤتمر الدولي الموازي الذي دعت إليه تركيا. إلا أن أهم تطور رسمي حدث على الصعيد العربي تمثل في سحب بعثة المراقبين، وطرد سفراء سوريا لدى تونس ودول مجلس التعاون الخليجي، واعتراف ليبيا بالمجلس الوطني الذي يمثل الثورة السورية.
ــ 3 ــ
في الحالة الليبية كان واضحا أن سقوط القذافي مسألة وقعت بسبب تدخل حلف الناتو. وهو ما تكرر في اليمن منذ أطلقت المبادرة الخليجية بتأييد غربي واضح. إذ لم يكن أمام الرئيس علي عبدالله صالح إلا أن يغادر في نهاية المطاف. أما في الحالة السورية فالأمر أكثر تعقيدا، إزاء استحالة التدخل الدولي، واستحالة المصالحة بين المجتمع والنظام بعد كل الدم الذي أريق، واستعصاء الحسم الداخلي عسكريا، وهشاشة الضغوط العربية، الأمر الذي يعني ثلاثة أمور أولها أن النظام السوري المتماسك بصورة نسبية حتى الآن لا يزال قادرا على الاستمرار ما لم تحدث مفاجأة غير متوقعة. الأمر الثاني أنه في ظل الخرائط العربية الراهنة والأوضاع الدولية القائمة يبدو أنه كتب على الشعب السوري أن يخوض معركته وحيدا. الأمر الثالث ترتب على سابقه، وهو أن المعركة ستطول وأن معاناة الشعب سوف تستمر وسوف تتزايد معها فاتورة التضحيات والآلام.
مستقويا بعوامل وأوراق الداخل، وبالدعم الإقليمي والمساندة الخارجية، فإن النظام السوري وجد نفسه مطمئنا إلى الاستفراد بالشعب السوري، وغير مستعد للتراجع خطوة إلى الوراء. بالتالي فكل ما يطلقه من شعارات تحدثت عن التغيير والحوار الوطني والإصلاح السياسي ما عاد لها معنى، ولم تعد تؤخذ على محمل الجد. وبات واضحا للجميع أنها من ذرائع المراوغة وكسب الوقت.
يراهن النظام السوري في الداخل على القبضة الأمنية القوية، وعلى مساندة قطاع عريض من الطائفة العلوية، التي يلوح بها كفزاعة لا تخوف فقط من احتمالات الحرب الأهلية، ولكنها فزاعة أيضا لإزعاج الجارة تركيا التي يزيد فيها عدد العلويين على عشرة ملايين نسمة. وبالمناسبة فإن النظام السوري يستخدم ورقة الأقليات العرقية والدينية ليس فقط للتخويف من بدائله، ولكن أيضا لتحدي الجيران وترهيبهم. ففي مواجهة الضغوط التركية مثلا فإنه لا يستخدم الورقة العلوية فقط وإنما يلوح أيضا بتوظيف الورقة الكردية. إذ رغم أن أكراد سوريا في حدود 200 ألف نسمة أغلبهم في محافظة القامشلي، فإنهم في شمال تركيا أكثر من 12 مليونا واشتباكاتهم مع أنقرة لها تاريخ طويل.
يستقوي النظام أيضا بالتأييد الإيراني واسع النطاق الذي استصحب تأييدا عراقيا ودعما من حزب الله في لبنان. ومعلوم أن ثمة تحالفا استراتيجيا بين سوريا وإيران، راهنت فيه طهران على نظام الأسد وليس على الشعب السوري، وهذا التحالف يؤمن البلدين بدرجة أو أخرى في مواجهة التهديد الإسرائيلي، لكن له دوافعه المذهبية أيضا. إذ من شأنه أن يعزز موقف الطائفة العلوية الأقرب إلى الشيعة في سوريا، كما يعزز موقف حزب الله في لبنان. في حين أن تغيير النظام في دمشق لا يقلب هذه المعادلة لصالح السنة في سوريا فحسب، ولكنه يهدد بتغيير الوضع في العراق، من حيث إنه يقوي ساعد أهل السنة هناك في مواجهة الأحزاب الشيعية المهيمنة والموالية لإيران.
الخلاصة أن النظام السوري في مقاومته لأي تغيير سياسي يستقوي بعدة أوراق في يده.
ويخوِّف من قلب المعادلات الإقليمية، كأنما يبعث إلى الجميع برسالة تقول إنه إذا كان سيئا فالذي سيترتب على رحيله أسوأ.
في الساحة الدولية يراهن النظام السوري على مساندة روسيا والصين. وهو ما تجلى في الفيتو الذي استخدماه في مجلس الأمن للحيلولة دون معاقبته. يدفع البلدين إلى الموقف الذي اتخذاه أنهما ضد تمدد النفوذ الأمريكي في المنطقة. وقد أعلنا صراحة أن الدول الغربية «خدعتهما» حين لم يعارضا فرض الحظر الجوي على ليبيا. إذ بعد أن فعلا ذلك أطلقت يد حلف الناتو في العمليات العسكرية، وتم تجاهل روسيا والصين. وهما لا يريدان تكرار هذا المشهد مرة ثانية، إضافة إلى ذلك فلروسيا علاقات خاصة مع دمشق، إذ لها قاعدة خدمات بحرية في ميناء طرطوس ثم إن كل السلاح السوري يتم شراؤه من موسكو، أما الصين فلديها حساسية من تأييد أي تحول ديمقراطي عبر مجلس الأمن ولا تريد للمجلس أن يتدخل في الشأن الداخلي لأي بلد، لأن ذلك يمكن أن يرتد على بكين ويستدعي ملفات داخلية كثيرة تسبب إحراجا لها.
ــ4ــ
الغائب عن المشهد حتى الآن هو ضغط الشعوب العربية، خصوصا دولة مثل مصر، التي يفترض فيها الريادة ويتعامل معها الجميع باعتبارها «الشقيقة الكبرى»، الأمر الذي يستدعي السؤال التالي: لماذا لم يحرك شلال الدم المتدفق في سوريا شيئا يذكر في الشارع العربي عامة والمصري خاصة؟ ــ هناك عدة عوامل أسهمت في ذلك الغياب منها ما يلي:
ــ إن مصر منذ وقعت معاهدة السلام مع إسرائيل في عام 1979 استقالت عمليا من موقع الريادة، ودخلت في طور الغيبوبة الكبرى التي لا تزال مستمرة حتى الآن. وفي غيبوبتها تلك فإنها لم تنكفئ على ذاتها فحسب، ولكنها التحقت بما سمي معسكر «الاعتدال» الذي أصبح من الناحية العملية يدور في فلك السياسة الأمريكية. وحين حدث ذلك من جانب «الشقيقة الكبرى» فلك أن تتصور صداه في أرجاء البيت العربي.
ــ إن أجواء الربيع العربي أغرقت عدة أقطار في شأنها الداخلي لأن سقوط الأنظمة تطلب جهدا كبيرا لتأسيس الأنظمة الجديدة، الأمر الذي صرف الانتباه عن أمور أخرى مهمة حاصلة في الساحة العربية.
ــ إن بعض النخب يحفظون للنظام السوري وقفته إلى جانب المقاومة الفلسطينية، ويرون في تلك الوقفة حسنة تغفر له الكثير من سيئاته، في حين أن لديهم شكوكا في بعض عناصر معارضة النظام.
ــ إن الملف السوري أشد تعقيدا مما يتصوره كثيرون. إذ لا خلاف على أن النظام القائم في دمشق يهيمن عليه حفنة من الأشرار، إلا أن القوى الخارجية التي تسعى لإسقاطه يحركها طابور طويل من الأشرار أيضا. الأمر الذي حيَّر كثيرين ممن صاروا يفاضلون بين الشيطان الذي يعرفونه والشيطان الذي لا يعرفونه.
ــ إن تدويل القضية أصبح مثيرا للشك والريبة، بعد تجربة حلف الناتو في ليبيا. علما بأن الوضع الذي نحن بصدده الآن أصعب، لأن ليبيا وراءها الثروة النفطية فقط، أما سوريا فوراءها خريطة جديدة للمشرق، وربما للشرق الأوسط، إذا وضعنا في الاعتبار تأثير سقوط النظام السوري على إيران وتركيا.
ما العمل إذن؟ ــ ردي أننا ينبغي أن نصيح بأعلى صوت قائلين: لا لاستمرار المذبحة ولا لتدخل حلف الناتو. وفي هذا الصدد لا مفر من الاعتراف بأن انهيار النظام العربي يحول بيننا وبين أن نتوقع حلا عربيا يضغط لكي يوقف المذبحة ويسلم السلطة للعناصر الوطنية السورية.
ويبدو أنه لم يعد أمامنا سوى أن نراهن على الشعوب العربية التي صحت أخيرا، وعلا صوتها الذي حجبته الأنظمة الاستبدادية، وقد سمعنا مؤخرا صوت تلك الشعوب في مظاهرات تونس وليبيا وموريتانيا. وإلى أن نسمع صوت بقية الشعوب العربية وفي مقدمتها شعب مصر، فإننا لابد أن نقدم اعتذارا للشعب السوري عن خذلاننا له وتقاعسنا في إعلان التضامن معه، وإذا لم يسامحونا ولم يقبلوا اعتذارنا فهم معذورون. لست مخولا من أحد في تقديم اعتذار، لكني أقدمه نيابة عن نفسي مستشعرا درجة عالية من الحزن والخزي.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1021
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4311
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2586
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1173
| 28 سبتمبر 2026