رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رحل الرجل.. اختطفته يد الغدر القذافية وهو آمن يعطي للطاغوت ظهره، ويحضّر كاميرته لاصطياد جرائم كتائب القذافي الإرهابية التي تتربص بمدينة بنغازي، المحررة من يد القذافي الآثمة.. ثلاث رصاصات قاتلة استقرت في ظهر الشهيد علي حسن الجابر الزميل الإعلامي الذي أصر على الذهاب إلى ليبيا في بداية انتفاضة شعبها، رغم نصائح الكثيرين له بأن يبقى!! ولكن أصر رحمه الله على السفر، وقال: إن الكاميرا هي من تسوقه لا العكس!.. وهناك كانت المنية التي كتبها الله له حيث الشهادة التي يتمناها الملايين وبرصاص آثم جبان لم يجرؤ على مواجهة (علي) من الأمام، لأنه كان يجد شجاعة كاذبة وهو يوجه نيرانه الحارقة إلى ظهره، وليسقط (علي) شهيداً مضرجاً بدمائه، ومعلناً الثورة فوق الثورة، وإن الكمين الذي رتبت له كتائب خميس القذافي ما هو إلا محاولة يائسة لحجب نور الشمس!! وكيف لغربال مهترئ قديم أن يفعل ذلك؟!.. والحقيقة أننا صدمنا لهذه الحادثة المفجعة التي هزت قطر والأوساط الإعلامية الحرة التي يثبت لها القذافي وأتباعه ومناصروه أن أيامهم بإذن الله صارت معدودة، وأن كل ما يفعله هذا المخبول هو من تأثير (التحشيش) الذي يلحس بما بقي له من مخ في حال وجوده من الأساس.. إنه بات كافياً ما فعله ويفعله بليبيا وشعبها الذي لا تزال ثورته قائمة حتى دحر هذا المُهَلوِس وأبنائه وكل من يناصره، ويتلقى ثمناً بخساً لقاء ذلك!.. اليوم على العالم أن يتحرك ضد هذا المجنون الذي يتصرف وكأنه يلعب الشطرنج.. يضحي بالجنود لأجل أمنه واستقراره ويعتبر دماء الليبيين كبش فداء له ولأسرته، التي استبد بأفرادها الغرور والكبر ويظنون بأن الشعب خدم لهم، يمكن لرصاصهم أن يصطادهم بعشوائية، وكأن المسألة باتت لعبة في أيديهم الملوثة!.. فقد بات من المخجل حقاً أن يفكر السيد عمرو موسى برئاسة مصر ورسم خطط ما بعد قيادة مصر، والتأكيد على مواقفه الثابتة من اتفاقيات مصر الدولية مع إسرائيل، وتأمين الحدود المحاذية لهذا الكيان العدو، وهو لا يزال يترأس أمانة الجامعة العربية التي فقدت أي مصداقية لها وسط الشعوب في كل الثورات، التي عمت أرجاء الوطن العربي، فلم تعد قادرة حتى على الاستنكار أو الشجب.. ومواقفها موقف الطفل في مهده لا يقوى إلا على البكاء حتى يتعب وينام، فأين عمرو موسى اليوم من ليبيا، وأين دم الشعب الليبي.. فلينظر أين قطر من دم القطري الشهيد علي حسن الجابر؟!.. فليست الجزيرة مَن عليها أن تثأر لدمه، فهذه القناة يهمها ويؤلمها أن يسقط منها ضحايا، ولكن ذلك يعطيها مصداقية أكبر لرسالتها الإعلامية، بينما في الحقيقة قد يكون ذلك إثباتاً للعكس وليس بالضرورة أن تشعر الجزيرة بتفردها ونزاهتها في مهمتها في حال وقوع قتلى من صفوفها، فحتى الظالمون يخسرون من الأرواح الكثير وتبقى صفة الظلم والترويج الزائف سمة لهم!.. هي ستنسى (علي) وستضيف ذكراه إلى سجل التمييز الذي يزكي بحسب وجهة نظرها رسالتها، التي أكد عليها (وضاح خنفر) المدير بالوكالة لهذه القناة التي باتت طرفاً ثالثاً في إشعال الثورات ومكتب عمليات للتنسيق مع الثوار والمنتفضين على كراسي الحكم في دولهم!.. ولكن من عليه أن يبقى متذكراً هذا الشيخ الوقور بلحيته الكثة البيضاء وجسمه المكتنز الذي لم يمنعه ذات يوم من تغطية أحداث صعدة اليمنية إبان القتال الذي دار حينها بين الحوثيين وقوات الأمن الحكومي، وصمم على نقل الصورة من هناك، ويعود محملاً بالذكريات الأليمة ليرحل ثانية إلى ليبيا، ويصبح هو من الذكريات المحزنة؟!..من عليه أن يثأر لدمه بعيداً عن القنوات المملة والباهتة التي تدور في أروقة الجزيرة من أنها ستفتح تحقيقاً دولياً في قضية مقتل علي الجابر، وإن الحق سيعود لنصابه مع تأكيدي الشخصي بأن الحق سيعلق على المشانق، وسيذهب دم (علي الجابر) كما ذهب دم (طارق أيوب) حينما نالته يد الغدر الأمريكية في فندق فلسطين ميرديان ببغداد أثناء الغزو الأمريكي وقوات التحالف للعراق، واعتبرت واشنطن استهداف مكتب الجزيرة آنذاك والمخصص في الفندق بأنه هدف عسكري استخباراتي، ولتضيع الحكاية حينها، وستضيع اليوم بعد مقتل (علي ) وتستمر الحكاية!.. على القذافي أن يرجع لصوابه اختياراً منه أو إجباراً، فلم تعد القصة مضحكة كما كانت، ولم يعد حضوره يمثل لنا فكاهة باعتبار أنه من المستحيل أن يكون فاكهة لنا، ولكن السؤال هو من يستطيع أن يمثل له وجه القذافي هدفاً يستفزه للانقضاض عليه والاقتصاص منه، ومن عليه أن يثأر لدم كل ليبي شهيد ومن يملك القدرة على الانتقام لدم علي حسن الجابر رحمه الله؟!.. ثلاثة أسئلة من يجب عنها قادر بإذن الله على تحرير القدس!!.. تحلمين يا فتاة!!
فاصلة أخيرة:
اللهم ارحم (علي حسن الجابر) واغفر له واعفُ عنه وأكرمه ووسع مدخله وأدخله الجنة واغسله بالماء والثلج والماء والبرد، ويمن كتابه وهون حسابه ولين ترابه، وثبت أقدامه وألهمه حسن الجواب، وطيبْ ثراه وأكرم مثواه واجعل الجنة مستقره ومأواه، وعطر مشهده وطيب مضجعه، وآنس وحشته، وارحم غربته، وقِه عذاب القبر وعذاب النار، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأفسح له في قبره واجعله روضة من رياض الجنة ولا تجعله حفرة من حفر النار، وانقله من ضيق اللحود والقبور إلى سعة الدور والقصور مع الذين أنعمت عليهم من الصديقين والشهداء والصالحين.. اللهم آمين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
2898
| 01 مارس 2026
في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار خط الدفاع الأول للاستقرار، فجوهر هذا المبدأ واضح ومباشر، الخلاف السياسي لا يبرر تهديد أمن الدولة المجاورة، ولا تحويل التوترات إلى مواجهات عسكرية، وعندما تُستبدل لغة الحوار بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فإن المشهد يتغير من خلاف دبلوماسي إلى خطر إقليمي مفتوح. حسن الجوار ليس بالضرورة التطابق في المواقف، بل يعني احترام الحدود والسيادة والامتناع عن أي تصرف يعرّض المدن أو المنشآت الحيوية للخطر. فلكل دولة الحق في أن تشعر بالأمان داخل أراضيها، وأن تحمي بنيتها التحتية وسكانها من أي استهداف مباشر أو غير مباشر. هذه قاعدة بديهية في العلاقات الدولية، لأنها تمس حياة المدنيين قبل أن تمس الحسابات السياسية. ما فعلته إيران من قصف منشآت داخل قطر، واستخدام صواريخ وطائرات، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد رسالة سياسية. استهداف البنية التحتية أو المرافق الحيوية يمثل تصعيدًا عسكريًا يضع المنطقة أمام احتمالات حرب خطيرة، فحين تُطلق الصواريخ وتنطلق الطائرات، لا تُصيب هدفًا ماديًا فحسب، بل تُصيب معها الثقة والاستقرار والأمن الإقليمي. الأخطر من ذلك أن مثل هذه الانتهاكات تجر دول الجوار إلى دائرة حرب المواجهة المباشرة وقد تتوسع سريعًا لنطاقات لا حد لها. فالهجمات بالصواريخ أو الطائرات لا تبقى ضمن إطار ثنائي، بل تفرض على الدول المجاورة اتخاذ إجراءات مقابلة، وهكذا تتحول حادثة واحدة إلى سلسلة ردود أفعال متلاحقة، قد تدفع المنطقة بأسرها إلى حافة مواجهة دامية. المنطقة الخليجية شديدة الترابط سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، أي تصعيد عسكري فيها يكون شرارة تحرق الأخضر واليابس. المنشآت المستهدفة ليست مجرد مبانٍ، بل مراكز طاقة واتصالات ومطارات وخدمات تمس حياة الملايين. وعندما تُستهدف، تتأثر سلاسل الإمداد، وتضطرب الأسواق، وتتراجع الثقة في استقرار الإقليم. وهذا ما يجعل أي عمل عسكري يتجاوز الخلاف السياسي ليصبح تهديدًا عالمياً مباشراً. من حق أي دولة أن تختلف مع جارتها في الرؤية أو التحالفات أو المواقف الإقليمية، لكن ليس من حقها البتة أن تنقل هذا الخلاف إلى مستوى استخدام القوة وحرب مفتوحة. فالصواريخ لا تحل النزاعات، والطائرات لا تبني جسور تفاهم. بل على العكس، هي أدوات ترفع منسوب القلق، وتزيد احتمالات سوء التقدير، وتفتح الباب أمام سيناريوهات يصعب احتواؤها. إن استمرار مثل هذه التصرفات يضع قطر ودول الجوار أمام معادلة صعبة إما القبول بواقع أمني مضطرب، أو الدخول في سباق تصعيد لا يخدم استقرار المنطقة. وفي الحالتين يكون الثمن باهظًا على الجميع. لذلك فإن التمسك بمبدأ حسن الجوار لم يعد خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة إستراتيجية لتجنب الانزلاق إلى حرب لا يريدها أحد. وختامًا استهداف المدن والمنشآت بالصواريخ والطائرات لا يمكن تبريره تحت أي خلاف سياسي وتحت أي ذريعة مهما كانت. بل إنه يمثل خطوة تدفع المنطقة نحو حافة مواجهة أوسع. الحفاظ على الأمن الإقليمي يبدأ باحترام سيادة الدول وحدودها، وبتغليب لغة التهدئة على منطق القوة. دون ذلك، يصبح الجوار ساحة صراع بدل أن يكون إطارًا للتعايش والاستقرار.
1620
| 04 مارس 2026
المشهد يتكرر كل يوم جمعة، وهو مؤلم بقدر ما هو محرج. الجدة تجلس بفرحة تنتظر أحفادها. يدخل الطفل، بملامحه الخليجية السمراء وعينيه الواسعتين. تسأله الجدة بلهفة وحنان: "شلونك يا وليدي؟ بشرني عن دراستك؟". ينظر الطفل إليها بجمود، ثم يلتفت لأمه سائلاً بلسان أعوج: "Mom, what is she saying?". فتتدخل الأم، وهي تضحك بخجل لتغطي الموقف، لتقوم بدور "المترجم" بين حفيد وجدته، وكأننا في اجتماع للأمم المتحدة، لا في صالة منزل خليجي! دعونا نضع هذا المشهد تحت مجهر "الثقافة والهوية" لنفهم أين الخلل. هل الخلل في أن الطفل يتقن الإنجليزية؟ قطعاً لا. فإتقان اللغات الأجنبية هو من أقوى أدوات "الثقافة المعاصرة"، وهو سلاح ضروري لتأمين مستقبله الوظيفي والعلمي في سوق عمل عالمي. وسعي الآباء لإدخال أبنائهم مدارس دولية هو سعي محمود لـ "جودة التعليم". إذن، أين الكارثة؟ الكارثة ليست في "كسب" لغة جديدة (وهذا تطور)، بل في "خسارة" اللغة الأم (وهذا طمس للهوية). نحن لا نربي جيلاً "عالمياً" كما نوهم أنفسنا، بل نربي "أجانب" بملامح خليجية، لأننا سمحنا لـ "الأداة" (الإنجليزية) أن تأكل "الأصل" (العربية).. اللغة ليست مجرد كلمات تترجم. اللغة هي "وعاء القيم". عندما يفقد طفلك اللغة العربية، هو لا يفقد "المفردات" فقط، بل يفقد "الشفرة الهوياتية" التي تربطه بمجتمعه وبدينه. كيف ستشرح له معنى "السنع" بالإنجليزية؟ كيف سيفهم معنى "المروءة"، و"الحشمة"، و"الفزعة"، و"صلة الرحم"؟ هذه مفاهيم ليس لها مرادف حقيقي في قواميس الغرب، لأنها نبتت من أرضنا وديننا. عندما يقول "Hi" بدلاً من "السلام عليكم"، هو لا يغير كلمة بكلمة، بل يستبدل "دعاءً بالسلام والرحمة" (قيمة) بـ "تحية عابرة" (عادة). الطفل الذي يكبر ولسانه "مكسّر"، ينشأ وفي داخله "كسر" في الهوية. يشعر بالغربة في مجالس الرجال لأنه لا يفهم نكاتهم ولا أمثالهم. يشعر بالملل عند سماع القرآن لأنه لا يتذوق بلاغته. يتحول تدريجياً إلى "سائح" في بلده؛ شكله منا، لكن عقله وروحه معلقة بثقافة أخرى. المعادلة الذهبية: لسانان لوظيفتين نحن لا ندعو - حاشا لله- للانغلاق. الإنجليزية اليوم هي "لغة العلم والعمل" (ثقافة)، ومن الضروري إتقانها كـ "مهارة" (Skill). ولكن العربية هي "لغة الوجود والانتماء" (هوية)، ومن الواجب الحفاظ عليها كـ "روح" (Soul). الخطر هو أن تتحول الإنجليزية من "لغة عمل" إلى "لغة أم" داخل البيت. أيها الآباء والأمهات.. "المدارس" ستعلمهم الإنجليزية والعلوم، هذه مهمتها (الثقافية)... لكن "العربية" و"الدين" و"السنع" هي مهمتكم أنتم، وهي مسؤوليتكم الحصرية التي لا تقبل التفويض (الهوياتية).. لا تقطعوا "الحبل السري" الذي يربط أطفالكم بتاريخهم. تحدثوا معهم بالعربية في البيت. اقرأوا لهم قصص الأنبياء. اجعلوهم يحفظون الشعر. لا تجعلوا طفلكم يحتاج إلى "مترجم" ليفهم دعوات جدته له، فتلك الدعوات هي أغلى ما سيحمله معه في رحلة الحياة. فاللغات يمكن تعلمها في أي عمر كـ "مهارة"، لكن "الانتماء" إذا كُسر في الصغر.. لا يجبره شيء في الكبر......
1041
| 04 مارس 2026