رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أنجزت تونس ثورتها، وأسقطت النظام السياسي القديم، لكنها لا تزال تتخبط في عملية الانتقال الديمقراطي. و أنجزت ليبيا ثورتها، وأسقطت النظام السابق، ولا تزال تعيش في ظل فوضى السلاح التي تمارسها الميلشيات المسيطرة على مصادر الطاقة، وغياب كامل للدولة. ولتونس أزماتها المعروفة، وأخطرها أزمة استيطان الإرهاب في مجتمعها بسبب وجود بيئات حاضنة له، وأزمة اقتصادية خانقة، باتت تتحكم بمصير البلد، ولا توجد لدى الحكومة الحالية عصا سحرية لحلها. و أصبحت ليبيا بلداً مصدراً للإرهاب، بسبب سيطرة التيارات الدينية المتشددة على أقسام كبيرة من البلاد، وعجز السلطات المنتخبة في يونيو 2012عن بناء دولة عصرية حديثة.
في تونس كما في ليبيا، الأزمات موجودة وإن اختلفت في طبيعتها وحدتها، وفي الجزائر والمغرب، رغم أن هذين البلدين لم يشهدا ثورة حقيقية، لكنهما يرزخان تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والحدودية.و تكمن المشكلة في البلدان المغاربية شواء في ظل الأنظمة الحاكمة منذ عقود من الزمن، أو في ظل السلطات الحديثة ما بعد الثورة، أن الفكر السياسي لدى النخب الحاكمة، وحتى لدى العديد من الأحزاب المعارضة على اختلاف مشاربها الفكرية والسياسية، لم يع أنه في ظل العولمة الرأسمالية المتوحشة، الدولة القطرية المغاربية التي تشكلت على حساب المشروع القومي الاجتماعي ودولة السوق القومي وصلت إلى مرحلة الانحطاط، سواء كان على رأس هذه الدولة القطرية فئات البرجوازية الكمبرادورية التي ارتبطت مباشرة بالإستراتيجية الشاملة للإمبريالية الغربية والنظام الرأسمالي العالمي، كما هو الحال في تونس والمغرب، أو تلك التي كان على رأسها فئات من الطبقة الوسطى التي انتهجت خياراً اقتصاديا واجتماعياً يقوم على شكل من أشكال رأسمالية الدولة، كما هو الحال في الجزائر وليبيا. فقد تجاوبت كلتاهما مع التقسيم الإمبريالي للعمل، وكانت نتيجتهما واحدة لجهة دخول المجتمعات المغاربية في أزمة بنيوية عميقة، وعجر هذه البنية الكولونيالية عن توفير الحد الأدنى من شروط التنمية المستقلة، والسوق القومية، والديمقراطية، والسياسة القومية.
في ظل ما بات يعرف بزمن "الربيع العربي"،من الواضح أن لإحساس بالأزمة البنيوية العمقية وانغلاق سبل الخروج منها، هو الذي سيدفع الأنظمة المغاربية القديمة والجديدة المأزومة إلى محاولة البحث عن مخرج جماعي للخروج من أزماتها، وهذا المخرج الحقيقي يكمن في إعادة إ حياء وحدة المغرب العربي بهدف التخفيف من المخاطر الداهمة. علما أن إتحاد المغرب العربي قام على أساس قطري واندمج في إطار تشكيل وحدة إقليمية على غرار بلدان مجلس التعاون الخليجي، وحدة أنظمة قطرية مسيطر عليها من قبل الإمبريالية الأمريكية، ولها وظيفة في الإستراتيجية الأمريكية في الوطن العربي، والبحر الأبيض المتوسط، لدعم ركائز هذه الأنظمة القطرية، ومنع المعارضة الإسلامية المغاربية من أن تحقق أهدافها، وخلق نوع جديد من التوازنات يساند فيه النظام القوي النظام الضعيف، ويمنع الأقطار الأكبر من احتواء الأقطار الأصغر.
رغم حصول الثورة في كل من تونس وليبيا، ووصول سلطات جديدة في البلدين كليهما، واستمرار النظامين في كل من المغرب والجزائر على حالهما، يلمس المراقب الموضوعي، أن لا شيئاً جوهرياًتغير في طبيعة الأنظمة المغاربية، فهي أنظمة استمدت شرعيتها وحراكها الاجتماعي من الضرورات والاستحقاقات الخارجية،أما الثورة في تونس وليبيا، فلم تفرز تمثيلية سياسية تعبر عن إرادة الثورة، وتطرح إعادة بناء الاتحاد المغاربي، باعتباره خشبة الخلاص للخروج من الأزمات التي تعيشها البلدان المغاربية محلياً وإقليميا.
كل مشروع سياسي يحتاج بالضرورة إلى مشروع معرفي / ثقافي ملازم له، وأكثر من أي وقت مضى، يبدو المدخل الضروري لإعادة بناء الوعي المغاربي الديمقراطي مدخلاً معرفياً / ثقافياً، مدخلاً فكرياً يضع حداً للاتجاه العلموي – التكنوقراطي المنسجم مع وضعية التجزئة والتأخر الإيديولوجي السياسي والاستبداد وهي سمات الدولة القطرية المغاربية بامتياز. والفكر العربي مطالب اليوم، وفي ظل التغيرات التي تعصف في العالم بمعرفة الواقع بثلاثة أبعاده: الزمانية (التاريخية) والمكانية (العالمية) والمنطقية (العقلانية) من دون رغبات أو مشاعر وهو مطالب قبل كل شيء بناء هذا كله وغيره على مبدأ الإنسان ومفهوم التاريخ وفكرة التقدم.
إعادة إنتاج السياسة في صلب المجتمع المدني المغاربي بوصفها فاعليته الخاصة المميزة، وبوصفها حقل العام الذي تتخذ فيه التعارضات الاجتماعية طابعاً عاماً، وتحل بالطرق السلمية التوافقية المحكومة بنسبة القوى الاجتماعية. السياسة هي الحقل الذي يتخذ فيه التنافس بين الأفراد والتعارض بين الاتجاهات الإيديولوجية والأحزاب السياسية طابعاً مدنياً وحضارياً سلمياً، بعد أن تكون هذه التناقضات والتعارضات والصراعات قد اتخذت صفة ثقافية وإيديولوجية، وألا تنحط السياسة إلى حرب ويفقد المجتمع لغة التفاهم والحوار وشروط التوافق والإجماع على الصالح العام، والمصلحة الوطنية/القومية.
تحويل الدولة القطرية التابعة المرسملة والكمبرادورية في المغرب العربي إلى دولة وطنية هي تعبير حقوقي وسياسي عن هوية المجتمع القومية. ولا يتحقق ذلك إلا بسيادة القانون، وفصل السلطات، واستقلال مؤسسات المجتمع المدني على قاعدة حرية الفرد وحقوق الإنسان والمواطن. الدولة القطرية المغاربية هي التجسيد الواقعي العياني للتجزئة، والقانون الموضوعي لعمل الإمبريالية وحجر الأساس في إستراتيجيتها، وهي محصلة التأخر التاريخي للشعب العربي والأوضاع الإمبريالية الناجمة عنه.
والحال هذه لا يمكن تحويل هذه الدولة القطرية التابعة إلى دولة وطنية مستقلة إلا بعمل سياسي ديمقراطي يمارسه المجتمع في مؤسساته المستقلة عن هيمنة السلطات الحاكمة. والدولة الوطنية من هذه الزاوية هي دولة ديمقراطية بمعنى كونها دولة المجتمع التي يشعر فيها كل مواطن بأنها صورته السياسية وملاذه وضامن حقوقه وحريته. والدولة الوطنية هي جنين دولة قومية، أي إنها تقبل الاندماج في مشروع وحدوي، بغض النظر عن الشكل السياسي لهذه الوحدة، سواء اندماجية في دولة واحدة مركزية أو فيدرالية، أو تكامل اقتصادي الخ.
والاندماج في المشروع الوحدوي يعني واقعياً حرية انتقال عوامل الإنتاج من دولة إلى أخرى، أو بين الدول المغاربية الأخرى، ونشوء نوع من تقسيم عمل قومي تحدده الشروط الموضوعية والمصالح الحقيقية لشعوب المنطقة. وهذا يؤدي موضوعياً إلى نشوء سوق قومية قادرة على إقامة علاقات ندية أو متوازنة مع التكتلات الاقتصادية الإقليمية ومع السوق العالمية بوجه عام. إذاً فعملية الوحدة المغاربية، مدخلها الواقعي هو تحويل الدولة القطرية ديمقراطياً وقومياً.
استنهاض الحركة الشعبية، ولهذه الحركة نزوع أصيل إلى التحرر والتقدم تجلى دائماً في نزوعها الوحدوي الديمقراطي. الحركة الشعبية هي التي تنتج السياسة وتصنع الأحزاب،أما الأحزاب فلا تستطيع صناعة حركة شعبية، ولا تستطيع الأحزاب كذلك قيادة الحركة الشعبية، إلا إذا كانت من إنتاج هذه الحركة نفسها.ومن دون هذه الشروط مجتمعة، وقبل توافرها ربما لا يكون الوقت قد حان لإطلاق سيرورة توحيد المغرب العربي ضمن سياق الثورة القومية الديمقراطية. هذه الثورة كاحتمال تاريخي قائم، لا تزال بكل منطوياتها الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية على جدول أعمال الأمة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
4887
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3771
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2628
| 08 سبتمبر 2026