رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم أتعجب لتصريحات باقان اموم قبل عدة أيام من خلال مؤتمره الصحفي عبر القنوات الفضائية العربية والأجنبية وهو يتهم الرئيس البشير بأنه يرعى ميليشيات ويشرف بنفسه على تدريبها لخلق زعزعة لحكومة جنوب السودان لأن باقان جرى تصحيحه وتدويره لدى الدوائر الغربية للقيام بهذا الدور الهجومي واتهام الشماليين بأنهم عنصريون وأنهم يخلفون العهود وأن الإنسان الجنوبي كان مواطناً من الدرجة الثانية وأن التنمية لم تجد طريقها للجنوب بسبب التهميش إلى غير ذلك من الاتهامات التي أعدت بعناية من قبل شركات العلاقات العامة الصهيونية لإقناع بعض أبناء الجنوب بتلك الاتهامات وشغل المؤتمر الوطني بنفسه ونفى اتهاماته المستمرة التي تارة تشير إلى أحداث مختلفة وتارة إلى لي عنق الحقائق والأحداث والصعوبات التي تواجهها حكومته في إدارة دفة الأحداث في ظل التناقضات العظيمة التي أدخلوا فيها أنفسهم ومواطنيهم.
فخلال السنوات الخمس التي جاءت بعد الاتفاقية لأعداد الجنوب ليكون دولة بإيجاد البنيات التحتية وتدريب الكوادر وإنصاف المظلومين وتوفير مبادئ العدل والأمن والاستقرار، عاش الجنوبيون أسوأ حالات عدم الاستقرار والعنصرية والإرهاب والانفراد بالحكم وتحويل الأموال التي خصصت للجنوب إلى المصالح الشخصية لأفراد قلائل في الحركة الشعبية.. فقد أشار لي مواطن كيني كنت معه في سيارته وأنا متجه لمطار نيروبي إلى مجموعة من الفلل الراقية في مساحة كبيرة قائلاً انظر هذه فلل قيادات الحركة الشعبية أنهم بدلاً من بناء الجنوب وإعمار بلدهم مما لحق بها من دمار وتخريب أثناء حرب العصابات فإنهم قاموا ببناء نيروبي أنهم حولوا وجهة الجنوب إلى الجنوب، فهناك سفريتان للخطوط الكينية أسبوعيا إلى جوبا، ويسافر المسؤولون للخارج عبر نيروبي وليس عبر الخرطوم. وأنهم يقضون معظم أوقاتهم مع أسرهم التي تقيم في هذه الفلل الجميلة، والجنوب بالنسبة لهم ما هو إلا مورد مالي لهم ولأسرهم، ومكافأة لهم وتجري عمليات إعداد ميناء بحري قرب ميناء ممباسا لأغراض تصدير النفط واستيراد السلع..
لهذه الأسباب ثارت ثورة أطور وغيره من الذين أفنوا حياتهم في الحرب مع الحركة الشعبية لنيل الاستقلال أو لتحقيق العدالة والتوازن إن كان كل ذلك صحيحاً في الأصل- فالبشير أول من بارك لحكومة الجنوب وشعب الجنوب نتيجة الاستفتاء التي عرفناها بأرقامها التي لا نسمع بها إلا في عهود الديكتاتوريات والإمبراطوريات التي يصوت فيها الشعوب أما بنعم وإما بنعم فتخرج النتائج بالرقم الشهير 99.9 بالمائة.. ورغم ما تثيره نتيجة ذلك الاستفتاء مقرونة بطبيعة الأمور في الجنوب وموقف الكثير من المواطنين والقوى السياسية من ما يسمى بالاستقلال فإن السودان تتنفس الصعداء بأن أذى بليغاً قد زال وأن حرباً شرسة دامت لنصف قرن لمجرد ادعاءات استعمارية وتحريض كنسي صهيوني قد انتهت،فقد نالت الخطة الإستراتيجية التي خطط لها منذ القرن قبل الماضي قد أتت أكلها، فإن أهل السودان تقبلوا النتيجة قيادة وقاعدة، باستثناء حلفاء الحركة الشعبية الذين كانوا يرمون من وراء نتيجة الاستفتاء لفوضى عارمة تعم السودان ويذهب المؤتمر الوطني ( هذا الحزب الذي وصفه عرمان في ندوة عقدت في القاهرة في رمضان الماضي بأنه حزب لا إرادة سياسية له) وصفق له بحرارة جميع عناصر الحركة وأصدقاؤها وحلفاؤها.. وكنت قد رددت عليه في تلك الندوة حول هذا الأمر بأن المؤتمر الوطني هو صاحب الإرادة السياسية الوحيد في السودان وإلا لما كانت هذه الاتفاقية التي اوقفت أطول حرب في إفريقيا.. ولما كان ما كان من تحول ديمقراطي وحريات تمكن الجميع من حرية التعبير والتنظيم برغم ما يحيط ببلادنا من مخاطر ومؤامرات تهدف إلى تمزيق وحدتها وزعزعة استقرارها.
في الأسبوع المنصرف زار وفد الحركة بقيادة أموم الولايات المتحدة واستقبلتهم سوزان رايس بالأحضان.. وقاموا بدلا عن طلب الدعم والعون لبناء دولتهم المنهارة.. تقدموا بطلب بعدم رفع العقوبات الأمريكية المفروضة على السودان، وهذا ما ظهر في العلن.. وسوف تظهر الأيام القادمة الأجندة السرية التي جرت بينهم وبين اللوبي الصهيوني الذي يقف وراء تصريحات باقان ورفاقه ضد بلادنا التي استقلوا عنها.. ما يؤكد حقيقة نوايا وأحقاد وعنصرية باقان ورفاقه على أهل السودان أنهم يرغبون في استمرار الحصار الاقتصادي على بلادنا.. ويريدون تفتيت وحدة بلادنا وعندما يثور عندهم ثائر من بني جلدتهم ضد فساد حكمهم وعنصرية سياساتهم يشيرون بوثائق مزورة إلى بلادنا بأنها ضالعة في عدم الاستقرار الأمني الذي يهز كيان باقان ورفاقه ليطير إلى أسياده في أمريكا ويشكو لهم.. ولكن الأمريكان يعرفون زيف الاتهامات وكشفوا الوثائق المزورة بسذاجة عن ضلوع المؤتمر الوطني في زعزعة الأمن والاستقرار في الجنوب.. وحتى لو قلنا جدلاً أن ذلك ممكن ألا ينظر باقان إلى أن استضافة حركات دارفور وتسليحها وتدريبها ودفعها صوب دارفور عبر الحدود جريمة تقوم بها دويلة عاجزة عن التحكم الأمني على مناطقها ضد دولة عريقة ضاربة بجذور خبراتها إلى سبعة آلاف سنة قبل الميلاد!؟.. ثم أن أهل الشمال لم يصدقوا أنهم تخلصوا من هذه السلسلة من التمرد الدائم لما يزيد على خمسين سنة لماذا يوترون الأجواء في الجنوب... يا أخي نحن لم نصدق تحقق ذلك فلماذا وكيف تتصور أننا نرفض قرار شعب الجنوب أن كان ذلك صحيحاً أو تزويرا.. يا أخي باقان زمان البشير قال لكم(( مبروك عليكم يسهل وعلينا يمهل!!)) هل فهمت العبارة أم نقولها لك بعربي جوبا.. وإذا لم ترد عربي جوبا نقولها لك بعربي دنقلا.. ((إدقن شورقدن.. أدقن كوة قدن!!)) هل فهمت أم أكررها لك بالعبرية!!؟
أما ياسر عرمان فلن تكون له أو لا يجوز قانوناً ودستوراً أن يكون مواطناً سودانياً ينتمي..إلى هذه الأرض التي تنتمي إليها، بعد أن سعى مع وفد باقان إلى تحريض الأمريكان ضد بلادنا بعدم رفع الحصار والعقوبات على السودان،هذه خيانة عظمى أن كان عرمان ينوي أن يكون مواطناً سودانياً جعلياً.. أما إن كان ينتمي إلى دولة باقان فلا حرج عليه، وعليه مغادرة أرضنا ولا يدخلها إلا إذا قبلت السلطات منحه تأشيرة دخول ولا أظن أن عاقلاُ سوف يقبل ذلك. كما قبلت من قبل بدخول من قال على رؤوس الأشهاد بأن حلايب مصرية!!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10470
| 06 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3642
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2526
| 08 سبتمبر 2026