رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد فشل الهدنة المنعقدة في باكستان مؤخرا، يجب علينا أن نضع النقاط على الحروف ونفهم الوقائع بموضوعية ونسلط الضوء على الحلول المناسبة للمرحلة القادمة، طبعا الآن جميعنا نعلم أن المنطقة تمر في ظروف استثنائية وجديدة كلياً وهناك عرقلة في عملية إدارة التوريدات والبضائع من الخارج عبر مضيق هرمز، لاعتمادنا الدائم على هذا المضيق في عملية التوريد والذي يشكل من قيمة الواردات 98 % تقريبا، واليوم الوضع الجيوسياسي تعقد بالمنطقة إلى حد ما، فإغلاق مضيق هرمز له تأثيره على الواردات ولكن هناك تجاوب وارتجال سريع ومبهر من حيث سرعة التكيف واتخاذ القرارات والبدائل التي شكَّلت حاجزا مهما لتجاوز هذه الأزمة بسلام، فنحن لم نستشعر بأننا في خضم حرب إقليمية إلا من خلال الأخبار ومواقع التواصل الاجتماعي، فاللهم لك الحمد والشكر على نعمة الأمن والأمان وعلى القيادة الرشيدة. ولتعريف الأزمات بشكل مبسط فهي عبارة عن حدث مفاجئ يستند على عاملين أساسيين وهما (الوقت - والتأثير) وترتكز في طبيعتها على ثلاث خصائص، كالتالي بداية - قمة - نهاية، وإن شاء الله شارفت الأزمة الحالية على النهاية وعودة الأوضاع إلى طبيعتها بل أفضل من ذلك بعد أخذ الدروس المستفادة منها.
والآن دعنا نعرف ما هي سلسلة التوريد أو الإمداد (Supply Chain) لأن هناك خلطا في فهم هذه العملية لدى عدد من الناس، لذلك تعريفها المبسط هو أنها مراحل متزامنة وشبكة متكاملة معنية بربط الموردين والمصنعين، والموزعين، وتجار التجزئة، وصولاً إلى المستهلك النهائي، فهي عملية تكاملية تتضمن منظومة تشمل النقل وتداول المواد الخام، وتحويلها إلى منتجات نهائية، وتسليمها، بهدف تحسين الكفاءة، وتقليل التكاليف، وضمان جودة المنتج وسرعة وصوله للعميل.
واليوم لدى الشركات والمصانع عدد من الحلول المتنوعة لتوريد المنتجات والمواد الخام من الخارج، فإذا فتحنا خارطة العالم، وجدنا أن هناك ممرات وبدائل تعادل في كفاءتها نسبياً حاجتنا لمضيق هرمز بشكل كبير، فهناك على سبيل المثال الممرات المائية من جهة جدة أو مدينة الملك عبدالله الاقتصادية، فهي ممرات مفتوحة على البحر الأحمر ومجرد وصول الشحنة إلى هذا الميناء يتم تخليصها بسرعة استثنائية تواكب المطلوب وتبرز التكامل بين المجتمع الخليجي في أبهى صورة، وبتسهيلات وامتيازات كبيرة تحد من الخسائر سواء من الوقت والمال، كما أن هناك ميناء الدقم في سلطنة عمان وميناء صحار وأيضا في دولة الإمارات العربية المتحدة هناك ميناء الفجيرة وميناء جبل علي، وهما مرتكز أساسي للشحنات القادمة من دول شرق وجنوب آسيا عبر البحر، فهي قريبة منهما ومن السهل الوصول إليهما بدون التعرض إلى أي مخاطر كانت بسبب الأوضاع الحالية، فالتعاون الخليجي اليوم هو مصدر فخر واعتزاز لنا وهو قائم على قدم وساق في دعم سلسلة الإمداد بكفاءة عالية، كما أن هناك عددا كبيرا من مطارات الشحن الجوي وغيرها من التسهيلات على أرض الواقع.
لكن التحدي اليوم يقع أمام أصحاب القرار في القطاع الخاص وتحديدا في الشركات والمصانع المعنية بالقطاعات الحيوية الأساسية، حيث يجب أن يتم التخطيط والعناية في عملية توريد وتعزيز سلسلة الإمداد بشكل مثالي، لأن عامل الوقت هو الأساس هنا، كما أن أسعار المنتجات أو المواد الخام في بلد الأم ارتفعت، وهنا تبرز العلاقة المتبادلة بين المورد والمصنع ومنتج مواد الخام، وإن كانت هناك زيادة لا بد منها فمن الممكن التفاهم لتوزيع تكلفة هذه الزيادة بين الأطراف، لأن هذه الأزمة هي عابرة والعلاقات بين الشركات والمصانع مستمرة حتى بعد انتهائها، وإذا كان لابد من ارتفاعها، ففي هذه الحالة يجب البحث عن بدائل لنفس المنتج أو الخام، أو تقبل زيادة المنتج ومحاولة تقليص تكاليف أخرى لمعادلة القيمة الإجمالية.
كما يجب حساب الكميات الموجودة في المخازن الرئيسية بدقة عالية، ثم النظر إلى نسبة الاستهلاك اليومي أو المبيعات منها، وتقسيمها على سبيل المثال لفترة شهرين متتاليين، ثم التواصل مع المورد أو المصنع لبحث فترة إرسال الطلب من بلد الأم، وهنا هو مفتاح العملية، حيث إنه يجب أن يتم وضع أيام أكثر من التي متوقع فيها استلام الطلب، تفاديا لأي تأخير أو انقطاع، كما أن ربط المورد مع شركة موثوقة للشحن ولتوريد المنتج سواء بحريا أو بريا أو جويا، أمر في غاية الأهمية ويجب أن تحظى هذه الشركة بالثقة وليس لها تاريخ في التغيير المستمر بجداولها، لأنه في كثير من الأحيان يحدث هناك تغيير في الجدول بدون سابق إنذار، ومن الصعوبة التواصل معهم أو الحصول على إعادة جدولة النقل للبضاعة، لذلك لابد من الحذر والمتابعة اليومية لبناء منظومة متكاملة من عمليات الشراء والتوريد والتخزين والبيع. وبالخاتمة، مضيق هرمز إما يفتح ويعود مثلما كان أو يصبح مكانا ملائما لصيد السمك وشكرا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3732
| 29 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
1143
| 24 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس التعاون. فاليمن بحكم موقعه وتاريخه ليس جارًا عابرًا، بل امتداد طبيعي للجزيرة العربية، وحاضنة بشرية يمكن أن تشكّل رافدًا مهمًا لدول الخليج. وقد أشار إلى هذه الحقيقة عدد من كتّاب الخليج، ولعل من أبرز ما قيل في ذلك ما عبَّر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، حين قال إن اليمن قدره أن يكون في هذه البقعة من الجزيرة العربية، ولا يمكن إغفال هذا الواقع. وفي خضم التحديات والنزاعات التي تواجه دول الخليج، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات التي تختزل اليمن في كونه عبئًا اقتصاديًا أو مصدر إنفاق. هذه النظرة قصيرة المدى، تتجاهل المكاسب الإستراتيجية بعيدة الأثر. ولنا في تجربة إعادة توحيد ألمانيا مثال واضح؛ إذ لم تتردد ألمانيا الغربية في ضم الشرقية بعد سقوط جدار برلين، رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة، لأنها نظرت إلى المآلات الإستراتيجية لا إلى الخسائر الآنية. إن اليمن اليوم يمثل: خزانًا بشريًا يمكن أن يرفد دول الخليج بالعمالة العربية الماهرة فرصة لبناء منظومة تعليمية متخصصة تُخرّج كوادر تخدم المنطقة امتدادًا صناعيًا محتملًا، خصوصًا في مجالات قد يصعب توطينها داخل الخليج كالصناعات الحربية. كما أن الاستثمار في اليمن يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي، وتقليل الاعتماد المفرط على العمالة غير العربية، بما يحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية لدول الخليج. الخلاصة أن اليمن ليس عبئًا، بل فرصة مؤجلة… وفرصة كهذه، إن لم تُدرك في وقتها، قد تتحول إلى تحدٍّ يصعب تداركه.
762
| 27 أبريل 2026