رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الأمم التي تملك شجاعة مواجهة النفس، أمم قادرة على البقاء ومواجهة التحديات. ومواجهة النفس بقدر ما تحمل من سمات الشجاعة، فهي لا تحتمل الخداع أو الكلمات ذات الطنين، أو الخلل في التوصيف، ويلزم الحديث والحوار خلالها بالموضوعية والصدق والتدقيق في الألفاظ التي تذهب للمعنى مباشرة وقاطعة دون أن تكون حمالة أوجه، وأي حديث تعبوي أو تحريضي يبقى تأثيره خادعا للإرادة ولا يرتقى بحالة الوعي بل يزيدها حيرة ويصبح الحديث مجرد قطع زمن أو تلوين صورة دون مضمونها الحقيقي، وكل حديث تعبوي أو تحريضي في مراحل مواجهة النفس هو تشتيت للوعي أكثر منه تعميقا للرؤية واستنزاف للجهد بديلا عن تحديد مهام اتجاه المجهود الرئيسي.
ما يدور في مصر يتسم بالاختلال في التعريفات والمعاني وحسابات الوجود والانتماء، وكأننا في استعراض بين الطاووس والحدأة، وغابت الصقور والنسور وكأنها انقرضت.
مصر بعد الثورة كأنها ريشة في مهب رياح عاتية، تقتلع الأخضر وتهدم حضارة وتطمس هوية، وكأن المصريين بلا ذاكرة وبلا عقل، ويعيد كل من شاء تعريف ما يريد حسب الأهواء، وصار الخداع والكذب والادعاء سمة اللحظة.
تعلمنا أن أي بيان من مستوى أعلى بالقوات المسلحة للمستويات التالية له هو أمر قيادة، والقيادة لا تعرف الاعتذار ولا التذلل ولا التسامح، والقيادة إن أرادت الاعتذار تتنحي عن مسؤولياتها لغيرها، أو تطلق الرصاص على نفسها للانتحار، والقيادة تعبير عن كرامة أمة، تعبر عن عزتها، ولا تتذلل لشعبها، إرضاء أو نفاقا، والقيادة التي يدخل قاموسها التذلل تفقد قدرة حماية عزة الأمة وكرامتها، والقيادة التي تجهل أبعاد ما حدث وقت أن كانت مسؤوليتها المباشرة أن تملك المعلومات وتعد للموقف، قيادة لا تستطيع مواجهة المواقف، بل هي تدخل معركتها وميدان المعركة منطقة عمياء لها.
هناك وقفات تعبوية للقوات في الحرب بين معاركها وأهدافها المتوالية، ولكن درة التكتيك العسكري هو "سرعة استغلال النجاح"، وهو أمر يحتاج إلى امتلاك دائم للقدرة على تقدير الموقف وسرعة اتخاذ القرار.
الوقفة مع النفس لا تعني تكرار الحديث عن سلطة الإخوان، وتحول مصر إلى بيئة حاضنة للإرهاب، أو غياب أهداف الثورة واعتقال وقتل ومحاكمة كل من يتحدث حولها، وتحول الشعب إلى كتل متنافرة، بين الإيمان والكفر، والاستيلاء على الدين حسب الهوى، وتفكيك الدولة ضمن إستراتيجية التفتيت للإقليم، ومما يضاعف الخطر إلى حد انتحار الدولة هو غياب مفهوم الأمن القومي واستبداله بأحاديث جوفاء لا تعني غير الجهل بشموليته وما يفرضه علي مفاهيم الديمقراطية الوليدة التي صارت "قميص عثمان" تخليا عن مسئوليات واجبة تجاه ثورة شعب.
إن الوقفة الموضوعية مع النفس تلزمنا بالحديث عن عنوانين رئيسيين:
الأول: ما يطلق عليه المعارضة.
مجرد القبول بصفة المعارضة، هو قبول بأنهم طرف في نظام، وقبول بدستور جري صناعته بعيدا عن التوافق. ومؤدي ذلك هو القبول بلعبة الانتخابات، وبالاحتكام إلى صندوق التصويت، هو ذات منهج المعارضة مع النظام السابق، القبول بالنظام والصراع داخله علي السلطة وفقط، دون وجود نقاط تمايز في الرؤية السياسية أو الارتباط الشعبي. وصار الصراع علي السلطة يركن إلى توصيف لأطرافه بأسماء الأشخاص، وصارت السياسة تجريف للثورة ولمعني التغيير. ولم تفقد الحالة السياسية في مصر معارك الوهم، وأحاديث تسقط من حسابها ما يجري علي الأرض من إهدار للأهداف وللهوية والزمن، لصالح الاقتتال إمام عدسات التصوير، وصارت عجلة القضم والهضم لوجود الوطن أكثر إنتاجا من المقاومة، وتساوت جماعة الإخوان مع المعارضة في تقدير الشعب وتوصيفه، وإذا خسرت الإخوان وجودها بين الناس، فهو أمر مرده ما تؤتيه الجماعة من أفعال وانكشاف أمرها أمام الشعب، وهو معامل لا يمكن الارتكان عليه، ودلالة ذلك أن سؤالا جوهريا يطلقه المواطنون عما يمكن أن يكون بديلا للإخوان، يرفضونهم نعم، ويسألون باستنكار لغيرهم عن البديل. وصار المواطن مطالب بالمقارنة بين حالة السكون والجهالة لدي المعارضة وبين حالة الاستحواذ والسيطرة من جماعة الإخوان، مقارنة بين سكون وفعل وليس بين فعل للثورة وفعل مضاد لها.
لم تنتج الثورة قوي اجتماعية تتحالف لصالحها، ولكنها أنتجت أسماء أشخاص تحمل ختم ميدان التحرير وعرقه ومواقف جرت حينها، وورثت بذلك مستقبل الوطن.
ويستخدم التعامل الأمني تارة لوأد عناصر مقاومة، وتارة أخرى لصناعة نجوم سياسية جديدة دون سند لها من الواقع.
غابت مهام المرحلة الانتقالية، وصارت العشوائية هي سمة الأداء العام، ويدفع الشعب الثمن مرة تلو أخرى، ويتحمل هو أعباء الحياة اليومية وألم ضياع الحلم المحتمل.
الثاني: الجيش والدولة.
كتبت من قبل حول أمر العلاقة بين الجيش والدولة ما أرى انه من المفيد تذكره "العلاقة بوجه عام بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية علاقة معقدة وبالغة الأهمية خاصة في البلاد النامية التي تحدث فيها التغييرات الداخلية عادة باستخدام القوات المسلحة والتي لا يتحدد فيها أسلوب نقل السلطة بطريقة تمنع الهزات والرجات. إن اختلال التوازن في العلاقة بين القيادتين يتسبب في مخاطر كثيرة تؤثر على الأمن القومي للبلاد مما يحتم معالجة الموضوع معالجة حاسمة وحكيمة وواضحة.
تشير دراسات متعددة إلى أن العلاقة بين الجيش والسلطة السياسية ترتبط بمدي التوازن في القوة والسلطة بينهما.
وأن هناك مهمة داخلية يراها الخبراء في العالم هي دفاع عن النظام السياسي (الدستور) القائم ويبقي السؤال: ما إذا كانت ستتدخل؟ ومتى وكيف؟ مكملا لمنظومة العلاقة بينهما".
الفارق بين جوهر العلاقة علميا وبين ما يجري في مصر يعود إلى ما يلي:
1. إن الجيش لم ينقلب علي النظام السابق، ولكنه استلم سلطة الإدارة بعد ثورة الشعب.
2. إن المجلس العسكري الذي تسلم السلطة، أدارها بأسلوب يتنافى والمنطق ومجريات الأمور خلال المراحل الانتقالية، وصار أداء المجلس العسكري مشوبا بالانحياز إلى جماعة الإخوان وتمكينهم، وفتح الباب على مصراعية للتنظيمات الدينية للظهور متجاوزا واقع المجتمع السياسي، بل وفتح باب الدخول إلى مصر لجماعات كانت تمارس القتال خارج مصر.
3. إن هناك وقائع جرت مازالت دون التحقيق استشهد فيها شباب وتعرضوا للاعتقال والمحاكمات العسكرية، ولم يجر أي تحقيق في هذا الشأن، واستطاب الطرفان الانقسام بين من يهتفون بسقوط حكم العسكر، والمجلس العسكري الجديد يعتب إنهم تحملوا في هذا إذا كبيرا، وصار تبويس اللحي بعد رحيل المجلس القديم وقدوم الجديد، بديلا عن المواجهة الموضوعية.
4. عندما حاول المجلس العسكري السابق مراجعة أمر تشكيل اللجنة التأسيسية عبر إعلان دستوري مكمل، تجاهل المجلس العسكري الجديد ما ترتب على أداءات سابقه من اختطاف الدستور وصياغته ومضمونه. وتصور المجلس العسكري الجديد انه يبدأ من أول السطر، بينما ذاكرة الشعب لم تنسي مسئوليته عما جري، وللمرة الثانية يجري الحديث العاطفي ولا يجري التقييم الموضوعي ولكن هذه المرة يكون الواقع قد تغير إلى بيئة حاضنة للإرهاب، ويتبدى أن هناك تدخلا أمريكيا يوجه أو يستحسن، وصار الخطر يحيط بالأمن القومي ووجود الدولة.
5. صمت عناصر كانت تحسب على الثورة عن الهتاف ضد المجلس العسكري، كشف واقع أن الخصومة الحقيقية بين الجيش والسلطة وموالوها. لم يسلموا من التوصيفات او الحصار بالقرارات أو حتى الاتهام بالتآمر، لم يعترفوا بحقيقة أنهم جاءوا بكل هذا وهم مسؤولون عنه، بل ادعوا وللمرة الثانية أن الصندوق هو الحل.
6. اختلت العلاقة بين الجيش والشعب من جديد، وكأن الشعب مطالب أن يكون أكثر رجاحة في العقل من السلطة والمؤسسة العسكرية، وهو الذي يدفع ثمن الغلاء والانفلات الأمني، وتحرق التصريحات بالتهديد والوعيد من التنظيمات الدينية كل أمل لديه في استعادة المسار الصحيح للثورة التي أراد منها هدف "العيش والحرية والعدالة الاجتماعية".
7. ووجد الشعب نفسه بين شقي رحى الجماعات والمجلس العسكري الجديد، وكثرت التأويلات، خاصة أن المناورة بالشعب أو علي الشعب هي مغامرة وليست تكتيكا يؤدي لتوازن القوي، أو إعادة الأمل للشعب.
8. إن حديثا لا يحمل أي منطق يقول بان الجيش المصري فقد خلال الفترة الانتقالية قدرته القتالية وحالة الانضباط داخلة، خاصة وان بناء جيش فوي وتنوع مصادر السلاح كان حديث الثورة، ولم يتعرض الجيش لغير عدوان رفح، ولم يحقق الجيش سيطرة علي ارض سيناء، بل إنه يقوم بهدم الأنفاق بينما التوصيف انه في هدم الأنفاق يدخل صراعا مع سلطة الاخوان، وان القرار السياسي يغل يده عن التعامل مع الجماعات الإرهابية، فهل يتحمل الأمن القومي هذا الانقسام.
المعارضة والجيش هما مبحث اللحظة بالكلام، والضحية وطن وامن وحلم المستقبل.
يقول البعض بأن الجيش إذا وضع في اختيار حقيقي بين وطن ولا وطن لكان واضحا أمامه الانحياز، ولكن الدعاة إلى موقف يتخذه الجيش من السلطة القائمة تحكمهم الأهواء، وهذه المقولة بقدر محاولتها لرأب الصدع بين الشعب والجيش بقيادته الحالية، فهي تنطوي على اتهام ضمني أن فقدان الأمن القومي واستباحة مصر وأرضها من جماعات الإرهاب لم يصل إلي إدراك ووعي القيادة العسكرية.
الأمر ليس اتهاما هنا أو هناك، ولكن الأمر أن العقل والفكر يجب أن يسبق تحول الخطر إلى واقع، فهل تترك قيادة الجيش الكلام لغيرها وتحول دون إهدار أمن مصر القومي الذي يبدأ من لقمة العيش إلى حق الحياة وفق دستور توافقي؟ هل تنحي قيادة الجيش جانبا الحديث عن حماية صناديق الانتخاب؟ هل تكتشف قيادة الجيش لنفسها سبيلا صحيحا لأعمال إرادة الشعب؟ قال وزير الداخلية إن محمد مرسي غير مسجل بسجن وادي النطرون الذي هرب منه، ويقول قائد الجيش بعد عام كامل إنه لا يعرف من قتل الجنود في رفح، فكيف سيحمون صناديق الانتخاب؟.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
6624
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4227
| 05 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2367
| 01 أغسطس 2026