رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سلوى حامد الملا



 

‏alsalwa2007@gmail.com

@salwaalmulla

مساحة إعلانية

مقالات

273

د. سلوى حامد الملا

الكاتب القطري.. من يدعمه؟

14 مايو 2026 , 12:47ص

* اليوم تفتتح دولة قطر معرض الدوحة الدولي للكتاب، ذلك الحدث الثقافي الذي يمثل مساحة للمعرفة والفكر والحوار، وفرصة حقيقية للاحتفاء بالمؤلف والكتاب والقارئ معًا.

* غير أن الحديث عن معارض الكتب لا ينبغي أن يقتصر على مشهد الافتتاح والأجنحة والفعاليات، بل يجب أن يمتد إلى مناقشة واقع النشر والتسويق والتقدير الحقيقي للمحتوى العلمي والفكري، خاصة للمؤلف القطري.

* للأسف، يواجه عدد من الكتّاب والمؤلفين القطريين تحديات حقيقية عند اتخاذ قرار طباعة كتبهم على نفقتهم الخاصة عبر دور نشر معروفة، إذ يفاجأ الكاتب بعد دفع مبالغ كبيرة بضعف التسويق، وغياب الاهتمام الجاد بإيصال الكتاب إلى القارئ، وكأن دور النشر اكتفت بعملية الطباعة فقط، دون أن تؤدي رسالتها الثقافية والمعرفية الكاملة. وتتضاعف المرارة عندما يكون الكتاب علميًا أو بحثيًا أو قائمًا على جهد أكاديمي وتوثيق ومراجع ودراسات، في وقت تحظى فيه بعض الكتب التجارية الخفيفة أو تلك التي تعتمد على صفحات قليلة وكلمات محدودة بحضور وتسويق أكبر فقط لأنها تحقق رواجًا أسرع.

* بينما الكاتب الجاد يحرص على أن تكون كتبه مراجع علمية ومعرفية تخدم الباحثين والطلاب والمكتبات، لا مجرد كتب تُقرأ في استراحة عابرة أو تعتمد على سطرين في كل صفحة ليبدو حجم الكتاب أكبر.

* فالكاتب الحقيقي لا يكتب بحثًا عن صورة أو ظهور عابر، بل يكتب لأنه يحمل فكرة، ورسالة، وتجربة علمية أو إنسانية يريد أن يتركها للأجيال القادمة.

* وحين يقضي الباحث سنوات من عمره بين الدراسات والمراجع والتحليل والتوثيق، ثم يتحمل تكاليف الطباعة والنشر بنفسه، فمن حقه أن يجد تقديرًا حقيقيًا لجهده، لا أن يتحول الكتاب إلى مجرد نسخ مركونة في المستودعات أو الأرفف دون تسويق أو عرض أو وصول فعلي للقارئ.

* كما أن من المؤلم أن بعض دور النشر باتت تتعامل مع المؤلف باعتباره ممولًا فقط، لا شريكًا ثقافيًا ومعرفيًا، في حين أن الدور الحقيقي لأي دار نشر محترمة يجب أن يشمل التقييم المهني للمحتوى، والتحرير الجيد، والتوزيع، والتسويق، والمشاركة الفاعلة في إبراز الكتاب داخل المعارض وخارجها، خاصة مع تطور أدوات التسويق الرقمي والمنصات الإلكترونية.

* ولا يمكن الحديث عن نهضة ثقافية حقيقية دون دعم جاد للكتاب العلمي والبحثي، لأنه يمثل ذاكرة الوطن المعرفية، ويوثق تجاربه وقضاياه ورؤاه.

* فالأمم لا تبنى فقط بالمشاريع العمرانية، بل أيضًا بما تنتجه من فكر وعلم ومعرفة. ومن هنا، فإن معرض الكتاب يمثل فرصة مهمة لإعادة طرح الأسئلة الجوهرية: كيف ندعم الكاتب القطري؟ وكيف نمنح الكتاب العلمي حضوره المستحق؟ وكيف تتحول دور النشر من مجرد مطابع إلى مؤسسات ثقافية فاعلة؟ وكيف نصنع قارئًا يقدّر قيمة المحتوى العميق لا مجرد الشكل أو الشهرة؟

* كما أن دعم الكتاب لا ينبغي أن يكون موسميًا مرتبطًا بأيام المعرض فقط، بل من خلال سياسات ثقافية مستدامة، تشمل دعم شراء الكتب القطرية للمكتبات، وتشجيع الجامعات والمؤسسات التعليمية على تبني المؤلفات الوطنية كمراجع أكاديمية، وإيجاد منصات حقيقية للتعريف بالإصدارات العلمية الجديدة، إضافة إلى توفير برامج احترافية للتسويق والتوزيع داخل قطر وخارجها.

* فالعديد من الكتب القطرية الجادة تحمل قيمة علمية كبيرة، لكنها لا تصل إلى القارئ العربي كما يجب، بسبب ضعف التوزيع أو محدودية الترويج، رغم أن بعضها يناقش قضايا تمس التنمية والاستدامة والاقتصاد والهوية والثقافة والسياسات العامة، وهي موضوعات تحتاجها المكتبة العربية بشدة.

* كما أن الكاتب القطري اليوم لا يبحث فقط عن بيع كتاب، بل يبحث عن بيئة ثقافية تقدّر المعرفة، وتحترم الجهد الفكري، وتمنح المؤلف شعورًا بأن سنوات البحث والكتابة والتوثيق لم تذهب هباءً.

* فالكتاب العلمي تحديدًا يحتاج إلى صبر وجهد وتكاليف، وقد لا يكون الأكثر مبيعًا، لكنه بلا شك من أكثر الكتب أثرًا على المدى البعيد.

* وفي المقابل، لا بد أيضًا من تعزيز ثقافة القراءة الواعية، وتشجيع القارئ على الاقتراب من الكتب العميقة والرصينة، وعدم اختزال قيمة الكتاب في حجمه أو شهرته أو سهولة محتواه.

* آخر جرة قلم: المعرفة الحقيقية تحتاج إلى تأمل وقراءة وتفاعل، وهي التي تصنع العقول وتبني المجتمعات. ومع افتتاح معرض الدوحة الدولي للكتاب، تبقى الآمال كبيرة بأن يكون المعرض منصة لدعم الفكر الحقيقي، وفرصة لإعادة الاعتبار للكتاب العلمي والثقافي، وللمؤلف الجاد الذي يكتب من أجل المعرفة لا الضجيج، ومن أجل الأثر لا الاستعراض. إن الاستثمار الحقيقي في الثقافة يبدأ من احترام الكاتب، وتقدير المعرفة، والإيمان بأن الكتاب الجاد ليس مشروعًا تجاريًا سريع الربح، بل مشروع وعي وبناء وطن وإنسان.

مساحة إعلانية