رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد احتلال أفغانستان والعراق بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، برزت للسطح من خلال إدارة اليمين المحافظ الحاكم آنذاك في الولايات المتحدة نظرية "الحرب الاستبقائية" لنقل الحرب إلى العدو في مواقعه بدلاً من المجيء إلينا، ودخلت الولايات المتحدة مع أفغانستان لإنهاء حكم طالبان الحليف لتنظيم القاعدة، ثم شنت الولايات المتحدة مع حليفتها المملكة المتحدة الحرب على العراق بدعوى امتلاك النظام العراقي لأسلحة الدمار الشامل، وظهر أن هذا الادعاء لا أساس له من الصحة، لكن الحرب لها أهداف أخرى.
وعندما تحولت الحرب في العراق إلى ما يشبه الفوضى وغابت مقولات النموذج العراقي في الديمقراطية، طرح بعض المنظرين في اليمين المحافظ نظرية "الفوضى البناءة"، ومع أنه لا يوجد في مفاهيم النظم والمصطلحات الدولية ما يسمى بـ"الفوضى البناءة" إلا أن المفهوم نفسه يتناقض بعضه مع البعض، فلا يوجد في التجربة الإنسانية ما يجمع الفوضى مع البناء الإيجابي للحياة الإنسانية بشكل من الأشكال، فعبارة الفوضى البناءة مفهوم ملتبس يبرز كيفية الهروب من الأزمات القائمة بالحديث عن مصطلحات لا تمتّ للواقع بأي صلة.
صحيح أنه بين عام 1945م وعام 1949م ظهر ما يسمى بنظرية الحرب الوقائية أو الحرب المانعة أو حرب الإحباط عند البعض، حيث ساد في تلك الفترة ـ بحسب قول د/ إسماعيل مقلد ـ الاعتقاد في "دوائر الخبراء العسكريين والسياسيين المسؤولين عن التخطيط لمثل هذه الإستراتيجية، بأن الاتحاد السوفيتي كان في طريقه إلى امتلاك قوة نووية، وحينئذ كان من المتعيّن على الغرب أن يواجه خطرين في آن واحد: خطر الهجوم السياسي الشيوعي على مناطق نفوذه ومراكز قوته، وخطر الهجوم النووي الذي كان من المحتمل أن يبادئ به السوفيت خلال فترة التصلب الستاليني وسيطرة مفهوم حتمية الحرب بين العسكريين.
ومن هنا تبلور مفهوم الحرب الوقائية على أنه كان يعني السعي نحو تدمير قوة الخصم والإجهاز عليها قبل أن تنمو في كامل أبعادها.
وقد علل دعاة نظرية الحرب الوقائية منطقهم بالحجج الآتية:
أ ـ أنه من خلال الحرب الوقائية وحدها كان يمكن تجريد الاتحاد السوفيتي من أسلحته السياسية الهجومية والحيلولة بينه وبين اقتراف العدوان على النمط النازي المعروف.
ب ـ إن اعتناق مفهوم الحرب الوقائية كان يعمل على منع كارثة وقوع حرب عالمية نووية بكل أخطارها التدميرية الفظيعة.
جـ ـ وبالإضافة إلى ذلك فإنها كانت تحقق التفوق التكنولوجي للغرب، وبشكل لا شبهة فيه، فوق التفوق البشري السوفيتي.
غير أن تطبيق نظرية الحرب الوقائية تعثر لأكثر من سبب، ومن ذلك:
أ ـ أن هذه النظرية كان من الصعب تبريرها أخلاقياً في ظل مبادأة دولة نووية بشن الهجوم ضد دولة غير نووية، لأن ذلك كان لابد أن يعزل أمريكا عن العالم كله.
ب ـ أن انتهاء الاحتكار الذري الأمريكي في سنة 1949م، مقترناً باتجاه الاتحاد السوفيتي إلى توزيع قوته النووية وتنويع وسائله في الردع، جعل من الصعب تماماً تطبيق هذه الإستراتيجية والوصول من خلالها إلى نتائج تطابق الأهداف الموضوعة لها.
إذا كانت نظرية الحرب الوقائية تقوم على فكرة تدمير قوة العدو بواسطة الضربة الأولى النووية دون اشتراط أن يكون هذا الهجوم مسبوقاً باستفزاز من جانب الخصم، فإن نظرية حرب الإحباط تحاول أن تجد لها أساساً أخلاقياً تبني عليه تبريرها لفكرة الحرب الهجومية، وهو أن الحرب الهجومية تصبح جائزة ومبررة في الحالات التي يثبت فيها أن الخصم على وشك أن يشن هجوماً نووياً ضد الولايات المتحدة وحلفائها.
ففي هذه الحالة تعبأ كل مقدرات القوة النووية الأمريكية لكي تستخدم على وجه السرعة في إحباط هذا الهجوم الوشيك.
ومن هنا يتضح أن الفارق الرئيسي بين النظريتين يتركز حول عنصر الوقت. ففي حرب الإحباط يكون عامل الوقت قصيراً جداً في التحضير لخوض هذه الحرب، حيث إن التحضير يبدأ بعد أن يكون قد تأكد أن الخصم في طريقه إلى الانتهاء من تجهيز قوته استعداداً للحرب.
أما الحرب الوقائية فإنها لا تتم بمثل هذه السرعة الخاطفة، وإما يكون شنها تحت الظروف وفي الوقت الذي يعتقد أنه يوفر أفضل الفرص للمبادأة بهذه الحرب.
كما أن اللعبة الدولية، كما يعتقد العديد من الباحثين، ترى أن الخطر قد يكون محدقاً في نمو قوة دولة أخرى على حسابها مستقبلاً ـ وهذا لا ينطبق على أفغانستان أو العراق ـ يدفعها إلى الدخول في نزاع لاحتواء قوة تلك الدولة أو موازنتها.
وقد رأى البعض من القانونيين في النظام الدولي أن على الدول دائماً محاولة استشراف نوايا الدول الأخرى تجاهها. ويعتبر أن البقاء في وضع سلمي، كما يقول/ ناصيف يوسف، يفترض أن تذهب الدولة إلى حرب ضد دولة قد تهدد أمنها يمكن أن يشكل خطراً لاحقاً على الدولة. وهو ينصح بعدم انتظار هجوم من دولة أخرى، إنما باستباق ذلك ويعطي مثالاً كيف أن قوة أثينا دفعت بالمدن ـ الدول الأخرى إلى التحالف والدخول في حرب ضدها.
ولقد اعتبر روسو أنه حتى لو كانت هناك دولة تريد السلام مثلاً، فهي لا تستطيع تحقيق ذلك إلا إذا كانت الدول الأخرى تريد الشيء ذاته، مما يعني أن تلك الدولة قد تضطر إلى اللجوء إلى حرب استباقية قبل أن يتحول الوضع القائم لمصلحة الأطراف الأخرى.
وتشكل هذه النظرة أحد أسس ميزان القوى، وهي كما سبق وأشير، ظاهرة في كتابات ثوثيدابدس، وكذلك في كتابات مكيا فللي وهوبز.
ويرد كثير من أصحاب مدرسة الواقعية السياسية مجمل مصادر النزاع إلى المستوى النظمي. ويعتبر جورج ليسكا مثلاً أن طبيعة النظام الدولي والضغوطات التي تنتج عنه، على كل دولة للحفاظ على قوتها أو زيادة قوتها، يساهم في دفع بعض الدول لانتهاج سياسات توسعية أحياناً.
ويركز مفكرو الواقعية السياسية في تفسير السلوكيات النزاعية على مفاهيم إستراتيجية، كالاختلال في ميزان القوى أو وجود "فراغ قوة"، الذي يحدث نتيجة انسحاب قوة كبرى من القيام بدور أساسي، سياسيا وأمنيا، كانت تقوم به في منطقة معينة أو دولة معينة.
وبعد انتهاء الحرب الباردة في نهاية القرن الماضي اتجهت الولايات المتحدة انتهاج سياسة الانفراد بخيار القوة على أساس أنها القوة العظمى بعد اختفاء الاتحاد السوفيتي وانهيار المعسكر الاشتراكي، ووفقا لهذا التوجه فإن الولايات المتحدة ـ بحسب السيد ياسين ـ لا ترى ضرورة أن ترتبط بعلاقاتها التقليدية مع شركائها، ولا أن تلتزم بالقواعد والمؤسسات العالمية (ومن أبرزها الأمم المتحدة بطبيعة الأحوال) وأن عليها أن تتقدم إلى الأمام لتلعب دوراً منفرداً واستباقياً وذلك في مجال مهاجمة التهديدات الإرهابية، ومواجهة الدول المارقة التي تبحث عن تسليح نفسها بأسلحة الدمار الشامل.
وهكذا يمكن القول إن روح الإستراتيجية الأمريكية الجديدة تتركز في أن الولايات المتحدة ستستخدم قوتها العسكرية الفائقة والتي ليس لها مثيل، ووفقاً للإستراتيجية الجديدة ـ كما يقول ياسين ـ فإن الولايات المتحدة الأمريكية قد تجاوزت سياسات الاحتواء والردع التي شكلت جوهر الإستراتيجية الواقعية السابقة التي سادت طوال عصر الحرب الباردة، كما أنها في الوقت نفسه لم تعد تعتمد على الإستراتيجية الليبرالية، التي تشجع الانفتاح الديمقراطي وحرية التجارة، ولكنها ستعتمد في المقام الأول على قوتها العسكرية الفائقة لفرض إرادتها على المجتمع الدولي وفقاً لما تراه محققاً لمصالحها الإستراتيجية، وفي ضوء معايير السلوك الدولي التي ستضعها هي بمفردها وتفرضها على الجميع.
نظرية الفوضى البناءة التي قال بها البعض مفهوم خطير على النظام الدولي إذا لم تراع القوانين الدولية وأخلاقياتها المتبعة، فإن الفوضى العارمة غير المنضبطة هي التي ستسود وهذا ما حدث في العراق الآن وبصورة مأساوية، وربما تكون في أماكن أخرى إذا بقيت هذه المفاهيم هي السائدة بعيدا عن المعايير القانونية والعدالة والأخلاق.
لماذا اختارت عُمان هذا المسار؟.
تابعت باهتمام التعليقات والتحليلات والتكهنات، عن الخطوة العمانية، بالانضمام إلى التحالف الإسلامي، الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وكان... اقرأ المزيد
766
| 08 يناير 2017
التكامل العربي أين هو ؟
حضرت قبل أسبوعين المؤتمر السنوي لمؤسسة الفكر العربي التي انعقدت في أبو ظبي، بدولة الإمارات العربية المتحدة ،وكان... اقرأ المزيد
4926
| 01 يناير 2017
هل نخاف على لغتنا العربية؟
قبل أيام مضت عقدت بصلاله بسلطنة عُمان ندوة بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية حملت عنوان (اللغة العربية والتحديات)،... اقرأ المزيد
573
| 25 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8745
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3561
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3120
| 30 أكتوبر 2026