رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كما أن الصيام يعني تكامل العبادة فهو يعني أيضا تكامل الآداب الحميدة التى يتحلى بها المسلم في تعامله مع نفسه وتعامله مع الآخرين، في إخلاصه العبادة لربه.. وفي اكتسابه حسن الخلق من تعاليم دينه الحنيف، وقد تمثلت الأجيال السابقة بهذه المعاني السامية أجمل تمثل.
ولأن الحياة كانت بسيطة ولم تعرف تعقيدات الحياة العصرية، فقد كان من السهل تفشي السمو بالنفس الى آفاق الفضيلة، لترتع في مرابع الخير والهدى، متفيئة بظلال الشريعة الغراء، وبهديها الأبلج.
لقد كانت العـلاقات الاجتماعية قوية ومتينة بين الناس، فإذا جاء الشهر الكريم زادها قـوة ومتانة. أليس المسلمون كالجسد الواحـد كما قال صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد.. إذا اشتكى منه عضـو تداعى له سـائر الجسد بالسهر والحمى)، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
ويبلغ هذا التواد وهذا التراحم الى حد شعور الصائم بأنه مسؤول عن جيرانه كمسؤوليته عن أهل بيته، ولم يكن غياب رب الأسرة لأي سبب، بالأمر الخطير، لأنه يعرف أن أسرته ستكون محـل عناية الجيران حتى عودته، أما الأسر التى لا عائل لها فإن جيرانها يتولون رعايتها وقضاء احتياجاتها الرمضانية دونما حرج.
وقد بلغت تلك العلاقات الاجتماعية من القوة والمتانة إلى حد معرفة الجميع بما يستجد على حياة الفرد، وما يطرأ على أحواله من تغيرات، وما من مريض يمرض أو مسافر يسافر أو عائد يعود، إلا ويعلم به جميع سكان الحي أو القرية للتو واللحظة، وكأن الجميع يعيشون في أسرة واحدة صهرهم الإيمان في بوتقته، وغذاهم من رحيق أُلفته ومحبته. تنفيذاً للقول/النصيحة (كونوا عباد الله إخوانا) فكان الواحـد منهم نعم الأخ لأخيه.. حتى من يزغ الشيطان قلوبهم، وينحرفون عن جادة السلوك السوي، فسيجدون من كبار القوم من يردعهم عن هذا الخطأ ويعيدهم الى حظيرة الـولاء للمثل والقيم الإسـلامية النبيلة، مصـداقا لقوله تعـالى: "فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخوانا".
وإذا عرف أحد بأنه فظ غليظ القلب على من يحتك بهم أو يتعامل معهم، فإنه يتحول في رمضان بتأثير الأجواء الروحانية التى يعيشها الجميع.. إلى شخص أقل فظاظة وغلظة، وهو وإن لم يتخل عن طباعه التى جبل عليها، إلاّ أنه مضطر لمجاراة الآخرين في حسن سلوكهم، فهو لن يسمع ممن قد يقع في قبضة فظاظته وغلظة قلبه.. إلا عبارة (إني صائم) وبذلك يرتدع عن تماديه في الخطأ، ويحاسب نفسه على ما يسيء للآخرين من تصرفاته.
ولم تكن موائد الفطور سوى مظهر من مظاهر قوة ومتانة العلاقات الاجتماعية، وهــذه الموائد لم تكن مما يقدمه الأغنياء للفقراء كما قد يتبادر الى الأذهان، ولكنها موائد مشتركة بين سكان الحي الواحد، عندما يجلب كل فرد شيئاً من طعام الإفطار المعد لعائلته، فيجتمع الرجال في مثل هذه الموائد المشتركة لتناول الفطور تجمعهم روح التصافي والمحبة، وتوطد علاقتهـم معاني الخير والإيمان، وكانت هذه الموائد الجماعية تقام في الساحات العامة القريبة من المساجد، حتى إذا ما تناول الجميع فطورهم توجهوا إلى المسجد لأداء فريضة صلاة المغرب، ولم يكن من عادة الصغار أن يجلسوا مع الكبار على المائدة نفسها، كما لم يكن من عادة أولئك الصغار.. الكلام عندما يتكلم الكبار، فهم في حالة إصغاء يصاحبها انتباه تام للتحرك والاستجابة السريعة لأي طلب قد يوجه لهم من قبل أحد الكبار، ومع ذلك لم تكن القسوة أو التجهم أو الشدة من علامات العلاقة بين الآباء والأبناء، أو بين الكبار والصغار بصفة عامة، فلا تخلو مثل هذه اللقاءات من تعليق لطيف، أو مديح يثلج الصدر، يعلنه أحد الكبار ليتوج به هام أحد الصغار إذا أتقن عملاً ما، أو أقدم على صنيع حسن، وبمثل هذا يتباهى الصبي بين أقرانه، ويتباهى به أهله بين معارفهم.
فإن كانت العلاقات الاجتماعية قوية ومتينة في الماضي، فهي في رمضان تصبح أكثر قوة ومتانة، بفضل الله ثم بفضل هذا الشهر الكريم، وما فيه من الخير العميم.
khlilf@hotmail.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4449
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4173
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
2082
| 07 مايو 2026