رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يزعجنا تتابع الزوابع على مصر خلال الأسبوع الأخير، لكن المزعج حقا أنها جميعا لا علاقة لها بالآمال المعلقة على الثورة وإنها بمثابة استدراج لنا لخوض معارك عدة على الجبهة الغلط.
➊
خذ مثلا تداعيات جريمة قتل 16 ضابطا وجنديا مصريا في رفح، التي أصابتنا من حيث لا نحتسب. فسمَّمت العلاقة بين مصر وقطاع غزة. وأفسدت المناخ الإيجابي الذي لاح في الأفق بعد الثورة، الأمر الذي هيأ فرصة تصويب آثار التوتر الذي فرضه النظام السابق. إذ ما إن وقعت الواقعة حتى أشاعت بعض الأبواق في مصر أن غزة لها صلة بالجريمة، رغم أن من الإسرائيليين ــ روني دانئيل معلق الشؤون العسكرية في القناة الإسرائيلية الثانية وألون بن دافيد معلق الشؤون العسكرية في القناة العاشرة مثلا ـ من أكد أنه لا يوجد لدى إسرائيل أي دليل يربط بين غزة وبين ما جرى في رفح.
شغلت الجريمة الرأي العام في مصر، وأسهم الشحن الإعلامي المضاد في تأليب الشعب المصري على الفلسطينيين، وكانت هيئات التقدير الاستراتيجي في إسرائيل والأجهزة الأمنية المعنية قد اعتبرت أن بروز تعاطف المصريين مع الفلسطينيين بعد الثورة من شأنه يقيد حرية إسرائيل في القيام بأي عمليات عسكرية ضد قطاع غزة. وهو هاجس تراجع نسبيا بعد وقوع الجريمة وحملات التعبئة المضادة للفلسطينيين التي ترتبت عليها. ولا يقل أهمية عن ذلك أن وقوع الجريمة أربك السياسة الخارجية المصرية ووضعها في موقف حرج. ذلك أنه وفر ظرفا قلص من قدرة القيادة الجديدة في مصر على إعادة تقييم السياسة الخارجية وإعادة بلورتها على شكل مغاير لما كانت عليه في ظل النظام السابق. وهو ما عبر عنه بشكل فج ودون مواربة وزير الخارجية الإسرائيلي أفيجدور ليبرمان حين قال إن مصر مطالبة بتعلم الدرس مما جرى في رفح لمواجهة أعدائها الحقيقيين. وكان يقصد بإشارته المقاومة الفلسطينية في غزة.
لقد سارعت إسرائيل إلى توظيف الجريمة من خلال ابتزاز الرئيس الأمريكي باراك أوباما. إذ شرع ديوان نتنياهو في الاتصال بالقيادات الجمهورية والديمقراطية في الكونجرس، لمطالبة الرئيس الأمريكي بالضغط على القيادة المصرية ومطالبتها بعدم إحداث أي تغيير على السياسة التي كانت متبعة في ظل النظام السابق. خصوصا فيما تعلق بظروف الحصار والعلاقة مع حركة حماس أو حتى مع إيران. وكانت الرسالة واضحة في أن المطلوب أن تظل السياسة الخارجية لنظام مبارك مستمرة بعد الثورة، بحيث تبقى أسيرة مربع «الاعتدال» المطلوب أمريكيا وإسرائيليا، ولا تتقدم بأي خطوة إلى الأمام.
➋
خذ مثلا الضجة المثارة حول ما سُمى «بأخونة» الإعلام وتقييد حرية التعبير. والمشكلة الأولى أثيرت بمناسبة قرار مجلس الشورى تعيين 50 رئيس تحرير جديدا للصحف القومية، والثانية برزت بعد وقف بث إحدى القنوات الفضائية. وهما القضيتان اللتان احتلتا حيزا واسعا من التغطية والتعليق والضجيج في مختلف وسائل الإعلام، في حين أن الأولى فرقعة أخطأت الهدف، والثانية مجرد زوبعة في فنجان.
بطبيعة الحال فإن المنطق المهني لا يقبل أن يتولى مجلس الشورى تعيين رؤساء تحرير الصحف القومية أو غير القومية، كما أن أي عقل سياسي أو وطني لا يقبل فكرة أخونة الإعلام، ولكن المشكلة الحقيقية لم تكن في القرار الذي اتخذته اللجنة المختصة بمجلس الشورى بخصوص التعيينات، لكنها تكمن في مبدأ اختصاص المجلس بهذه المهمة. وهو اختصاص نص عليه القانون، الذي اعتبر الصحف القومية مملوكة لذلك المجلس. الأمر الذي كان غطاء لسيطرة الحكومة والأجهزة الأمنية على الصحف القومية. لذلك فإنه حين طعن في ممارسة مجلس الشورى لذلك الاختصاص، فإن المحكمة الإدارية العليا وتقرير هيئة المفوضين رفضا الطعن، لأن ممارسته تمت في حدود التفويض القانوني. لذلك فإن الإعلاميين حين وجهوا سهامهم إلى مجلس الشورى فإنهم أخطأوا الهدف، لأن المشكلة في القانون الذي خوله ذلك الاختصاص، وليست في المجلس الذي باشره. وهو ما يسوغ لنا أن نقول إن الضجيج الذي أثير شغل الناس بمعركة نخبوية مغلوطة.
مسألة الأخونة أيضا تبين أنها جزء من الكيد السياسي ولا أصل لها في الواقع. فرؤساء التحرير الذين تم تغييرهم ينتمي أغلبهم إلى النظام السابق، بمعنى أنهم كانوا جزءا منه، وأن اختيارهم تم بتزكية من جهاز أمن الدولة، وقد ظل وجودهم محل قبول ورضا من جانب الذين أثاروا الضجيج وأطلقوا عاصفة النقد. صحيح أنني أستغرب الأسلوب الذي اتبع في محاولة تغييرهم، حين وضعت معايير لاختيار بدائلهم وفتح الباب لترشح من توسم في نفسه جدارة بشغل المنصب، وهو أمر غير مسبوق في المهنة، إلا إن ذلك كان اجتهادا في ممارسة الاختصاص بدا أقل سوءا من أن يتولى جهاز أمن الدولة ترشيح رؤساء التحرير. إلا أن ما يهمني في الشق المتعلق بالأخونة أن المرشحين جميعا ــ 241 صحفيا ــ لم يكن بينهم عضو في جماعة الإخوان. وكانت النتيجة أن الخمسين الذين وقع عليهم الاختيار لم يكن أحد منهم عضوا في الجماعة، بل إن منهم من نعرف أن لهم خصومة معها، ومنهم من كان زبونا في القناة التي تم إغلاقها.
كما أن الثورة على مجلس الشورى كانت نموذجا للمعركة الغلط، فإن إلغاء تصريح القناة بدا نموذجا للإجراء الغلط، الذي لا علاقة له بحرية التعبير التي هي الآن أوسع منها في أي عهد عرفته مصر في تاريخها الحديث. ذلك أنني تمنيت أن تحاسب القناة أو غيرها من منابر الانفلات والتحريض الإعلاميين أمام القضاء وليس من خلال الأساليب البيروقراطية الملتوية (هيئة الاستثمار مثلا).
في هذا الصدد ينبغي أن نعترف بتداخل الخطوط بين حرية التعبير وبين سب رموز الحكم الراهن والحط من هيبة الدولة، الأمر الذي وضعنا بإزاء حالة من الانفلات الإعلامي الفج، الذي سمح مثلا بوصف رئيس الجمهورية بأنه جبان وعميل للأمريكان، كما سمح لمحرر القناة المذكورة بالإعلان عن إهدار دم رئيس الجمهورية، إلى غير ذلك من المواقف والعناوين التي يستحي المرء من ذكرها وحفلت بها صحف الإثارة التي أدارت ظهرها للثورة وتفرغت للكيد السياسي وإشغال الناس بالمعارك الوهمية والمغشوشة.
➌
خذ أيضا مشكلة انقطاع التيار الكهربائي التي عانى منها ملايين المصريين في الأسبوع الماضي حتى أثارت غضبهم ونقمتهم، خصوصا حين تزامن ذلك مع موجة الحر وشهر الصيام. ليس لدينا ما يدل على أن ذلك كان متعمدا، وأغلب الظن أنه تم لأسباب أخرى اجتمعت مع بعضها البعض في الآونة الأخيرة. منها ما تعلق بالتحميل الزائد وارتفاع معدلات الاستهلاك. ومنها ما تعلق بحوادث سرقة الكابلات التي قرأت أنها هددت بإشاعة الإظلام في صعيد مصر كله. وربما منها أيضا ما تعلق بالنقص في المازوت المستورد المطلوب لتشغيل بعض المحطات، أو بالحاجة إلى الصيانة والإحلال والتجديد... الخ. أيا كان السبب فالشاهد أننا فوجئنا أخيرا بمشكلة فُرضت علينا ولم تكن في الحسبان. وقد قيل إن المشكلة كانت قائمة في بعض المحافظات الأخرى التي لم يكن صوتها مسموعا، لكنها حين ضربت القاهرة الكبرى علا صوت الاحتجاج مدويا في الفضاء المصري، حيث تجاوز أثرها نكد البيوت والتسبب في انقطاع المياه عن الطوابق العليا، وشمل تعطيل مترو الأنفاق وإيقاف تعاملات البورصة والبنوك.
ما يلفت النظر في هذا الصدد أن السلطات المعنية التزمت الصمت إزاء ما يجرى، وباستثناء تصريحات مبتسرة صدرت عن بعض المسؤولين ردا على أسئلة الإعلاميين، فإننا لم نجد مسؤولا كبيرا يخرج على الناس ويشرح لهم الحقيقة بصراحة وشفافية، ويعطيهم أملا في حل المشكلة في أجل يحدده. أو على الأقل يحدد لهم ما يستطيع أن يفعله وما يتجاوز قدراته (النقص في موارد العملة الصعبة مثلا الذي يعطل الاستيراد من الخارج).
قل مثل ذلك في حوادث قطع الطرق، التي تفشت في الآونة الأخيرة. بحيث أصبح بمقدور أي جماعة من الغاضبين لأي سبب أن يجتمعوا فيما بينهم ويقرروا قطع الطريق العام لإيصال صوتهم إلى الذين لا يسمعونه. ذلك غير الخارجين على القانون الذين باتوا يستسهلون قطع الطرق للاستيلاء على السيارات الفارهة أو على ما بحوزة العابرين. وهو ما أصبح يقلق كثيرين، خصوصا حيث يلاحظون أن الأمر لا يعالج بالجدية والحزم اللازمين. ومن الجدية أن يشعر الناس بأن لديهم وسائل أخرى لإيصال أصواتهم والاستماع إلى مشاكلهم. ومن الحزم أن تشدد عقوبة قطع الطرق إذا ما لزم الأمر، وأن تشترك القوات المسلحة في تأمينها.
➍
لا أريد أن أقلل من شأن هذه المشكلات، لكنني أرجو ألا نختلف على اعتبارها مشكلات صغرى وفرعية إذا قورنت بالتحديات الكبرى التي انطلقت الثورة لمواجهتها والنهوض بها. سواء تعلقت بالتنمية أو الحرية أو العدالة الاجتماعية. لذلك فأخشى ما أخشاه أن تستهلك المعارك الصغرى طاقتنا وتصرفنا عن خوض المعارك الكبرى. لا يقل عن ذلك سوءا أن يغرق الوطن في الاستقطاب بين القوى السياسية، الأمر الذي يقوض الإجماع الوطني ويشل القدرة على أي تقدم باتجاه تحقيق شيء من أهداف الثورة.
وإذ يتوجب علينا أن نتحلى بشجاعة ممارسة النقد الذاتي لتحديد مسؤولية كل طرف عن الارتباك والخلل الماثلين، فإننا أيضا لا نستطيع أن نعفي النظام السابق من المسؤولية عن تخريب وتدمير مؤسسات المجتمع وقواه الحية عبر ممارساته التي استمرت ثلاثين عاما. وهو ما أصابها بدرجات مختلفة من التشوّه والإعاقة. ولست أشك في أن تلك الإعاقة تعد مصدرا أساسيا للحروب الأهلية الباردة المستعرة في مصر منذ قامت الثورة، الأمر الذي غذى شهوة الاقتتال وكاد يبدد الأمل في التوافق حول تحقيق حلم البناء والتقدم.
لقد بات الإنذار والتحذير واجبين، من أن الاقتتال الراهن لن يكون فيه منتصر ومهزوم، ولكن المحصلة التي قد تفاجئ الجميع أن الكل سيهزم في نهاية المطاف، والوطن أولهم. وفي هذه الحالة لن نكون بحاجة إلى مؤامرة لإجهاض الثورة، لأن حروبنا الأهلية ستوفر للمتآمرين جهدهم وتحقق لهم مرادهم.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1021
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4320
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3126
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1194
| 28 سبتمبر 2026