رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ماذا يجري بمصر؟.. تساؤل به كلمات قليلة ولكن إجابته ربما تتطلب كتبا ضخمة لوضع مجرد مقدمة لما تشهده أرض الكنانة.. فهي كل يوم بحال ولم تخرجها الثورة إلى بر الأمان حتى بعد انتخاب الرئيس محمد مرسي هذا الرجل الأكاديمي الإخواني الذي تدرج في عالم السياسة من عضو نشط بالجماعة حتى دخول المعترك البرلماني ليكون برلمانيا ناجحا بشهادة خصومه - الوطني آنذاك - ليتولى رئاسة مصر في أصعب مراحلها بعد ثورة ٢٥ يناير، وليكون أول رئيس مدني بعد زمرة من العسكريين الذي ظلوا يسيطرون على سدة الحكم في مصر منذ الثورة اليوليوية كما يصنفها اليساريون بلغتهم.
إذاً.. لقد اكتست مصر باللون الأخضر نسبة إلى حقبة حكم الإسلاميين الجديدة بسيطرة الإخوان على مقاليد السلطة – برلمان غائب في طريقه للعودة وحكومة ورئاسة وإعلام ومحاولة للهيمنة على القضاء في الطريق - ولكن ورغم هذه الكسوة الخضراء، فإن الانتقادات للحكم الجديد لم تسلم من فئة من المتأسلمين وهم الذين يطلق عليهم في مصر "السلفيون" وحزبهم السياسي المسمى بحزب النور، وكأن ماعدا ذلك هو الظلام بعينه.
فليس عجيبا أن يكون بمصر تيار إسلامي واسع المجال مثل الدواء المضاد الحيوي واسع المجال الذي ينفع في شفاء الكثير من الأمراض.. ولكن مع الفارق، فالتيار الإسلامي واسع المجال يتكون من جماعات عديدة تختلف في الرؤى والتوجهات ولا يجمعها سوى المسمى الواسع الفضفاض (الإسلامي). ولو نظرنا للحقيقة بنظرة ثاقبة، نستكشف أن لكل جماعة أهدافها التي تختلف مع الأخرى، وفي هذه الحالة لا يربط المسمى الإسلامي بينهما، لأن الإسلام كدين يدعو إلى الاتحاد باعتبار أن الاتحاد قوة، في حين أن التيار الإسلامي مشتت ولا يجمعه سوى المسمى كما أسلفنا وضخامة العدد نسبيا إذا قارناه ببقية التيارات الليبرالية واليسارية والائتلافات الأخرى التي تكونت كنتيجة طبيعية لثورة 25 يناير والتي أطلقت الحريات فقط في تكوين الائتلافات والأحزاب والتيارات السياسية والدينية، ولكنها فشلت في تدشين اتحاد قومي شامل ينظر لمصلحة مصر أولا.
وإذا أخذنا فصيلا مهما من التيار الإسلامي وربما يكون الثاني في القوة والعدد بعد الإخوان المسلمين وذراعهم السياسية حزب الحرية والعدالة، فنجد أن حزب النور قد حاز على ربع مقاعد البرلمان المنحل، وحل ثانيا بعد الحرية والعدالة، مما أعطاه قوة في التحرك ونبرة الحديث عن المشاركة في كل شيء في مصر، حكومة وصياغة دستور ولجان وطنية وغير وطنية، خاصة بعد اكتشاف أن السلفيين قوة لا يستهان بها في المجتمع المصري وأنهم أنفسهم لم يكونوا يتوقعون مثل هذه القوة لولا إجراء انتخابات برلمانية وحساب مدى انتشارهم في المجتمع.
فالسلفيون الذين وقفوا في البداية ضد الإخوان وحزبهم الحرية والعدالة وتكتلوا وراء مرشحهم حازم صلاح أبو إسماعيل، أعلنوا تكتلهم وراء المرشح الإخواني المستقل عبد المنعم أبو الفتوح رافضين دعم المرشح الإخواني الرسمي محمد مرسي، ثم عادوا وأعلنوا تأييده في انتخابات الإعادة على اعتبار أن منافسه من الفلول ولا يجوز دعمه أو الاقتراب منه، وبالتالي فإن دعم منافسه الإسلامي في هذه الحالة هو واجب ديني وليس وطنيا، وبالقطع يفوز العامل الديني ويجب السياسي هنا، فالأمر وجب ولا مجال لمخالفته.
وتمر الأيام والكل يراقب أداء محمد مرسي وعلى رأس هؤلاء السلفيون، ولو نجح في الاختبار لقالوا له نحن معك ونظل نبايعك، وإذا فشل لأخبروه بأنهم كانوا يرفضونه في السابق وإنما انتخبوه كرها في أحمد شفيق وليس حبا فيه.. وبالتالي، الخطأ هنا يستوجب المساءلة، وهو ما قام به السلفيون بالفعل، وبدأوا يستعدون لانتخابات برلمانية قادمة – إذا لم يعد البرلمان المنحل قريبا كما يشاع – عبر شن هجمات ثقيلة ضد الرئيس لكسب تعاطف الشارع الذي لم ير حتى الآن نتائج إيجابية من انتخاب مرشح الإخوان وتكاد المائة اليوم الأولى تمر بدون حلول للمشكلات الصعبة والتي تتمثل في عودة الأمن المنفلت واستعادة الاقتصاد لقوته وتوفير فرص عمل والسيطرة على الاحتجاجات الفئوية التي تهدر ملايين الدولارات يوميا في ضياع كامل لعملية الإنتاج.
وجاءت الفرصة للسلفيين على طبق من ذهب، وإذا كانوا هم الذين يطالبون بأسلمة المجتمع المصري بكافة أشكاله من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية، إلا أنهم أعلنوا استياءهم من تصرفات الرئيس الإخواني الذي يضعونه الآن في عداد اليساريين . لماذا؟..لأن الرئيس خذلهم ولم يقف بجانب دعواهم بدعم صياغة إسلامية للدستور التائه بين جميع التيارات الدينية والسياسية في مصر. حتى إن حزب النور شهد انشقاقات داخلية كبيرة بسبب مواقفه التي رأى البعض أنها مهادنة للرئيس على حساب الالتزام بالشريعة، وقدم عدد من شباب الحزب استقالاتهم.
أما الفرصة الحقيقية التي استغلها السلفيون للإطاحة بالرئيس الإخواني الذي أعلنوا أنهم انتخبوه ليكمل هدفهم بأسلمة مصر، هي لقاء الرئيس المصري الإخواني المسلم لمجموعة من الفنانين والمثقفين وتشجيعه لهم على استمرارهم في أداء مهامهم.. وهنا وقعت الواقعة، فوصف أحد الدعاة السلفيين الفنانين بأنهم "فاسقون وفجار"، وأنه لا يجوز لرئيس الجمهورية أن يجلس هذه الجلسة.. الغضب زاد والأمر تطور ليظهر المتأسلمون على حقيقتهم من الفن والإبداع والثقافة . فالفن هو قوم لوط والحشاشين، وكيف لهم أن يجلسوا من الرئيس المسلم الذي انتخبناه ليؤسلم مصر .
وخاطب شيخ سلفي آخر الرئيس في لهجة نذير ووعيد بأن الصوت الذي منحناك إياه سنسحبه منك، وقال هذا: "لم أخترك لأن تكون رئيسا للدولة المدنية كما قلت – يقصد كما قال مرسي للفنانين، بل لأنك رجل مسلم وملتح وحافظ للقرآن وشعارك (الإسلام هو الحل)، ومصر دولة إسلامية وليست مدنية. ثم يحرض هذا الشيخ مرسي لبث الوقيعة بينه وبين بقية الناس بقوله: " من التقاهم مرسي هم من صوتوا للآخر، في إشارة إلى المرشح المنافس أحمد شفيق.
وللأسف، فإن مصر لم تشهد حتى الآن مليونية أو مظاهرة واحدة تدعو لعودة الإنتاج والهدوء والطمأنينة، ولكن كل ما بها يدعو إلى التفرقة والعصبية، ناهيك عن محاولات مستميتة من التيار الإسلامي للسيطرة على كل نواحي الحياة في مصر . ولم يتوقف الوعيد والتهديد من السلفيين للرئيس الإخواني، فيسخر آخر قائلا: " لم نبايع مرسي ليكون ناصرا للفن والإبداع، ولكن ناصرا لدين الحق وليقيم دين الله في الأرض.. لو كان مرسي قد قرب الفنانين وأبعدنا فتلك مصيبة لأنهم أساءوا إليه ونحن من ناصرناه". واعتبر آخر أن حراما شرعا أن يلتقي السيد الرئيس مع عاهرات!!
كل هذا لمجرد أن التقى الرئيس المثقفين والفنانين وحاول طمأنتهم بأن حرية الإبداع والرأي مكفولة للجميع مؤكدا احترامه للفن والفنانين.
ولم يسلم الاقتصاد من تدخلات السلفيين، فبمجرد دخول الحكومة في المرحلة الحاسمة لإنجاز قرض صندوق النقد الدولي، هب السلفيون واعتبروا أن القرض حرام وتنازل عن ثوابت الشريعة بسبب سعر الفائدة وهي " الفائدة" في عرفهم.
هذا نزر قليل من كثير مما يجري في مصر اليوم.. فمصر حائرة بين هذا وذاك. ولا يسعنا سوى الدعاء إلى الله لنصرة مصر وأهلها من شرور أهلها.. لك الله يا مصر التي أحببناها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4497
| 06 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
3903
| 07 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم يمنحك القبول الذي تنتظره؟ وكم مرة شعرت أنَّ قيمتك ترتفع أو تنخفض تبعا لنظرة الآخرين؟ في زمن أصبحت فيه المعايير خارجية، ينسى كثيرون أن القيمة الحقيقية لا تستأجر من الآخرين، ولا تُمنح بقرارٍ من أحد، بل تُبنى من الداخل وتبقى رغم كل التقلبات. ولو سألنا عن ماهية القيمة المستأجرة، فسنجدها في أن يربط الإنسان قيمته برضا الآخرين، فيعيش أسير تقييماتهم، يعلو حين يُقبل، وينهار حين يُرفض، وهنا تحديداً يبدأ الصراع القاهر مع الذات، حيث تصبح الحياة سلسلة محاولات لإرضاء الخارج، بدل فهم الداخل. ولتوضيح الأمر ليبدو المشهد أكثر وضوحاً، هو أنَّ كثيرين يتأرجحون على سلّم تقييم الآخرين، دون وعي كافٍ بذواتهم، ما يجعلهم في حالة استنزاف دائم، رغم أنَّ كثيراً من تجارب الحياة لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، فإن استعادة القيمة من الداخل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية، تعيد للإنسان توازنه، وتحرره من عبء تقييم الآخرين. ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التأمل النظري، بل تمتد إلى ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، إذ تشير أبحاث إلى أن ربط تقدير الذات بعوامل خارجية—كالمظهر أو القبول الاجتماعي أو الإنجاز—يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، مقارنةً بمن يستندون إلى ما يُعرف بـ تقدير الذات الداخلي القائم على القيم الشخصية والمعنى، والتي لا تتأثر وفق نظرة الآخرين التي يصدرونها إلينا وفق الموقف أو وفق أمزجتهم. هذا التفريق ليس جديداً، فقد ميّز كارل روجرز أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس بين "الذات الحقيقية" و"الذات المشروطة"، موضحاً أن الإنسان كلما عاش وفق شروط الآخرين طلبا للقبول، ابتعد عن ذاته الأصلية، ودخل في حالة اغتراب نفسي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تُستنزف شيئاً فشيئاً. وفي السياق ذاته يذهب نثانيل براندين الذي تحدث عن الأركان الستة لتقدير الذات، أن الذات لا تبنى من خلال ما نحصل عليه من اعتراف خارجي، بل من خلال شعور داخلي بالكفاءة والاستحقاق، يتشكل عبر ممارسات عملية يومية تهدف إلى تعزيز الثقة والقيمة الذاتية، كالعيش بوعي، تقبل الذات، تحمل المسؤولية الذاتية، توكيد الذات، العيش بهدف، والنزاهة الشخصية، وأنَّ إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجريات حياته هو أحد أهم مصادر التوازن النفسي، هذا الإيمان لا يُمنح من الخارج، بل يتشكل عبر التجربة، والتكرار، وتحمل المسؤولية، بمعنى آخر، القيمة لا تُستورد من الخارج بل الشخص هو مصدرها. وهنا يتضح جوهر المسألة ويكشف أنَّ المشكلة ليست في المحيطين بنا، بل في المكان الذي نضع فيه أنفسنا بالنسبة لهم، حين تصبح نظرة الآخر مرآتنا الوحيدة، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وحين نُعلّق قيمتنا على قبول متقلب، نُدخل أنفسنا في معادلة خاسرة؛ لأن هذا القبول الخارجي أو المعتمد على الآخرين بطبيعته غير ثابت، ولا يمكن التحكم فيه. فالسؤال من نحن بدون القيمة الممنوحة لنا من الخارج!؟، وماذا يبقى منَّا عندما يغيب تصفيق الآخرين؟، فالإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية التحرر من القيمة المستأجرة، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه، لا ينتظر تعريفا من أحد، ولن يعتمد على نظرة الآخرين له. هُنا عليك أن تُذكّر نفسك، باستمرار، أنَّ قيمتك لا تُقاس بحجم الإعجاب الذي تحصده، ولا بعدد الألقاب التي تحملها، بل بمدى صدقك مع ذاتك، وبالدور الذي تؤديه في محيطك مهما بدا هذا الدور صغيراً، فالأثر الحقيقي لا يُقاس بضجيج الفعل، بل بما يتركه من معنى. ختاماً.. قد لا تستطيع التحكم في كيف يراك الآخرون، لكنك تملك بيدك أن تختار كيف ترى نفسك، وهذه في حقيقة الأمر الأكثر صعوبة، لكنها الحقيقة التي تستقر في عمق الوعي متوسدة عقولنا وتمتد إلى جنبات حياتنا.
1932
| 05 مايو 2026