رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع قرب بدء موسم الحج، لا بأس عمل قراءة حول أحدث الإحصاءات التي توافرت بخصوص الانعكاسات الاقتصادية لموسم الحج على الاقتصاد السعودي بشكل عام. ففي إطار الاستعداد لموسم الحج لعام 2014، أصدرت السلطات السعودية إحصاءات تتعلق بموسم 2013.
الجدير ذكره، تمكن رقم قياسي من الحجاج أداء مناسك الحج في موسم 2012، حيث بلغ العدد الكلي 3.16 مليون فرد. في المقابل، هبط العدد إلى أقل من مليونين وتحديدا 1.98 مليون في 2013 وذلك على خلفية أعمال توسيع المسجد الحرام والمناطق المجاورة لها.
وعليه، لم يكن مستغربا فرض قيود على عدد الحجاج المسموح لهم لأداء الحج لأسباب تتعلق بالسلامة والسيطرة على الحشود لضمان انسيابية الحركة. وقد تم تطبيق الحكم على حجاج الخارج والداخل على حد سواء لكن بصورة أكثر شدة على حجاج الداخل وهي التسمية الدارجة.
في التفاصيل، بلغ عدد حجاج الخارج 1.38 مليون نسمة في عام 2013 مقارنة مع 1.75 مليون في 2012. أيضا، بلغ حجم الحجاج من مصادر محلية 0.6 مليون في عام 2013 مقابل 1.41 مليون في 2012.
شكل الرعايا من غير السعوديين وخصوصا مواطني مصر وباكستان أكثر من ثلثي الحجاج من داخل المملكة. وهذا يعني بأن العمل في السعودية يعزز الفرص للراغبين لزيارة العتبات المقدسة.
وستبقى القيود على العدد المسموح به لأداء فريضة الحج سارية خلال العام الجاري في ظل استمرار أعمال التوسع للحرم المكي. كما تسبب الخوف من احتمال انتشار فيروس إيبولا بين الحجاج بفرض إجراءات أخرى، فقد قررت السلطات السعودية عدم إصدار تأشيرات الحج للحجاج من ثلاث دول وهي سيراليون وغينيا وليبريا.
لا غرابة، يمكن تفهم حقيقة بأن خطوة فرض قيود للانتقال على الحجاج وخاصة من المصادر الدولية ليست شعبية مع مقاولي الحجاج وأصحاب الأعمال. ووفق دراسة أجرتها غرفة تجارة وصناعة مكة، يتوقع تسجيل نمو قدره 3 بالمائة في إيرادات الحج لموسم 2014 وصولا للرقم 8.53 مليار دولار. مؤكدا، لا يمكن اعتبار هذا قريبا من الرقم الذي تم رصده في 2012 والذي بلغ 11.1 مليار دولار.
أمر لافت ما جاء في دراسة غرفة مكة بأن الحجاج القادمين من الخارج يساهمون بشكل جوهري بالنسبة للإيرادات المرتبطة بالحج، حيث ساهموا بنحو 89 بالمائة حسب آخر دراسة ذات علاقة. طبعا، هذا الأمر محل تقدير الشركات التجارية، وعليه يمكن تفهم انزعاج أصحاب الأعمال من انخفاض أعداد الزوار بشكل عام وخصوصا حجاج الخارج.
وتبين بأن عدد حجاج الخارج تراجع 21 بالمائة مقابل 57 بالمائة بالنسبة لحجاج الداخل في 2013. على أقل تقدير، تم التركيز على تقليص حجاج الداخل وجلهم ليسوا من المواطنين السعوديين.
حقيقة القول، تستفيد أربع مدن بشكل ملحوظ من موسم الحج، وهي مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة والطائف، وكلها تقع في الجزء الغربي من المملكة العربية السعودية. بكل تأكيد، تصل الفوائد لمختلف المدن الأخرى بطرق مختلفة منها قدرة توفير منتجات مطلوبة في مكة والمدينة. كما بات رائجا في الآونة الأخيرة قيام بعض الحجاج من أصحاب الثروات بزيارة أماكن أخرى في المملكة المترامية الأطراف.
يعتبر مطار مطار الملك عبد العزيز في جدة بمثابة البوابة لمكة المكرمة عبر استحواذه على أكثر من 90 بالمائة للحجاج القادمين من الخارج. بكل تأكيد، الاستفادة الكبرى هي لصالح الخطوط الجوية السعودية والتي تعد الناقل الرئيسي للحجاج.
مما لا شك فيه، يعتبر موسم الحج السنوي بمثابة فرصة ذهبية للشركات السعودية لإطلاق المنتجات الاستهلاكية الجديدة حيث لا يتطلب الأمر للكثير من فنون العرض نظرا لتواجد الطلب. المنافسة طبعا هي بين الشركات السعودية للاستحواذ على أكبر قدر ممكن من الفرص التجارية. كما تحصل المؤسسات الدولية على فرص عمل للترويج لبضائعها خلال الموسم.
كما يوفر موسم الحج فرص عمل لعدد غير قليل من المواطنين السعوديين. ويلاحظ بأن بعض السعوديين، بمن فيهم الشباب، ينخرطون في أنشطة تجارية بسيطة مثل بيع المواد الغذائية والمنتجات الدينية.
أيضا، يقوم بعض المواطنين والمقيمين الأجانب على حد سواء استخدام سياراتهم الخاصة لنقل الحجاج، من خلال فرض رسوم عالية نسبيا أيام الموسم دونما دخول الأرقام بالضرورة ضمن إحصاءات عوائد الحج. والحال كذلك فيما يخص قيام بعض سكان مكة المكرمة استئجار هياكلها للشركات ترتيب الحجاج للحفاظ على نفقات معيشتهم طوال العام.
بمعنى آخر، لا يتم رصد كافة الأنشطة المتصلة بالحج وذلك في ظل غياب نظام ضريبي شامل. وفي نفس السياق، يعتقد بأن بعض الشركات تميل لتقديم أرقام أقل من الفعلية لأهداف تشمل الحد من دفع الزكاة وقدرها 2.5 بالمائة وهي نسبة ليست مرتفعة بكل حال من الأحوال مقارنة مع مستويات الضرائب المفروضة في بعض الدول الغربية.
طبعا، ترتفع الإيرادات الكاملة المتعلقة باقتصاد الأماكن المقدسة وذلك بعد إضافة العمرة، حيث تصبح هذه الزيارة مميزة خلال شهر رمضان المبارك. المشهور بأن مكة المكرمة على وجه الخصوص تزدحم بشكل نوعي خلال العشر الأواخر من الشهر الفضيل.
مؤكدا، ترتفع الفوائد الاقتصادية المرتبطة بالحج والعمرة بعد إضافة أرقام تخص مقاولي الحجاج والذين يأتون بالحجاج من كل حدب وصوب. كما تستفيد شركات الطيران وخصوصا تلك الموجودة في المنطقة مثل القطرية والإمارات والاتحاد وغيرها من الناقلات من الموسم لترتيب سفر الحجاج من وإلى مكة.
بالنظرة للأمام، سوف تتضاعف الفوائد التجارية والمالية المرتبطة بموسم الحج وذلك بعد انتهاء أعمال التوسعة للكعبة المشرفة. مؤكدا، بأن الوضع الحالي يضر بمصالح أعداد وجهات مختلفة بمن فيهم المقاولون والمؤسسات التجارية وشركات الطيران، والحال كذلك للباحثين عن فرص عمل وتجارة من المواطنين خلال الموسم.
إذاعة قطر.. هذا الصرح الكبير
منذ أيام وبتاريخ ٢٥/ ٦ /٢٠٢٦ احتفلت إذاعة قطر بمرور ٥٨ عاما على انطلاقها عبر الأثير، فحمدت الله... اقرأ المزيد
114
| 05 يوليو 2026
الكفاءات الطبية.. بين الاستغناء والاستقطاب
حين يرحل صاحب الكفاءة والخبرة الطويلة من موقعه الوظيفي بعد سنوات من العطاء والانتاج والإخلاص، وكسب السمعة الطيبة... اقرأ المزيد
120
| 05 يوليو 2026
بعد أزمة هرمز.. هل حان وقت حصر الشركات المتضررة ومساندتها؟
لم يكن إغلاق مضيق هرمز مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على حماية اقتصاداتها،... اقرأ المزيد
1710
| 04 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
4836
| 28 يونيو 2026
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر: هل أعددتهما طوال اثني عشر عاماً من التعب والسهر والإنفاق والبناء والتربية في مراحل الدراسة ليعرفا ماذا يريدان من الحياة أصلاً؟ كثير من الأسر تعيش لحظة إعلان نتائج الثانوية وكأنها نهاية رحلة طويلة وبعدها تُطفى الشموع بينما الحقيقة أنها بداية أخطر مرحلة في حياة الأبناء بل الإنسان. فاختيار التخصص الجامعي ليس مجرد تعبئة رغبات في موقع إلكتروني، وليس قراراً عابراً تحدده درجات القبول أو أسماء الكليات اللامعة، بل هو رسم للخريطة التي ستقود الإنسان إلى مستقبله العلمي والمهني وربما إلى جزء كبير من سعادته أو معاناته وبناء شخصيته. هنا يجب أن يقف كل أب وأم مع أنفسهم وقفة صادقة جادة ماذا أعددنا لأبنائنا طوال سنوات الدراسة؟ هل اكتفينا بمتابعة الدرجات والاختبارات؟ أم أننا ساعدناهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية وميولهم ومواطن قوتهم وضعفهم؟ هل جلسنا معهم لنتحدث عن المهن والتخصصات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم؟ أم تركناهم يختارون تحت تأثير الأصدقاء أو الموضة الاجتماعية أو صورة ذهنية قديمة لم تعد تناسب زمننا؟ إن طالب الثانوية اليوم لا يقف أمام مفترق طريق عادي، بل أمام خريطة حياة كاملة. ولذلك عليه أن يرى بمن يقتدي؟ وماذا أحب؟ وما المهارات التي أتميز بها؟ وما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر سنوات؟ وما الفرق بين الرغبة المؤقتة والقدرة الحقيقية؟ وهي أسئلة لا يجوز أن يواجهها وحده. كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد دخول الابن أو الابنة إلى الجامعة. فبعض الأسر تتعامل مع القبول الجامعي وكأنه شهادة انتهاء لدورها التربوي، بينما الواقع يقول إن سنوات الجامعة من أكثر المراحل حاجة إلى المتابعة والتوجيه والاحتضان. فالطالب يعيش وسط عالم متلاطم الأمواج وتيارات فكرية متسارعة، وضغوط اجتماعية، ومؤثرات رقمية، ومحتوى يسطّح الوعي ويشوّش الأولويات. فهل نترك أبناءنا ضحايا لموجات المراهقة المتأخرة وتقلبات المرحلة؟ أم نستمر في مرافقتهم بالحوار والنصح والمتابعة؟ هل وضع قدمه في المكان المناسب؟ أم يحتاج إلى إعادة تقييم أو دعم أو تعديل مسار قبل أن يضيع عليه العمر في طريق لا يشبهه؟ ولعل من أكبر التحديات التي نعيشها اليوم أن كثيراً من المؤسسات تعاني من فجوة بين التخصص والعمل. فكم من موظف يحمل شهادة في مجال ويعمل في مجال آخر لا يمت لتخصصه بصلة!! وكم من سنوات أُنفقت في دراسة لم تتحول إلى خبرة أو قيمة مضافة!! لذلك أصبح العالم أكثر حاجة إلى التخصص وكذلك إلى التخصص الدقيق، ثم إلى التحديث المستمر للمعرفة والمهارات. لقد تغير العالم بصورة لم تكن متوقعة. أحداث كبرى وأزمات دولية وصراعات وتحولات اقتصادية وتقنية أعادت رسم خرائط النفوذ والوظائف والفرص. أصوات كانت هامشية أصبحت مؤثرة، وقطاعات كانت مزدهرة تراجعت، ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت اليوم من أكثر المهن طلباً. وهنا يأتي دور ولي الأمر الحقيقي. ليس دور الموجّه الرسمي ولا المرشد المهني، بل دور الأب والأم والأخ والأخت. كن مثل مذيع الأرصاد الجوية الذي يقف أمام الخريطة يضيء مناطق الفرص، ويحذر من مناطق الخطر، ويشرح اتجاه الرياح القادمة. لا تمشِ الطريق بدلاً من ابنك، لكن ساعده على رؤية الطريق بوضوح. فالأبناء لا يحتاجون دائماً إلى من يختار عنهم، بقدر حاجتهم إلى من يُخيرهم بوعي وبما قد لا يرونه، ويمنحهم البوصلة قبل أن يبحروا في بحر الحياة الذي يزداد عمقاً وبُعد كل يوم
4527
| 29 يونيو 2026
يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم نادراً ما يتحدثون عن جانب لا يقل أهمية عن كل ذلك، وهو: متى وكيف يرحل القائد؟، ففي عالم الإدارة، كما في الحياة، ليست كل الفضائل مرتبطة بالبدايات فكما أن هناك حكمة في قبول المسؤولية، هناك حكمة لا تقل أهمية في مغادرتها. والحقيقة أن كثيراً من القادة يتعلمون كيف يصعدون السلم الوظيفي، لكن قلة منهم يتعلمون كيف ينزلون عنه في الوقت المناسب، ولهذا نشهد أحياناً مسؤولين أبدعوا في بناء الإنجازات، ثم أضاعوا جزءاً من إرثهم لأنهم تأخروا في اتخاذ قرار الرحيل. إن فلسفة الرحيل لا تقوم على الهروب من التحديات، ولا على الاستسلام للضغوط، ولا على البحث عن الراحة، بل تقوم على فهم عميق لطبيعة المنصب نفسه، فالمنصب في جوهره ليس ملكية شخصية، وإنما أمانة مؤقتة، وهو وسيلة لتحقيق غاية، وليس غاية في ذاته، وعندما تتحول المحافظة على المنصب إلى هدف مستقل، يبدأ الخلل في التفكير مهما كانت المبررات. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن يربط القائد بين استمراره الشخصي واستمرار نجاح المؤسسة، وكأن المؤسسة لا تستطيع أن تستمر إلا بوجوده، وهذه القناعة، مهما حسنت النوايا، تتعارض مع جوهر العمل المؤسسي الذي يقوم على استدامة الأنظمة لا استدامة الأشخاص، لذا فإن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما أنجزه أثناء وجوده، بل أيضاً بقدرته على إعداد المؤسسة للحياة بعد مغادرته، فكلما كانت المؤسسة قادرة على الاستمرار والنمو بعد رحيل قائدها، كان ذلك دليلاً على نجاحه لا على تراجع أهميته. وفي تجربتي الإدارية الممتدة على مدى عقود من العمل، بدا لي أن هناك أربع لحظات تستحق التأمل قبل اتخاذ قرار البقاء أو الرحيل. الأولى: عندما تتسع الفجوة بين المسؤولية والصلاحية، فليس من العدل أن يتحمل الإنسان نتائج قرارات لا يشارك في صنعها، كما أنه ليس من الحكمة أن يبقى في موقع لا يملك فيه أدوات التأثير الكافية لتحقيق ما يراه صواباً. الثانية: عندما يصبح الحفاظ على الموقع أهم من تحقيق الرسالة، ففي هذه اللحظة يتحول المنصب من وسيلة للعطاء إلى غاية بحد ذاته. الثالثة: عندما يشعر القائد أن ما يقدمه للمؤسسة أصبح أقل مما يمكن أن يقدمه شخص آخر يأتي برؤية جديدة وطاقة مختلفة، فالتجديد ليس انتقاصاً من السابقين، بل سنة من سنن التطور المؤسسي. أما الرابعة: وهي الأخطر، فهي عندما يصبح البقاء عبئاً على القيم التي يؤمن بها الإنسان، وعبئًا على المسيرة والكرامة المهنية، تلك اللحظات يكون فيها الرحيل أكثر انسجاماً مع المبادئ من الاستمرار. وليس المقصود من ذلك أن يرحل القائد عند أول خلاف، أو أول عقبة، أو أول شعور بالإحباط، فالقيادة في جوهرها مواجهة للتحديات وتحمل للمسؤوليات، لكن المقصود أن يدرك أن قيمة بقائه لا تقاس بطول مدته، وإنما بقدرته على إحداث الأثر. لقد رأيت في مسيرتي المهنية أن بعض الناس يغادرون مناصبهم فيتركون فراغاً مؤقتاً، ثم تمضي المؤسسة في طريقها، بينما يترك آخرون وراءهم ثقافة عمل، ومنهجاً في الإدارة، ومؤسسات أكثر قوة مما كانت عليه قبل مجيئهم، وهؤلاء لم يغادروا حقيقة، لأن أثرهم بقي حاضراً بعد رحيلهم، ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه بين الحين والآخر هو: هل ما زال بقائي هو الخيار الأفضل للمؤسسة؟، فإذا كان الجواب نعم، فليستمر بكل عزيمة، وإذا كان الجواب لا، فليغادر بكل كرامة. وكما أن على القائد معرفة متى يتقدم إلى الأمام، فعليه معرفة متى يفسح الطريق لغيره دون ضجيج، ودون أن يحمل في قلبه إلا الامتنان للتجربة، والدعاء بالتوفيق لمن يكمل المسيرة، تلك هي فلسفة الرحيل، تغادر فيبقى الاحترام، تترك الموقع ويبقى الأثر، تنتهي المسؤولية ويبقى الرضا.
3390
| 01 يوليو 2026