رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ فترة أجريت تجربة بسيطة بمساعدة مجموعة من الطلبة الجامعيين، لاكتشاف مدى اكتمال عمليات التفكير المنطقي لديهم، وكانت التجربة تتضمن أن يدونوا فقرة أو فقرتين من الذاكرة عن تمثال "نهضة مصر"، وهو لمن لا يعرفه تمثال شهير يقبع أمام البوابة الرئيسية لجامعة القاهرة التي يدرس بها الطلبة المشاركون في التجربة، ويجسد امرأة في ثوب تقليدي تضع إحدى يدها على رأس نموذج مصغر لتمثال أبي الهول الشهير، فيما تمسك باليد الأخرى بطرف وشاحها الذي يغطي رأسها. وكان المفترض أن تشتمل إجابات الطلاب على العمليات المنطقية الثلاث، وهي الوصف والتفسير والتقييم. بمعنى أن يبدأ الطلاب بوصف التمثال، ثم ينتقلوا إلى تفسير المعاني الرمزية الكامنة في مكوناته، وينتهوا بتقييم التمثال وإبداء رأيهم في تصميمه وفيما تضمنه من معان رمزية.
ولكن جاءت المفاجأة أن معظم إجابات الطلبة قد اقتصرت على العنصر الثالث "التقييم"، إذ اهتم الطلاب بإبداء رأيهم في التمثال، فاعتبره بعضهم قطعة فنية جيدة، فيما اعتبره آخرون دون المستوى، والقليل من المشاركات من تقدم خطوة إلى الأمام فقدم تفسيراً للمعنى الرمزي للتمثال.
أما ما خلت منه معظم الإجابات تقريبا فكان عنصر الوصف، إذ اعتبر معظم الطلبة أن الوصف مجرد تحصيل حاصل، وأن السائل لابد وأنه يعلم جيدا شكل التمثال كما يعرفونه هم، ومن ثم فلا حاجة للقيام بهذه الخطوة.
وبعد أن أخبرت الطلاب بهذه الملاحظات المنهجية طلبت منهم أن يعودوا مرة ثانية إلى السؤال ويقدموا إجابات جديدة تحتوي العناصر الثلاثة. وهنا كانت المفاجأة، فبعد أن بدأ الطلاب في محاولة الإجابة مرة أخرى، اكتشف معظمهم أنهم لا يستطيعون وصف معالم التمثال بدقة رغم أنه يعترض أنظارهم كل يوم تقريبا، فبدأ البعض في محاولة استحضار شكل تقريبي للتمثال، فيما قدم آخرون أوصافا غير حقيقية له، ولكنهم وبدون استثناء تفاجأوا جميعاً عندما علموا أن المرأة المجسدة في التمثال تضع إحدى يديها على أبي الهول كرمز للأصالة فيما تهم بيدها الأخرى بنزع وشاحها عن رأسها كرمز للمعاصرة والتحرر، وذلك من وجهة نظر المثّال الذي أراد أن يوصل رسالته عبر هذا الرمز الخلافي بطبيعة الحال.
كان الدرس المستفاد من هذه التجربة أن ما ينقص الكثير من عمليات التفكير قد يكون هو أبسط الخطوات، وهي خطوة الوصف السليم، فنحن لا نستطيع أن نفسر أو نقيم أي ظاهرة ما لم نقم بوصف ملامحها بدقة. فالتفكير الصحيح يبدأ بوصف المشكلة وصفا دقيقا، فبدونه يصبح التفسير بلا معنى كما يصبح التقييم بلا مضمون.
يمكن تعميم نتائج هذه التجربة على نطاقات أوسع، وبخاصة هذه الأيام، لفهم المشاكل المصاحبة لعملية كتابة الدستور المصري. فالكثير من هذه المشاكل نابع من عدم تقديم توصيف دقيق للمواد محل الجدل، فمن خلال متابعة الجدل الدائر حول مواد الدستور لا نكاد نسمع سوى "تقييمات" تكاد تخلو من محاولة الوصف الدقيق أو التفسير الموضوعي للمواد محل الخلاف، الأمر الذي انتهى بالجدل حول مسودة الدستور إلى أن تكون مجرد مجموعة من الانطباعات الشخصية المتعارضة التي تهتم بإبداء الرأي بأكثر مما تهتم بسبر غور المعاني والمضامين.
وفي الجدل الدائر حول مادة مبادئ الشريعة الإسلامية ما يلخص هذا الوضع بوضوح، فثمة خلاف محموم حول "تقييم" هذه المادة بين التيارات السياسية دون أن ينجح أي منها في تقديم تبرير مقبول لوجهة نظره بطريقة منطقية ومقنعة. فالتراشق بالآراء قد تجاوز كل الحدود واستخدمت في إطاره كل الاتهامات، وذلك دون أن يتبلور نقاش هادئ حول ماهية الشريعة وماهية مبادئها وما الفارق بين الاثنين.
القفز على خطوات التفكير السليم لا يمارس من قبل الجمهور المتلقي فقط وإنما يمارس من قبل من قاموا بصياغة الدستور أيضاً، فهؤلاء لا يبررون للناس الأسباب المنطقية التي تدفعهم باتجاه صياغة المواد في شكل دون آخر، فأكثر ما يعنيهم أن يقدموا نصوصا توافقية ترضي أكبر عدد من الأطراف. ويتضح هذا الأمر على سبيل المثال في المادة الخاصة باحتكام أصحاب الشرائع الأخرى إلى مبادئ شرائعهم، والتي هي فضلاً عن ركاكتها تبدو مقحمة على الدستور ومفتقرة إلى التبرير المنطقي، فالواقع أن هذه المادة متحققة فعلياً من خلال مادة الشريعة الإسلامية، والتي تقضي بنفس المضمون الذي تنص عليه. ولكن جاء النص على هذه المادة داخل نفس الإطار الذي يقفز على المنطق ويبتغي التوافق دون أن يحدد ما الذي يتم التوافق حوله.
الغريب أن هذه الصياغات التوافقية لم تنجح في إرضاء أحد حتى الآن، ويبدو أنها لن تنجح في المستقبل أيضا، فكل الأطراف تستشعر أنها لم تحصل على ما تستحقه، وكل طرف مازال يستشعر أن الأطراف الأخرى قد صبغت الدستور بصبغتها الخاصة. وقد انعكس هذا على الجماهير فهناك حالة من الارتباك العام بين صفوف المصريين، ففي داخل التيار الواحد توجد آراء متباينة، حتى أصبح من المتعذر قراءة الخريطة التي سيتم على أساسها التصويت على مشروع الدستور الجديد؛ فمن الإسلاميين من أسهم في وضع مسودة الدستور، ومن ثم فإنه يعتبرها أفضل ما يمكن الحصول عليه، ولكن منهم أيضا من يرفضها معتبرا أنها تتضاد مع ما سبق ووعد به ناخبيه من قبل، ومن العلمانيين من أسهم في الجمعية التأسيسية لاختيار وصياغة مواد هذه المسودة ولكنه ربما يحرض أتباعه رغم ذلك على رفضها متى طرحت للتصويت.
فكرة أن الدستور سوف يخرج قاصرا عن طموحات كل فريق هو أمر لا يمكن تجنبه، ولكن المسيرة السياسية السليمة كفيلة بأن تصحح أخطاءها مع الوقت وبخاصة إذا ما توافرت الإرادة اللازمة لذلك. أما أن يصبح الدستور مساحة للتنابذ بين الفرقاء السياسيين فإن هذا مما يثير حالة من القلق حول شكل وطبيعة المرحلة المقبلة. ومن هنا فإن أحد أهم أدوار النخبة السياسية في مصر أن تتحول عن التنابذ بالآراء إلى النقاش العقلاني والمتزن حول المضامين، وأن تقدم دستورا منطقيا ومتماسكا حتى لو تمت التضحية في سبيل ذلك بقدر من التوافق الذي يستحيل تحقيقه على نحو مطلق على أي حال.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10335
| 06 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
8337
| 03 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
2727
| 10 سبتمبر 2026