رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يعد المعوقون سمعياً – بعد المكفوفين – هم الفئة الثانية التي عانت وما زالت تعافي الحرمان من التمتع بالحياة مع الأسوياء، وذلك لأن حاسة البصر وسيلة لكي يتعرف بها الإنسان على بيئته المادية، أما حاسة السمع فهي وسيلته للتعرف على بيئته الاجتماعية، أي أنهم فئة تتطور حياتها من دون التمتع إما بالاتصال أو بالتعامل الكامل مع البيئة على أساس سمعي.
والطفل الأصم تعرفه الصحة العالمية للطفولة بأنه "الطفل الذي ولد فاقداً لحاسة السمع إلى درجة تجعل الكلام المنطوق مستحيلا - مع أو من دون - المعينات السمعية".
ويعتمد تصنيف هذه الفئة منن المعاقين على أساس التصنيف الوظيفي للسمع، والذي يمكن توقعه على مستويات مختلفة من الفقدان كلما قيست بوحدات الديسبل وهي تصنيفات تستند على متوسطات النغمة الصافية، إذ تعتمد على كمية السمع للذبذبات 500، 1000، 2000 وحدة صوتية (MZ) وهي مدى ذبذبات الكلام، وتبعاً لذلك يضم هذا المنظور التصنيفي فئتين هما: الأصم، وضعيف السمع.
فالطفل الأصم – بناء على ما سبق - هو الطفل الذي فقد القدرة السمعية قبل تعلم الكلام أو الذي فقدها بمجرد أن تعلم لدرجة أن آثار التعليم فُقدت بسرعة فهو يعاني عجزاً أو اختلالاً يحول بينه وبني الاستفادة من حاسة المسع لأنها معطلة لديه، ولذلك فهو لا يستطيع اكتساب اللغة بالطريقة العادية.
وهناك فرق بين الطفل الأصم والطفل ضعيف السمع، وهذا الفرق هو فرق في الدرجة، وذلك نظراً لأن الطفل الأصم يتعذر عليه الاستجابة التي تدل على فهم الكلام المسموع، أما الطفل ضعيف السمع فهو قادر على استخدام حاسة السمع لديه في اكتساب القدرة على فهم الكلام.
أنواع الصمم وأسبابه:
ويجدر بنا في هذا المقام حتى يمكن تحديد السمات البارزة للطفل الأصم – أن نذكر أنواع الصمم وأسبابه، فهناك صمم ولادي تبلغ نسبته حوالي 15% من مجموع حالات الصمم، وهي أكثر شيوعاً في البنين عن البنات، مما يعطل نمو اللغة عندهم، حيث يولدون بإصابة في الأذن الداخلية، خاصة العصب السمعي بأمراض تتلفها أو تعطلها عن العمل، وهناك النوع الثاني من الصمم وهو الصمم المكتسب ويكون نتيجة الإصابة بأحد الأمراض التي تسبب نسيان الطفل المحصول الكلامي الذي اكتسبه في الفترة التي سبقت الإصابة مثل الإصابة بالحصبة الألمانية والتي تسبب ما يقرب من %10 من حالات صمم الأطفال، وكذلك الالتهاب السحائي والإصابة في الأغشية الواقية بالمخ والنخاع الشوكي وهذه الأمراض وراء مايقارب من 3 إلى 5% من المصابين بالصمم. وقد يكون عرضاً من الأعراض المصاحبة لفصام الطفولة إذ إنه لم يعد يجد ضرورة للاتصال بالغير عن طريق التنبيه الكلامي أو أي وسيلة أخرى كما قد يكون عرضاً هستيرياً ولكنه في هذه الحالة يكون صمما وقتيا.
خصائص الطفل الأصم:
إن الطفل الأصم يملك كل أجهزة الاستقبال ما عدا السمع فهو يشعر كما يشعر الطفل العادي، ويتأثر بما يتأثر به غيره من الأطفال العاديين، غير أن الإعاقة السمعية وما يتبعها من مشكلات عدم التوافق مع مجتمع السامعين تفرض على الأصم أنواعاً معينة من ردود الأفعال، وتُشعرهم بيئاتهم الأسرية - مع الأسف - بأن الأسرة فاشلة في إشباع حاجاتهم.
كما أن الطفل الأصم يحس بأنه أقل من زميله عادي السمع نتيجة لقصور لديه يؤدي إلى شعوره بالنقص والدونية مما يولد لديه إحساساً مؤلماً بقسوة في الظروف، وقلة في الحظ، ومرارة في النفس، وأن العالم الخالي من الحركة الذي يعيش فيه يؤدي إلى حالة من الاكتئاب والحزن والتشاؤم تميزه من الطفل العادي، هذا إلى جانب الانسحاب من المجتمع والانزواء، ويزداد هذا الميل الانطوائي وضوحاً كلما كانت الإصابة مبكرة.
وهناك خصائص أخرى للطفل الأصم منها أن الطفل الأصم غير ناضج اجتماعياً بدرجة كافية وأن الأطفال الصم لديهم مشكلات خاصة بالسلوك مثل العدوان والسرقة والرغبة في التنكيل والكيد للآخرين وأنهم يميلون إلى الإشباع المباشر لحاجاتهم.
وأما عن استجابات الطفل الأصم لاختيارات الذكاء فهو لا يختلف عن الطفل العادي، أيضا لا يستطيع الطفل الأصم تحمل المسؤولية وأنه يخاف من المستقبل لكنه لا يختلف عن الطفل العادي في شيء من الخصائص الجسمية، كما تتسبب عاهة الصمم في سوء التحصيل وعدم التركيز مما يسبب التأخر الدراسي، وهو أميل إلى الانطواء وأقل حبا للسيطرة من الطفل العادي.
كيف نربي الطفل الأصم؟:
التربية والاتصال الاجتماعي من أهم عوامل البناء الحضاري والثقافي للمجتمع وتؤديان دوراً بارزاً في التنشئة الاجتماعية والسياسية لأفراد المجتمع، فالأهداف المرتبطة بتحديث بنية المعرفة أساس لاستقامة الحياة الاجتماعية في الإطار الحضاري المعاصر، بما يتيح للأجيال الصاعدة استيعاب هذه المعرفة والوعي بأساليب استخدامها في ترقية واقع حياة مجمعاتها، وتتمثل في تثبيت موقع المعرفة الدينية بين أنواع المعرفة الأخرى التي يتداولها المجتمع، والوعي بالتراث والإفادة منه في الإضافة للمعرفة الراهنة، وتقدير الفكر الإنساني دون تعصب، وتنمية قدرات التعلم الذاتي، وتنمية القدرة على الاتصال.
والتواصل الثقافي مع الثقافة العالمية والوعي بمصادر المعرفة والحكم على مدى موثوقيتها وتبسيط المعرفة تبعا للمراحل ومستويات نمو الشخصية والقدرة على توظيف لمعرفة في واقع الحياة والوعي بمفهوم التخصص في إطار وحدة المعرفة هذا ويعد الاتصال أساساً لحياة الجماعة والفرد لأن الاتصال نشاط قائم على ترجمة الرسالة الموجهة إلى رموز ويجرى نقلها للآخرين لذلك فإن عبء الاتصال بالمعاقين سمعياً لا يقع على بعد الرسالة الاتصالية أو القناة الحاملة أو على مضمون الرسالة وشكلها فحسب، بل إن المتلقي ينبغي أن بعد هو الآخر، إعداداً يجعله قادراً وميالاً أيضا إلى فك رموز الرسالة.
وهذا لا يتأتى إلا من خلال تدريب المتلقي ذي الإعاقة السمعية على فهم الدلالات والرموز والسياقات النفسية والاجتماعية التي تقدم من خلالها الرسالة الاتصالية، وهي تأخذ أشكالاً متعددة منها الاتصال الشخصي. والاتصال الجمعي والاتصال الجماهيري. والاتصال الذاتي وهو الاتصال بين الفرد وذاته والاتصال بين الفرد وآله وهو ما قدمته ثورة تكنولوجيا الاتصالات الحديثة للمعاقين من برامج لتعليم الأطفال الصم الكلام بواسطة الحاسب الآلي.
إن التأثير المهم للعجز عن الكلام يؤدي بالطفل إلى العزلة في وقت مبكر يدفع إلى التنبيه الداخلي بإحساسه بالفشل، وهذا بالتالي يكثف حالة الإحباط والاكتئاب عنده.. تصبح هذه العزلة عموماً أقل وطأة عندما يكون الطفل بعض المفردات اللغوية، إلا أنه توجد ثغرة تتسع بسرعة بين الطفل النامي وبين المطالب الاجتماعية والنفسية والجنسية التي توضع على كاهله في مراحل نموه المستقبلة.
و... كيف نعلم الأصم؟:
إن الطفل الأصم إذا لم يتعلم فإنه يحيا حياة مغلفة لا تعرف معنى التواصل أو التفاهم مع الآخرين، حياة خامدة هامدة جامدة يصنعها بنفسه لنفسه، إلا أن الوضع يختلف تماما في حالة تصميم ورسم برامج أكثر تناسباً وأكثر إحكاماً لهؤلاء الأطفال إذا وفرنا لهم التعليم بالطريقة الشفوية الإشارية المشتركة أو النظام الكامل وفيه تضم لغة الهجاء الأصبعي إلى الطريقة الشفاهية والإرشادية المشتركة. فهناك الطريقة الشفوية وهي تعتمد على معرفة أفكار المتعلم بملاحظة حركات فمه فالأساس فيها هو الكلام وقراءته أي قراءة حركة الشفتين، ومن أهم معوقات هذه الطريقة أن ما يقرب من 40 – 60 % من الأصوات والكلمات الإنجليزية متشابهة في النطق، وكذلك العديد من الكلمات في اللغة العربية مما يصعب تشكيلها على الشفاه لمطابقتها الأصوات أخرى، وبالتالي فبدون أسس لغوية مناسبة لا يستطيع الطفل الأصم أن يصل إلى التفهم الحقيقي للكلمات والأصوات، كما أن الطفل الأصم عندما ينضج ويعرف أن المحادثة الشفوية والقراءة هي وسيلة الاتصال والتعليم الأساسية فإن ذلك سيزيد ميله للعزلة، إذ يجب عليه أن يلجأ إلى الفعل والإشارة ليوصل رغباته.
وهناك أيضا الإشارات والحركات الصامتة: وهي وسيلة طبيعية للتخاطب والاتصال بين المعاقين سمعياً وهو نظام يقترن فيه المنبه البصري بالمعني وهي غما إشارات وصفية وهي اليدوية التلقائية التي تصف فكرة معينة مثل رفع اليد للتعبير عن الطول، فتح الذراعين للتعبير عن الكثرة وهكذا وهناك الإشارات غير الوصفية وهي إشارات ذات دلالة خاصة تكون بمثابة لغة متداولة بين الصم، وتسمى الهجاء الأصبعي حيث يقف المعلم أمام الطفل الأصم مكونا الجمل والعبارات وتلاقي هذه الطريقة قبولا أكثر.
إلا أن هذه الطريقة لا تصلح للأطفال الصغار في سن مبكر، حيث يجهل الطفل لغة الرموز –والتي لا يستطيع فهمها، والتعامل بها– وبالتالي فإن هذه الطريقة بمفردها لا تزيد عن تنمية اللغة بالنسبة للطفل الذي يرقد في سريره.
فلنبدأ بتربية المعلم قبل التلميذ!!
إن عملية بناء الفرد في أي مجتمع من المجتمعات ليست بالعملية السهلة المُيسرة ولا تقوم بها جهة واحدة... اقرأ المزيد
1334
| 08 يناير 2016
التربية الثقافية للطفل
تخضع شخصية الإنسان خلال مراحل نموها المتعاقبة لعدد كبير من العوامل الوراثية والبيئية، وتبدأ هذه العوامل تأثيرها من... اقرأ المزيد
7901
| 28 ديسمبر 2015
التخطيط لبرنامج تدريبي ناجح
لكي نخطط لوضع وتنفيذ برنامج تدريبي ناجح ، يجب أن نبدأ بتحديد دقيق لأهداف هذا البرنامج بتغطية الجوانب... اقرأ المزيد
4221
| 30 نوفمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10329
| 06 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
8337
| 03 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
2673
| 10 سبتمبر 2026