رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

نضال أحمد الخولي

مساحة إعلانية

مقالات

156

نضال أحمد الخولي

الذكاء الاصطناعي وتسونامي البطالة المُحتمل

15 يونيو 2026 , 11:02م

هل تعلم عزيزي القارئ أنّ ما تراه اليوم من قُدراتٍ مُذهلة لأنظمة الذكاء الاصطناعي ليست سوى بداية الطريق؛ فهذه الأنظمة في طور نشأتها الأولى، كطفل في الرابعة من عُمره بمقاييس البشر، ومع ذلك باتت تُزعزع أسواق المال والعمل حول العالم بصورة غير مسبوقة.

لقد شهدَ العالمُ خلال القرن الماضي ثورات تكنولوجية عديدة، غير أن الذكاء الاصطناعي يختلف عنها اختلافاً جوهرياً من ثلاثة نواحٍ:

-    الناحية الأولى: أن الاختراعات السابقة كانت في جزئها الأكبر، تحلُ مَحلّ الجُهد البدني، كما حدث حين استبدلت الروبوتات عمال المصانع، أمّا الذكاء الاصطناعي فهو يُنافس عقلَ الإنسان وقراره بل ومشاعره، وهو ما ظلّ تاريخياً في مأمن من التقنية نسبياً.

-    والناحية الثانية: هي أنّ التكنولوجيا السابقة هددت قطاعات مُحدّدة أو مهنة أو صنعة بعينها، بينما يمتدُ تهديدُ الذكاء الاصطناعي ليطول كلّ فئات المشاريع والوظائف تقريباً.

-    والناحية الثالثة: سُهولة الاستيراد والتطبيق ورخص التكلفة، فمعظم الاختراعات السابقة كانت تتطلب تغييراً جوهرياً في التجهيزات والمعدات والآلات، واستغرقت عقوداً لكي تصلَ بعض أنواع التكنولوجيا لباقي دول العالم خاصة الدول النامية، لكن حلول الذكاء الاصطناعي أصبحت متاحة فوراً وبتكلفة زهيدة نسبياً.

ومما يُقلق أنّ الكثيرين لا يزالون في حالة إنكار لحجم هذا التهديد. والحقيقة أن قطار الذكاء الاصطناعي قد انطلق ولن يتوقف، مما يستوجب خططاً استباقية على ثلاثة مستويات:

أولاً: المستوى الحكومي ستواجه حكومات العالم خلال بضع سنوات، تكدساً لجزء كبير من الموظفين الحكوميين في المكاتب بلا مهام فعلية بفعل التطور التكنولوجي (بطالة مقنّعة)، الذي سيؤدي لانخفاض قُدرة القطاع الحكومي على استيعاب المزيد من الخريجين الجُدد، مما سيتسبب بارتفاع نسب البطالة على المستوى الوطني.

والمطلوب: اتخاذ اجراءات استباقية على المستوى الوطني بإجراء مسوحات لحصر الوظائف الأكثر عُرضة للتهديد، وإطلاق برامج إعادة تأهيل للعاملين في التخصصات المُهددة، وإعادة تصميم المناهج الدراسية والجامعية بما يتوافق مع متطلبات السوق المستقبلية، ويوقف ضخ المزيد من الخريجين الجدد في تلك المجالات المهددة إلاّ بعد تحديث المناهج.

ثانياً: على مستوى الإدارة المؤسسية: يتطلبُ الأمرُ تبنيَ استراتيجية مُحددة للتعامل مع التطور الرقمي، فعلى المؤسسات مراجعة هياكلها التنظيمية بجرأة؛ وتحديد الوظائف القابلة للأتمتة، وإعادة توصيفها أو دمجها، والتخطيط المسؤول لإدارة التحولات الوظيفية وإعادة تدوير الموظفين، بالإضافة لضرورة إعادة تصميم الخدمات والمنتجات بصورة مُختلفة.

وتجدرُ الإشارة إلى أنّ دمجَ الذكاء الاصطناعي في الأعمال لا يقتصرُ على توظيف آليات بسيطة مثل روبوت الدردشة أو تطبيقات Chatgpt او Claude وغيرها، فهذا هو الحد الأدنى فقط، بل إنّ توظيف الذكاء الاصطناعي يبلغُ أقصى كفاءته حين يرتبط بنظام مُتكامل لإدارة موارد المؤسسة (ERP) ونظام تقييم الأداء المؤسسي والوظيفي، وهو ما تفتقر إليه مؤسسات كثيرة حتى اليوم، أي أنها لم تواكب بَعدُ الثورة التكنولوجية التي سبقت الذكاء الاصطناعي، مما يجعل من توظيف الذكاء الاصطناعي عندَ حده الأدنى.

ثالثاً: مُستوى الفرد على كل شخص أن يُقيّم بصدق مدى تهديد الذكاء الاصطناعي لمهنته أو تخصصه، فثمة وظائف ومهن درس أصحابها أربع سنوات أو أكثر لاكتساب مهاراتها، باتت اليوم لا تعدو كونها أمراً نصياً جاهزاً Prompt. والحل: في الانخراط في برامج التطوير الذاتي، والتأهيل الحكومي، وربما العودة إلى مقاعد الدراسة في تخصصات مُستحدثة، وعدم انتظار قطار البطالة، وسنتطرق في فرصة أخرى لأهم تلك الوظائف والخطط الموصى بها لكل وظيفة.

وقد بدأت بالفعل حكوماتٌ ومنظماتٌ دولية في إعداد خرائط وطنية للمهن الأكثر تعرضاً لتأثير الذكاء الاصطناعي، في مؤشر واضح على أن القضية لم تعد نقاشاً نظرياً، بل أصبحت تحدياً تخطيطياً واقتصادياً يستوجب الاستعداد المُبكر.

الخلاصة: نحنُ أمام تهديد غيرَ مسبوق في نوعه وشموله، فخطرُ البطالة يهدد الاقتصاد والمجتمع، وخاصّة فئات المجتمع الأقل قدرة على مجاراة التطورات السريعة، ويتطلبُ الأمرُ وضع الخطط الاستباقية الجريئة على كل المستويات، لكي لا نتأثر بالتسونامي القادم الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى.

مساحة إعلانية