رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رغم أن التهديد بإغلاق مضيق هرمز في وجه الملاحة العالمية ليس بالجديد وسبق أن سمعناه كثيراً في مناسبات عديدة، إلا أنه يأتي هذه المرة وسط أجواء ساخنة ومشحونة بالتوتر والقلق، وتتعدد فيها العوامل المسببة للحدث ما بين العامل الأصيل وهو رغبة إسرائيل في ضرب قدرات إيران النووية، وردود فعل إيران على ذلك، والعامل المستجد المتمثل في اشتداد حدة الصراع في سوريا بين الحكومة (المتحالفة مع إيران) من ناحية، والشعب وجيشه الحر من جهة أخرى، واحتمال حدوث تدخل خارجي ينتج عنه "لخبطة" في الأوراق، وتداخل في ردود الأفعال بين الأصيل في إيران، والمستجد في سوريا.
ورغم أن الولايات المتحدة قد حشدت قوة ردع كافية في مياه الخليج إلا أن الأمور قد تخرج عن السيطرة ويحدث المحذور. وسيترتب على إغلاق مضيق هرمز ولو لمدة شهر واحد آثار سيئة على الاقتصاد العالمي وعلى اقتصادات دول مجلس التعاون نتيجة توقف الصادرات والواردات من المنطقة وإليها، فما هي الأضرار التي قد تصيب الاقتصاد القطري من الإغلاق بفرض حدوثه في هذه الفترة التي تسبق الانتخابات الأمريكية؟
بداية أشير إلى أن الاقتصاد القطري يعتمد على الخط الملاحي عبر الخليج في تصدير معظم نفطه - غير المكرر - إضافة إلى بعض المنتجات البترولية، وكل صادراته من الغاز المسال، إضافة إلى سوائل الغاز والمكثفات، والوقود السائل المحول من الغاز، ومعظم صادراته الأخرى من الأمونيا واليوريا والإيثيلين والبولي إيثيلين وغيرها.
كما أن قطر تعتمد على الواردات البحرية في تأمين احتياجاتها من معظم السلع الاستهلاكية والمعمرة، ويأتي القليل منها فقط عبر الطرق البرية والجوية.
ومن حيث الصادرات نجد أن أي انقطاع للإمدادات عبر هرمز سوف يلحق الضرر بالصادرات القطرية من النفط الخام ومنتجاته والغاز المسال وسوائل الغاز والمنتجات البتروكيماوية، ولأن طاقات التخزين محدودة فإن الإنتاج الفعلي من هذه المنتجات سوف ينخفض. وإذا كانت قيمة الصادرات القطرية تزيد على 300 مليار ريال في السنة، فإن توقف الصادرات في شهر سوف يكلف الاقتصاد القطري ما لا يقل عن 25 مليار ريال في شهر. وسيؤدي التوقف إلى زيادة مفاجئة في أسعار المواد المصدرة إلى 150 دولارا للبرميل أو أكثر، وذلك قد يساعد في التعويض لاحقاً عن بعض أو كل الخسائر التي ترتبت على توقف الصادرات.
ورغم ذلك فإن صدمة ارتفاع أسعار الطاقة سوف تلحق الضرر بالنمو الاقتصادي العالمي المعتل أصلاً فيدخل العالم في ركود اقتصادي حاد، يؤثر سلباً على الطلب على النفط، ناهيك عن تأزم المشاكل المالية في العالم.
ومن حيث الواردات؛ نجد أن إغلاق المضيق لمدة شهر سوف يؤدي إلى الاعتماد على المخزونات المحلية من معظم السلع، مع الميل للترشيد في الاستهلاك، وإلى ارتفاع أسعارها - ما لم تشتد الرقابة الحكومية على الأسعار - وإلى ارتفاع رسوم الشحن والتأمين على السفن المبحرة إلى الخليج العربي.. وقد يكون بالإمكان الاعتماد على الطرق الجوية والبرية في تأمين السلع التي لا تكفي مخزوناتها لتغطية الاحتياجات المحلية، خاصة من الأدوية والأطعمة، ومدخلات الصناعة الوسيطة، وبعض الأجهزة الدقيقة.
وإذا ما حدث التوقف - لا سمح الله - فإنه سيكون له تأثيرات سلبية على العاملين الأجانب في البلاد الذين قد يفضل البعض منهم الخروج في إجازات لحين استقرار الأوضاع وعودة الأمان والاطمئنان إلى المنطقة.
ومع الانخفاض في الصادرات والواردات، وانخفاض عدد السكان، فإن الأنشطة الاقتصادية في المجمل سوف تتأثر سلباً، وبالتالي يحدث تراجع حاد في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة أو الجارية. كما قد يحدث انخفاض مفاجئ في أسعار الأسهم بالبورصة، نتيجة ازدياد عمليات البيع على أسهم الشركات التي قد تتضرر من الإغلاق ومنها أسهم الشركات المصدرة للمنتجات، وشركات التأمين، والنقل والبنوك.
مما تجدر الإشارة إليه إلى أن ما تقدم من شرح يعتبر رؤوس أقلام، وعناوين صغيرة لموضوع كبير يستحق الاهتمام والدرس، حتى لا نؤخذ على حين غرة، ومن الخير لنا جميعاً أن نتدارس - كل في موقعه - في الجوانب المختلفة للموضوع، بحيث تكون الاستعدادات لحدث من هذا النوع كافية، وتكون الخسائر المترتبة عليه عند الحد الأدنى.. وعلى سبيل المثال قررت الإمارات إنشاء خط أنابيب لنقل نفطها براً إلى المحيط الهندي خارج مضيق هرمز، وذلك في تقديري استثمار مهم لأنه يقلص تكلفة النقل والتأمين، ويجعل تصدير النفط الإماراتي آمناً دون انقطاع، وفي قطر هناك الكثير من القرارات التي يمكن اتخاذها على مختلف الأصعدة للاستعداد لحدث تزداد التهديدات بحدوثه، رغم أنه قد لا يحدث بالمرة. ومن هذه الأمور التفكير في زيادة طاقات التخزين، وزيادة حجم المخزونات، والبحث عن بدائل.. وقد يحتاج الأمر أكثر من مقال حول هذا الموضوع حتى نوفيه حقه من الشرح والتحليل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4488
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4221
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
2445
| 07 مايو 2026