رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أصبح عدد من الباحثين اليوم يذهبون إلى أن اشتعال بلدان الربيع العربي ضد الطغاة من حكامهم و خصوصا في سورية لم يعد مجرد ثورات متحركة متحرقة لتغيير واقعها الفاسد إلى واقع جديد يحقق طموحات شعوبها, بل إن أصابع الأفاعي الخفية في العالم وعلى رأسها الصهيونية العالمية المنطلقة مما يسمى الكيان الإسرائيلي هي المؤثر الحقيقي الفاعل في ما يجري من تبدلات , وتداعيات ما كان لهؤلاء الباحثين وغيرهم أن يتصوروها, ولكن المشهد الدراما تيكي المتقلب لحظيا قد بات يدل دلالة ساطعة على ذلك و دون أدنى شك, فإسرائيل وأوربا وأمريكا, وروسيا العوبتها الدائمة و الصين الدولة الكبرى ولكنها التابعة حسب المصالح كذلك أما إيران وأذنابها ممن يعملون أدوات لتحقيق تلك الأهداف فقد بات دورهم جليا في تخريب الاستقرار في العالم العربي والإسلامي خصوصا والدولي عموما, وأصبحت الثورات المضادة تفعل الكثير لإعادة التموضع المركزي القوي للاستعمار في سورية والعراق ومصر واليمن وليبيا وتونس تحديدا. و كم كنا ننصح من بدايات الثورات و خصوصا في سورية أن الأمر أكبر بكثير من هؤلاء الحكام المستبدين و أنهم ليسوا سوى عبيد يعملون في الحلبة بأمر الأسياد الذين يجدون و يجتهدون لتثبيتهم نظرا لأنهم حراس مصالحهم, أو استبدا لهم بمن هو أسوأ منهم على غرار ما جري في مصر و اليمن والعراق...وقد كان بعض الباحثين و المتعالمين يتهمنا وقتها أننا نعتبر أن كل فعل مؤامرة ولانخرج عن هذا الحبس المظلم ولا نصدق الغرب و على رأسه أمريكا و كذلك روسيا خصوصا في التفاعل مع الشعوب المظلومة المقهورة, وكأن مثل هؤلاء يهمهم أدنى شيء من خواطرهم و يحزنون على قتلهم وسجنهم و تشريدهم بالملايين , يا عجبا ألف مرة, فإن هؤلاء هم الذين يوقدون المعركة ثم يدعمون و لا يتفرجون, كيلا نتنفس أية حرية في بلادنا و إن نظرتهم إلينا كعرب لا تعدو إلا أن تُقرأ فيما حدده المؤرخ الصهيوني المعروف (بيرناردلويس) منذ عام 2005 بما نصه: "إن العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون لا يمكن تحضرهم, وإذا تركوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمر الحضارات و تقوض المجتمعات ولذلك فإن الحل السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم و استعمارهم, وتدمير ثقافتهم و تطبيقاتها الاجتماعية ... وإنه من الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية الإسلامية إلى وحدات عشائرية و طائفية, ولا داعي لمراعاة خواطرهم أو التأثر بانفعالاتهم و ردود الأفعال عندهم"! هكذا تماما يخططون و ينفذون و شعوبنا المسكينة والكثير من الكتاب والعلماء والمفكرين واقعون تحت تأثير الدولة القطبية أوالنظام التابع لها إقليميا بشكل أو بآخر, أو يرزحون تحت نير المال السياسي من مثل هؤلاء و أضرابهم من جنود المشروع الصهيوني الإيراني الغربي ولا يمتلكون الإيمان العميق الذي كان عليه علماء السلف الربانيون لترجمته في الشعوب على أرض الواقع, أو أولئك الذين مازالوا ينخدعون بالغرب العلماني تحت مسميات براقة مختلفة, والكل غارق في الجهل أوالتجاهل , و لايغلبون الروح الوطنية ويقظة الضميرعند أكثرهم. وقد حدثني - كمثال على ذلك- الأخ الصحافي الإعلامي الماهر عبيدة نحاس أثناء اجتماعهم واستعمال "الفيتو" الروسي الصيني ضد إدانة اللانظام السوري على قتل شعبه حيث قال, مندوب روسيا في الأمم المتحدة, - قبل التصويت - بعد أن لفت نظره الأستاذ عبيدة إلى مايجري من شلالات الدم في سورية وأن عليهم التخفيف من ذلك, قال : نحن لا يهمنا هذا الأمر وليذهب الشعب السوري إلى الجحيم! نعم إن كل الذي يهمهم إبقاء الأسد لإبقاء مصالحهم والمصالح الصهيونية في المنطقة! أليس بوتين هو الذي صرح لليهود عقب زيارته إلى "تل أبيب" مؤخرا: إن العلائق التي تربطنا باليهود لا يمكن لأحد في العالم أن يقطعها!!
وهكذا فمخططاتهم أريد لها أن تسير بخطى سريعة منذ سنوات. وفي هذا السياق فلعله لا يخفى علينا الموقف الصهيوني من المشهد السوري وأنه يعمل على تفتيت وحدة الشعب . وهو الذي أوجد حكاما لديهم أكبر القابلية لطاعته كيف يشاء وحفاظا على كراسيهم و نهب ثروات الوطن, و الأمر متفق عليه بينهما وهو أنهم قوات ممانعة أي ممايعة و مقاومة أي مقاولة!, وإن أنسَ لا أنسى أبدا قول وزير الخارجية الأمريكي الصهيوني الأسبق "هنري كيسنجر" وهو يقول لنائب رئيس وزراء إحدى الدول الإسلامية في حديث عن حكام العرب: إن حافظ الأسد كان يطيعنا في كل شيء, و نحن لم نقل له عن شيء إلا أجاب بنعم, نقول ذلك حتى يعي المخلصون المعادلة ويعرفوا العدو الحقيقي لهم ولايصطفوا بشكل أو بآخر مع مخططات الصهاينة كما أكد الأستاذ "سمير جبور" في مقاله القيم :تفتيت سورية مصلحة استراتيجية صهيونية. كما في جريدة : رأي اليوم 9/7/2015 , ونقل الكاتب عن الباحث الصهيوني لويس السابق ذكره: نخطط خريطة تقسيم العراق و سورية إلى أقاليم متمايزة عرقيا أو دينيا أومذهبيا و أن اسرائيل في حالة ترقب لما ستؤول إليه الأمور لتحديد خياراتها في ضوء موازين القوى الحالية والتي يتقدمها في منطقة الشرق الاوسط ثلاثة محاور الأول: المحور الشيعي بقيادة إيران, والثاني : المحور السني بقيادة السعودية والثالث: قطب ما يسمى داعش" ويذكر" ديكل وعيناف الباحثان الإسرائيليان: أن إسرائيل تستثمر الفوضى بالتعامل مع هؤلاء المتنافرين و تداورهم لمزيد من مكاسب مصلحتها وخصوصا ما يجري جنوبي سورية حيث تتعاون إسرائيل مع الأردن لتعزيز تحالف استراتيجي بينهما تحت عدة صور ويجري هذا بينما نرى الدعوات الجديدة المتوالية في إسرائيل لإنقاذ الأسد و قد كتب عن هذا الأستاذ "وديع عواودة" في الجزيرة نت 9/7/2015 مؤكدا أنه قد ازداد عدد الجنرالات والمعلقين الصهاينة الذين يدعون حكومتهم إلى مساعدة حكومة بشار سيما بعد تراجع اللانظام مؤخرا جنوبا وشمالا ووسطا في سورية بينما تقدم الثوار حتى نحو الحدود مع إسرائيل , وهذا ما دفع القوى الصهيونية أن تزيل أول أمس مخيمات النازحين السوريين من أصلها , عند الحدود. وقد دعا الجنرال الاحتياطي في الاستخبارات العسكرية "عيزر تسفرير" : بصوت مرتفع إلى إنقاذ الأسد ,وخشي من أن يكون بعد سقوطه ثقب أسود, وقال : إن التنظيمات السنية الإسلامية تتشارك في عدائها لإسرائيل والغرب معا , وقد وافقه على نظره "موشيه معوز" الخبير بالشأن السوري محذرا من تبعات انتصارات الراديكاليين على المناطق المجاورة مثل لبنان والأردن , معتقدا أن إنقاذ الأسد يزيد في فتح القنوات مع المحور الشيعي , أقول : وهذا ليس غريبا فإنه - على مدار التاريخ - لم تتوقف محطات اليهود والروافض عن العمل معا ضد أهل السنة وقد شرحنا ذلك في مقالات سابقة. على أن الباحث في جامعة ابن جوريون في بئر السبع " يورام ميتال" أكد أنه لا بد من الوقوف على سياسة الأمر الراهن التي عليها رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" بمعنى الحفاظ على الجولان وهو ما يضمنه لهم بشار وليس مجاميع الثوار, وهكذا تلتقي محاور الشر ضد الثورة والثوار ويسمحون لما يسمى حزب الله و الميلشيات العراقية و غيرها من الشيعة بقتالهم دون أن يوسموا بالإرهابيين!أقول: ولكن الحق لا بد أن يظهر في نهاية المطاف و ما علينا من جديد إلا أن نعود فنقرأ كتاب عباس محمود العقاد رحمه الله – التفكير فريضة إسلامية . وهو ما حضنا عليه الله في كتابه ورسوله في سنته والعلماء و المفكرون من السلف و الخلف الذين دأبوا على صون الأوطان من خطر المنافقين من أبناء الجلدة كما صانوها من الأعداء المتربصين حتى بلغوا بها مشارف المجد و السؤدد متذكرين حِكَم الدكتور مصطفى السباعي- رحمه الله - : " لا يدوم لطاغية سلطان و يكفيه سوءا أنه الذي يعمل للقضاء على كل روح الكفاح ضد المستعمرين في الأمة و يعمل على إذلال الشعب لأنه متأله مغرور ولكن من اطمأن إلى طغيانه و قوته فهو مغلوب و من اطمأن إلى جاهه فهو مخلوع " من "هكذا علمتني الحياة " ص: 307- 309 . ولاشك أن التاريخ يعيد نفسه .
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
1557
| 23 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1317
| 19 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1116
| 21 مايو 2026