رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ليس مجرد مناسبة لاستذكار سيرة قائد حكم دولةً لمدة ثمانية عشر عاماً، بل هو مناسبة لإعادة قراءة واحدة من أكثر التجارب السياسية والتنموية تميزاً في العالم العربي خلال العقود الثلاثة الماضية. فقد استطاع أن يحول دولة صغيرة في المساحة والسكان إلى دولة ذات حضور عالمي يفوق بكثير وزنها الجغرافي والديموغرافي، حتى أصبحت التجربة القطرية تُدرَّس في كثير من مراكز الدراسات بوصفها نموذجاً لكيفية توظيف الموارد الطبيعية والرؤية الاستراتيجية والقوة الناعمة في صناعة النفوذ الدولي.
إن تقييم التجارب التاريخية لا ينبغي أن يقوم على الاتفاق أو الاختلاف مع جميع سياساتها، وإنما على قدرتها على إحداث التحول التاريخي في مسار الدولة. ومن هذه الزاوية، فإن الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني يعد بحق أحد أبرز القادة العرب الذين أعادوا صياغة هوية دولتهم خلال جيل واحد.
من دولة خليجية صغيرة إلى لاعب عالمي:
عندما تولى الشيخ حمد مقاليد الحكم عام 1995، كانت قطر دولة ذات إمكانات مالية واعدة لكنها لم تكن تحتل موقعاً مؤثراً في النظامين الإقليمي والدولي. وكان التحدي الأكبر يتمثل في كيفية تحويل الثروة الغازية إلى مشروع دولة، وليس مجرد زيادة في الإيرادات.
وهنا ظهرت أولى سمات القيادة الاستراتيجية؛ فقد أدرك مبكراً أن الموارد الطبيعية لا تصنع النفوذ إذا لم تتحول إلى مؤسسات واستثمارات ورؤية طويلة الأمد.
ولهذا جاءت قراراته الكبرى متسلسلة ومترابطة:
- الاستثمار المكثف في تطوير حقل الشمال للغاز.
- بناء صناعة الغاز الطبيعي المسال.
- إنشاء صندوق سيادي عالمي للاستثمار.
- تطوير البنية التحتية الحديثة.
- الاستثمار في التعليم والبحث العلمي.
- تأسيس منظومة إعلامية عالمية.
- بناء سياسة خارجية مستقلة ذات أدوات تأثير متعددة.
ولم تكن هذه القرارات متفرقة، بل كانت أجزاءً من مشروع وطني واحد.
وتشير البيانات الرسمية القطرية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي لقطر تضاعف أكثر من 24 مرة خلال فترة حكمه، بينما ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي بنحو ستة أضعاف، وقفزت القيمة المضافة لقطاع الهيدروكربونات من 11 مليار ريال إلى 403 مليارات ريال. كما أصبحت قطر بحلول عام 2006 أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، ووصلت طاقتها الإنتاجية إلى 77 مليون طن سنوياً عام 2010، وهي الأرقام التي شكلت الأساس الاقتصادي للنهضة القطرية.
عبقرية الرؤية قبل وفرة المال:
القراءة السطحية قد تنسب نهضة قطر إلى ثروة الغاز، غير أن الحقيقة أن الغاز كان موجوداً قبل وصول الشيخ حمد إلى الحكم بسنوات طويلة.
أما الذي تغير فهو العقل الذي أدار هذه الثروة.
فالقيادة الاستراتيجية لا تُقاس بما تملكه الدولة، وإنما بما تفعله بما تملكه.
وقد اتخذ الشيخ حمد قراراً جريئاً بالتوسع في صناعة الغاز الطبيعي المسال في وقت كان كثير من الخبراء يشككون في مستقبل هذا السوق، لكن الرهان الاستراتيجي أثبت صحته، وتحولت قطر إلى قوة عالمية في أمن الطاقة، وأصبح اقتصادها مرتبطاً بأوروبا وآسيا وأمريكا في آن واحد، وهو ما منحها وزناً سياسياً يتجاوز حجمها الجغرافي.
بناء القوة الناعمة قبل أن يصبح المصطلح شائعاً:
من أبرز مظاهر عبقرية الشيخ حمد أنه أدرك مبكراً أن النفوذ في القرن الحادي والعشرين لا يُبنى بالقوة العسكرية وحدها.
ولهذا بنى منظومة متكاملة للقوة الناعمة، شملت:
- إطلاق شبكة الجزيرة عام 1996.
- تأسيس مؤسسة قطر للتربية والعلوم.
- استقطاب الجامعات العالمية إلى المدينة التعليمية.
- الاستثمار في الثقافة والمتاحف.
- توظيف الرياضة كأداة دبلوماسية.
- تطوير الخطوط الجوية القطرية.
- إنشاء مطار حمد الدولي وميناء حمد.
- بناء حضور استثماري عالمي عبر جهاز قطر للاستثمار.
ولم تكن هذه المشاريع منفصلة، بل كانت جميعها تخدم هدفاً واحداً: جعل اسم قطر حاضراً في كل قارة وكل ملف دولي تقريباً.
هندسة الهوية السياسية الجديدة لقطر:
ربما يكون الإنجاز الأكثر عمقاً للشيخ حمد هو إعادة تعريف هوية الدولة القطرية.
فقد انتقلت قطر من سياسة خارجية تقليدية إلى سياسة تقوم على الاستقلال النسبي في القرار، والوساطة، والانفتاح على جميع الأطراف، والقدرة على التحدث مع الخصوم قبل الحلفاء.
ولذلك استطاعت الدوحة أن تؤدي أدوار الوساطة في ملفات متعددة، وأن تحافظ في الوقت نفسه على علاقات مع قوى قد تبدو متناقضة، وهو ما منحها مساحة حركة دبلوماسية استثنائية لدولة صغيرة.
وقد أثارت بعض هذه السياسات جدلاً وانتقادات، لكن لا خلاف بين معظم الباحثين على أنها رفعت الوزن السياسي لقطر إلى مستوى غير مسبوق بالنسبة لدولة بهذا الحجم.
القائد الذي كان يفكر بعقود لا بسنوات:
من أبرز صفاته القيادية أنه لم يكن أسير دورة سياسية قصيرة، بل كان يعمل وفق أفق زمني يمتد لعقود.
ولهذا جاءت رؤية قطر الوطنية 2030، التي أُطلقت في عهده، باعتبارها إطاراً استراتيجياً لتحويل الاقتصاد من الاعتماد على الموارد الطبيعية إلى اقتصاد المعرفة والتنمية البشرية المستدامة. كما شهد عهده إقرار الدستور الدائم للدولة، بما أسهم في ترسيخ البناء المؤسسي.
الحزم في اتخاذ القرار:
من يدرس مسيرة الشيخ حمد يلاحظ أن القرارات الكبرى في حياته كانت تتسم بالحسم والجرأة.
سواء في إعادة هيكلة الدولة، أو في خيارات الطاقة، أو في تحديث القوات المسلحة، أو في إطلاق المشاريع العملاقة، أو حتى في قراره النادر عربياً بالتنازل الطوعي عن الحكم عام 2013، فإنه كان يميل إلى اتخاذ القرار عندما يقتنع بجدواه، ثم يعمل على تنفيذه بثبات. وقد عُدّ انتقال السلطة السلمي إلى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني سابقة لافتة في المنطقة ورسالة على أهمية استمرارية المؤسسات وتجديد القيادة.
القيادة في مواجهة الأزمات:
تكشف قيمة القائد الحقيقية في أوقات الأزمات، لا في سنوات الرخاء.
وقد واجهت قطر خلال عهده تحديات إقليمية ودولية معقدة، لكنه حافظ على الاتجاه العام للمشروع الوطني، ورسّخ مؤسسات اقتصادية وسيادية مكّنت الدولة من الصمود في الأزمات، حيث استفادت الدولة من البنية الاقتصادية والدبلوماسية التي أُسست خلال عهده. وتشير دراسات أكاديمية إلى أن استراتيجية التنويع والمرونة المؤسسية ساعدت قطر على تجاوز الأزمات.
سمات شخصية صنعت الفارق:
يمكن تلخيص أبرز السمات القيادية للشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في عدد من الخصائص التي تكررت في شهادات الباحثين والمراقبين:
- رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
- الجرأة في اتخاذ القرار.
- القدرة على تحويل الفرص إلى مشاريع دولة.
- الاستثمار في الإنسان قبل الحجر.
- الثقة في المؤسسات.
- الانفتاح على العالم دون التفريط في الهوية الوطنية.
- استخدام الاقتصاد والإعلام والتعليم والرياضة بوصفها أدوات متكاملة للنفوذ.
- الإيمان بأن الدولة الصغيرة تستطيع أن تكون دولة مؤثرة إذا أحسنت إدارة مواردها.
وقد رأى كثير من المراقبين أن شخصيته جمعت بين الحزم العملي والقدرة على قراءة التحولات الدولية، وهي صفات أسهمت في بناء نموذج قطري متميز.
خاتمة:
سيختلف الباحثون في تقييم بعض السياسات الخارجية أو المواقف الإقليمية التي اتخذتها قطر خلال تلك المرحلة، وهذا أمر طبيعي في قراءة أي تجربة سياسية كبيرة. لكن من الصعب إنكار أن الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ترك بصمة عميقة في تاريخ بلاده؛ إذ نجح في نقل قطر من هامش الجغرافيا إلى قلب معادلات السياسة والاقتصاد والطاقة والإعلام على المستوى الدولي.
لقد أثبت أن حجم الدولة لا يقاس بمساحتها ولا بعدد سكانها، وإنما بوضوح رؤيتها، وجودة مؤسساتها، وحسن استثمار مواردها، وكفاءة قيادتها. ولهذا سيبقى اسمه، في تقدير كثير من المؤرخين، مقترناً بمرحلة تأسيس "قطر الحديثة"، وبناء نموذج خليجي استطاع أن يحول الثروة إلى نفوذ، والإمكانات إلى مشروع وطني، والطموح إلى حضور عالمي مستدام.
الأمير الوالد.. إرث قائد صنع نهضة الوطن ورسخ مكانة الدولة
حين يُذكر القادة الذين جمعوا بين الإيمان الراسخ، والرؤية الثاقبة، وحكمة القيادة، يبرز اسم الأمير الوالد الشيخ حمد... اقرأ المزيد
45
| 15 يوليو 2026
أسئلة صغيرة عن رجل كبير
ماذا يُقال عن الرجال العظماء؟ لا يكفي ذكر صفاتهم ومحاسنهم وإنجازاتهم.. عظمة الرجال تأتي من الأثر الذي يخلفونه... اقرأ المزيد
30
| 15 يوليو 2026
وداعاً مؤسس قطر الحديثة
بقلوب يعتصرها الحزن نودّع من أجمع كل من يعيش على هذه الأرض الطيبة من مواطنين ومقيمين على محبته... اقرأ المزيد
36
| 15 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في رحيل الرجال العظام لا تُطوى صفحة من تاريخ البشرية، بل يُفتح فصلٌ جديد في ذاكرة الأمم. وحين يترجل قائد بحجم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طيب الله ثراه، فإن الحديث لا يكون عن سيرة رجلٍ فحسب، بل عن قصة وطن أعاد تعريف نفسه بطريقة مختلفة، وعن إرثٍ تجاوز جميع الحدود والجغرافيا ليترك أثره في الإنسان أينما كان. رحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وبقيت بصماته شاهدة على مرحلةٍ صنعت الفارق في تاريخ قطر الحديث والمنطقة والعالم. لقد كان رحمه الله من أولئك القادة الذين لا يكتفون بإدارة الحاضر، بل يغامرون بصناعة المستقبل. وحين تسلم زمام المسؤولية والقيادة عام 1995، كانت قطر دولة واعدة، لكنه رأى فيها ما هو أبعد من ذلك بكثير، رأى وطناً قادراً على أن يكون رقماً مهماً وصعباً في الاقتصاد والسياسة والإعلام والتعليم والتنمية الإنسانية ونصرة المظلوم وصوتاً للحرية. ومن الإنصاف للتاريخ أن يُقال إن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله لم يبنِ مشاريع إسمنت وحديد فقط، بل بنى ما هو أهم، بنى الفكرة. فكرة أن الدولة الصغيرة في مساحتها يمكن أن تكون كبيرة في تأثيرها، وأن الثروة الحقيقية ليست في الغاز والنفط وحدهما، بل في الإنسان والعلم والمعرفة والاستثمار في العنصر البشري. ولذلك شهدت قطر في عهده نهضة تعليمية غير مسبوقة وتحولت إلى مركز عالمي للجامعات والبحوث والابتكار، فصارت المعرفة جزءاً من مشروعها الوطني لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات. ولم يقتصر اهتمامه بالتعليم على أبناء وطنه فحسب، بل امتد أثره إلى آلاف المدارس والمبادرات التعليمية حول العالم. فقد آمن بأن التعليم هو الطريق الأقصر لمكافحة الفقر والجهل وفتح آفاق المستقبل أمام الشعوب، فدعمت قطر في عهده برامج ومشروعات تعليمية وصلت إلى ملايين الأطفال والشباب في مناطق عديدة من العالم، ومنحت فرصة التعلم لمن حُرموا منها بسبب الحروب أو الفقر أو النزوح. وهكذا تحولت رسالة التعليم من مشروع وطني إلى رسالة إنسانية عابرة للحدود، كان أثرها ممتداً في حياة أجيال كاملة ستبقى شاهدة على هذا العطاء. وفي الجانب الإنساني لم يكن حضوره مقتصراً على حدود وطنه. فقد امتدت يد قطر إلى مناطق الأزمات والكوارث، حاملةً الغذاء والدواء والتعليم والأمل. وساهمت في دعم الشعوب المنكوبة ورعاية اللاجئين، وتمويل المبادرات التنموية حول العالم، حتى أصبحت المساعدات الإنسانية القطرية عنواناً معروفاً في كثير من بقاع الأرض. لقد آمن رحمه الله بأن قيمة الدول تُقاس أيضاً بما تمنحه للإنسانية من خير ورحمة. أما في الإعلام فقد ارتبط اسمه بتحولٍ تاريخي غيّر المشهد الإعلامي العربي بشكل خاص والعالمي بشكل عام، حين انطلقت تجربة إعلامية جعلت من حرية الرأي والنقاش مساحةً أوسع مما عرفته المنطقة من قبل، فكان لذلك أثره العميق في تشكيل الوعي العام وإيصال الصوت الذي كان لا يجد طريقاً للوصول. واقتصادياً قاد مشروعاً استراتيجياً جعل قطر من أبرز القوى الاقتصادية العالمية في مجال الغاز الطبيعي المسال، وفتح أبواب الاستثمار الدولي على مصراعيها، حتى أصبحت الدوحة اسماً حاضراً في كبريات الأسواق والمؤسسات المالية العالمية. ولم يكن ذلك مجرد نجاح اقتصادي، بل كان بناءً طويل الأمد لأجيالٍ قادمة. وفي ميدان السياسة والدبلوماسية والوساطات رسخ نهجاً جعل من الحوار والوساطة وسيلةً لحل النزاعات وتقريب وجهات النظر. فغدت قطر لاعباً مؤثراً في ملفات إقليمية ودولية معقدة، واستحقت مكانةً تفوق الجميع وتفوق حجم الدول جغرافياً. ومن المواقف التي ستبقى علامة فارقة في مسيرته السياسية قراره التاريخي بتسليم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2013، في خطوة جسدت إيماناً راسخاً بتجدد القيادة واستمرارية الدولة، وقدمت نموذجاً حضارياً نادراً للتداول السلس للمسؤولية، مؤكدةً أن بناء الدول لا يكتمل بصناعة الإنجازات فحسب، بل بضمان استدامتها وانتقالها بأمان وثقة إلى الأجيال اللاحقة. كما أدرك مبكراً رحمه الله أن الرياضة لغة عالمية توحد الشعوب، فكان من مهندسي المسار الذي أوصل قطر إلى استضافة كأس العالم 2022، الحدث الذي لم يكن بطولة رياضية فحسب، بل رسالة حضارية عرّفت العالم بالثقافة الإسلامية والعربية والخليجية وقدرة المنطقة على تنظيم أكبر الأحداث الدولية. واليوم ونحن نودع الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فإننا لا نرثي رجلاً غاب جسده، بل نستحضر إرثاً سيبقى حياً في التعليم الذي أُسس، والمستشفيات التي شُيدت، والفرص التي خُلقت، والوساطات التي أوقفت النزاعات وإزهاق الأرواح، والأفكار التي ألهمت أجيالاً كاملة. رحل القائد لكن أثره باقٍ. ورحل الإنسان لكن ما زرعه في وطنه وفي وجدان شعبه وفي صفحات التاريخ سيظل ينبض بالحياة. فبعض الرجال تنتهي أعمارهم لكن أعمالهم تواصل السير نيابةً عنهم. والوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني واحد من أولئك الذين كتبوا أسماءهم لا بالحبر بل بالأثر. رحم الله الفقيد بواسع رحمته وجزاه عن قطر وأمتها والإنسانية خير الجزاء. فكما جاء في الحديث الشريف: (خيرُ الناس أنفعهم للناس)، وأنا أشهد أمام الله بذلك. وجاء في الحديث أيضاً: (إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ يُنتفعُ به، وولدٍ صالحٍ يدعو له). وأشهد كذلك أمام الله بما رأيت بعيني أنه قدم لهذا الدين وللإنسانية الشيء الكثير من صدقاتٍ ومساعداتٍ وعلومٍ ومراكز ومساجد، وبهذا كلنا نكون أبناءً له ندعو له جميعاً. أما عنوان المقال فهو جزء من حديثه رحمه الله في لقاء تلفزيوني يصف فيه قطر للعالم.
1842
| 14 يوليو 2026
عندما ترتفع المخاطر الجيوسياسية، لا تحتاج التجارة العالمية إلى إغلاق الممرات البحرية حتى ترتفع تكاليف الشحن. فمجرد عودة التوترات كفيل بزيادة أقساط التأمين وارتفاع ما يُعرف بعلاوة المخاطر، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة نقل البضائع، حتى لو استمرت السفن في العبور بصورة طبيعية. وهذا ما نشهده اليوم مع عودة التوتر إلى مضيق هرمز، حيث بقيت الملاحة مستمرة، بينما لم تعد تكاليف الشحن والتأمين إلى مستوياتها السابقة. فالمشكلة اليوم لم تعد تتمثل في احتمال إغلاق المضيق بقدر ما تتمثل في استمرار حالة عدم اليقين، وما تفرضه من تكاليف إضافية تنتقل تدريجياً عبر سلاسل الإمداد إلى المستوردين، ثم إلى الأسواق، وصولاً إلى المستهلك النهائي. وفي قطر، لا يقتصر أثر هذه الزيادات على شركات الاستيراد، بل يمتد إلى قطاعات واسعة تعتمد على الواردات، مثل مواد البناء والتشطيب، والأثاث، والأجهزة المنزلية، والسيارات وقطع الغيار، وغيرها من السلع التي تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكلفة المشروعات وتكلفة المعيشة. ومن هنا يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن الحد من هذه الأعباء إلى أن تستعيد أسواق النقل البحري والتأمين استقرارها الكامل؟ قبل الإجابة، من المهم التفريق بين نوعين من الحلول. فهناك حلول استراتيجية بعيدة المدى، مثل تنويع مسارات التجارة، وتعزيز الأمن اللوجستي، وتقليل الاعتماد على أي ممر بحري واحد، وهي خيارات ضرورية لكنها تحتاج إلى سنوات من التخطيط والاستثمار. أما المرحلة الحالية، فتتطلب إجراءات تشغيلية سريعة ومؤقتة تحد من ارتفاع التكلفة وتحافظ على انسياب الواردات. ولعل أسرع هذه الإجراءات يتمثل في تشغيل ميناء حمد، والجمارك، والجهات الرقابية على مدار الساعة خلال الفترة الحالية. فكل يوم إضافي تقضيه الحاوية داخل الميناء يعني ارتفاعاً في تكاليف التخزين والتمويل، وتأخيراً في وصول البضائع إلى الأسواق. ولذلك، فإن تسريع دورة الإفراج عن الشحنات يعد من أكثر الوسائل فعالية في خفض التكلفة. ويأتي بعد ذلك تخفيض رسوم المناولة والخدمات المينائية بصورة مؤقتة لمدة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، حتى تستعيد أسواق النقل البحري توازنها. كما يمكن إعفاء الحاويات التي تأخرت بسبب اضطرابات الملاحة من رسوم الأرضيات والتخزين، لأن هذه الرسوم ترتبت نتيجة ظروف استثنائية لم يكن المستورد مسؤولاً عنها. ومن الأفكار التي تستحق الدراسة أيضاً تشجيع المستوردين على حجز سعات الشحن بصورة جماعية. ولا يعني ذلك توحيد البضائع أو الموردين، وإنما توحيد القوة التفاوضية مع شركات الملاحة. فكلما ارتفع حجم الحجوزات، زادت القدرة على الحصول على أسعار أفضل، وأولوية في الحجز، وشروط نقل أكثر مرونة، وهو ما يفيد على وجه الخصوص الشركات الصغيرة والمتوسطة. كما قد ينعكس ذلك إيجاباً على تكلفة التأمين نتيجة تحسن شروط التفاوض. أما التأمين البحري، فقد أصبح يمثل جزءاً متزايداً من تكلفة الاستيراد. ومن هنا، يمكن لشركات التأمين المحلية أن تؤدي دوراً أكبر عبر التفاوض الجماعي مع شركات إعادة التأمين العالمية للحصول على شروط أكثر ملاءمة، مستفيدة من متانة الاقتصاد القطري واستقرار بيئته التشغيلية، بدلاً من تفاوض كل مستورد بصورة منفردة. ومن المناسب كذلك تشكيل فريق عمل لوجستي مؤقت يضم وزارة التجارة والصناعة، والجمارك، وميناء حمد، وغرفة تجارة وصناعة قطر، إلى جانب ممثلين عن شركات الملاحة والتأمين، لمتابعة تطورات سلاسل الإمداد بصورة يومية، والتدخل السريع لمعالجة أي اختناقات تشغيلية قبل أن تتحول إلى أعباء اقتصادية أكبر. وجميع هذه المقترحات يجمعها هدف واحد؛ فهي إجراءات استثنائية لمعالجة ظرف استثنائي، وليست تغييرات دائمة في السياسة الاقتصادية، وتنتهي تلقائياً عندما تعود تكاليف الشحن والتأمين إلى مستوياتها الطبيعية. أما الحلول الاستراتيجية، مثل تنويع مسارات التجارة، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، فهي تستحق نقاشاً مستقلاً، لأنها تعالج جذور المشكلة، بينما تعالج الإجراءات السابقة آثارها المباشرة. لقد أثبتت قطر في أكثر من مناسبة قدرتها على التعامل بكفاءة مع التحديات اللوجستية، بفضل بنيتها التحتية المتطورة ومؤسساتها القادرة على اتخاذ القرار بسرعة. واليوم، لا يحتاج الاقتصاد إلى برامج دعم واسعة، بقدر ما يحتاج إلى إجراءات تشغيلية ذكية ومؤقتة تخفف تكلفة وصول السلع إلى السوق المحلية، وتحافظ على تنافسية الشركات، وتحد من انتقال الضغوط التضخمية إلى المستهلك. فكل ريال يُوفَّر في تكلفة النقل أو التخزين أو التأمين ينعكس في النهاية على تكلفة المعيشة، ويعزز قدرة الاقتصاد على تجاوز هذه المرحلة بأقل الخسائر، إلى أن تستعيد أسواق الشحن العالمية استقرارها الكامل. فالتعامل مع الأزمات لا يكون بردود الفعل فقط، بل بالاستعداد لها، وتقليل كلفتها، وتحويل التحديات إلى فرص لتعزيز كفاءة الاقتصاد ومرونته.
1605
| 11 يوليو 2026
لعل أسوأ ما قدمته بطولة كأس العالم الحالية هو بروز الحالة البالوجونية، نسبةً للاعب المنتخب الأمريكي: فولارين بالوجون. وهي حالةٌ تقوم على التعامل مع الاتحاد الدولي لكرة القدم وكأنه دولة في القرون الوسطى يحكمها فرد كما يشاء دون اهتمام بقوانين أو أعراف أو مشاعر ومصالح وآمال الآخرين. فرغم ما كانت تتعرض له الفيفا سابقاً من انتقادات، إلا أنها ظلت محافظةً على الحد الأدنى لمظهرها كمنظمةٍ ترعى رياضة كرة القدم دولياً، وحرصت دائمًا على أن تكون الحكم العادل في الخلافات بشأن اللعبة ومبارياتها. ولم يكن أحدٌ يتوقع أن تبلغ التجاوزات حد الاستهانة العلنية بقوانين اللعبة وأخلاقياتها كما فعل رئيسها جياني إنفانتينو. كان على إنفانتينو، قبيل انطلاق البطولة، التأكيد على أن الرياضة هي النقطة التي تتوقف عندها التأثيرات السياسية، وهي المظلة التي تلتقي تحتها الشعوب وتتنافس بنديةٍ. ولكنه صمت عن التجاوزات بحق الحكام والإعلاميين والإداريين الذين منعوا من دخول الولايات المتحدة. وكان هذا الصمت ثم تبرير ما حدث بحجج واهية هو السبب في الانهيار النسبي لشعبية البطولة دوليًا، لأن معظم عشاق اللعبة أدركوا أن طعنةً أصابتها في صميم أخلاقياتها التي تجمعهم. يجب علينا القول إن الفيفا في عهد إنفانتينو أصبحت مظهراً للفردية الديكتاتورية في مجال كرة القدم، فكان إلغاء البطاقة الحمراء التي تلقاها المهاجم الأمريكي فولارين بالوجون أمام البوسنة، وإسقاط عقوبة الإيقاف عنه ليشارك في مباراة بلجيكا هو المظهر الأبرز لتلك الفردية. ومناقشة ذلك كمخالفةٍ قانونيةٍ هو أمرٌ يبعث على الملل والشعور بعدم احترام عقولنا، لأن رئاسة الفيفا هي الجهة التي ارتكبت المخالفة. ورغم الاحتجاجات الدولية، لم يقم إنفانتينو بتبرير الأمر أو تقنينه، وكأن قراره لا يمكن لأحد مناقشته أو الاعتراض عليه. ثم جاءت مباراة مصر والأرجنتين لتخبرنا بأن هناك مسارات غير رياضية أدخل فيها إنفانتينو كرة القدم، والتي تتمثل في جماعات ضغط اقتصادية تعمل في مجال المراهنات الدولية، وتعتمد على وجوب استمرار منتخبات بعينها في المنافسة بغضِّ النظر عن خسارتها الفعلية لو خضعت مبارياتها لتحكيم نزيه غير خاضع لإملاءات إنفانتينو الخاضع بدوره لجهات لها مصالح عظمى في عدم نزاهة التحكيم. المخالفات علنيةٌ وكثيرةٌ جدًا، وليست المشكلة في السكوت أو عدم السكوت عنها، وإنما هي أن الشكوى ترفع للفيفا، وتكون على الحكام، ولا توجد آلية تخضع رئاسة الفيفا نفسها للمحاسبة القانونية. ومع وقوفنا مع الاتحاد المصري في شكواه، وانتظارنا لما ستسفر عنه مطالبات أعضاء في البرلمان الأوروبي بالتحقيق مع إنفانتينو، لكننا، للأسف، ندرك جيداً أن الحالة البالوجونية ستستمر، ولا يمكن التحكم فيها. الحل، ليس في الشكوى وإنما في العمل على توسيع دور المحكمة الرياضية الدولية ليشمل النظر والحكم في الخلافات مع الفيفا والشكاوى ضدها. وهذا الأمر ليس ترفًا فكريًا، وإنما هو واجبٌ على المختصين القانونيين في الرياضة لمنع استفحال الحالة البالوجونية التي تهدد لعبة الجماهير الأولى في العالم. كلمة أخيرة: البالوجونية، ليست سلوكياتٍ فرديةً، وإنما هي منظومةٌ أخلاقيةٌ فاسدةٌ تقتل الروح الرياضية، وتدمر الأمل في كون الرياضة عنصرًا يجمع الشعوب.
1536
| 12 يوليو 2026