رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

المحامي خالد محمد الحرمي

مساحة إعلانية

مقالات

1662

المحامي خالد محمد الحرمي

موافقة المريض على العملية لا تعفي الطبيب من المسؤولية

15 أغسطس 2026 , 11:04م

لا تنحصر رسالة القضاء في الفصل في الخصومات وإصدار الأحكام بين أطرافها، بل تمتد إلى ترسيخ المبادئ التي تحمي المجتمع، وتضبط الممارسات المهنية، وتعيد التوازن كلما اختل بين صاحب الخبرة الفنية ومن يضع ثقته فيه.

وقد صدر الحكم محل هذا المقال عن هيئة قضائية موقرة بمحكمة الاستئناف، برئاسة القاضي المحترم ناصر الدوسري، الأمر الذي يمنح ما ورد في حيثياته أهمية قضائية جديرة بالدراسة، وإبراز ما تحمله من رسائل للمجتمع والوسطين الطبي والقانوني.

فالحيثيات لم تقف عند حدود الواقعة المعروضة على المحكمة، وإنما تناولت مسائل تتصل مباشرة بسلامة المرضى، وحدود المسؤولية الطبية، وضوابط الموافقة المستنيرة، ومخاطر الجمع بين التدخلات الجراحية، وواجبات الأطباء والمنشآت والجهات المنظمة للمهنة.

ومن هذا المنطلق، تستحق الرسائل التي تضمنها الحكم أن تُقرأ بعناية وأن يُسلط عليها الضوء، تقديرًا للرسالة العظيمة التي يضطلع بها القضاء، واعترافًا بالدور الذي قامت به الهيئة القضائية الموقرة في استخلاص ضوابط تتجاوز أطراف المنازعة لتهم المجتمع بأسره.

وفي حدود ما تكشف عنه حيثيات الحكم، يمكن القول إن رسالته الأساسية كانت واضحة: 

سلامة الإنسان ليست محل مساومة، والموافقة الطبية لا تتحول إلى وسيلة لإعفاء الطبيب أو المنشأة من المسؤولية عن الخطأ أو التقصير.

الموافقة ليست صك براءة.

أولى الرسائل التي أكدها الحكم أن توقيع المريض على إقرار بالموافقة على التدخل الطبي أو الجراحي لا يمثل صك براءة مطلقًا للطبيب، ولا سندًا قانونيًا لإعفائه من المسؤولية عن أخطائه المهنية. فثمة فارق جوهري بين أن يقبل المريض المخاطر الطبيعية والمعتادة الملازمة لإجراء طبي نُفذ وفق الأصول العلمية، وبين أن يُطلب منه تحمل نتائج الإهمال، أو التقصير، أو سوء التقدير، أو مخالفة واجبات المهنة.

قد يقبل المريض احتمال وقوع مضاعفات لا يمكن تجنبها رغم بذل العناية الطبية الواجبة، لكنه لا يقبل- ولا يجوز قانونًا افتراض قبوله- أن يتحمل نتائج تدخل لم يُقدر على نحو صحيح، أو عملية لم تكن ملائمة لحالته، أو جمع عدة إجراءات على نحو يضاعف الخطر، أو رعاية لاحقة لم تكن بالمستوى الذي تقتضيه سلامته.

ولهذا جاءت رسالة الهيئة القضائية الموقرة حاسمة: 

الإقرار الصادر عن المريض لا يحجب المسؤولية متى ثبت الخطأ الطبي والضرر وعلاقة السببية بينهما.

من التوقيع الشكلي إلى الموافقة المستنيرة

الموافقة الطبية الصحيحة ليست ورقة تُقدم للمريض للتوقيع عليها قبل دقائق من العملية، وليست عبارات عامة مطبوعة سلفًا تقرر أنه يتحمل جميع النتائج والمضاعفات مهما كان سببها.

الموافقة التي يعتد بها قانونًا وأخلاقيًا هي الموافقة المستنيرة، أي الموافقة التي تصدر عن مريض أدرك حقيقة الإجراء، وفهم طبيعته ومخاطره ومضاعفاته وبدائله، ثم اتخذ قراره عن علم وإرادة حرة.

ويقتضي ذلك أن يُبصر المريض بوضوح بما يلي:

طبيعة التدخل الطبي أو الجراحي - الغرض منه والنتيجة المتوقعة - المخاطر الأساسية والمضاعفات المحتملة - البدائل العلاجية أو الجراحية المتاحة - احتمال الحاجة إلى تدخلات أو إجراءات إضافية - طبيعة الرعاية اللاحقة ومدة الإقامة المتوقعة- النتائج التي قد تترتب على رفض الإجراء أو تأجيله.

كما يجب أن تستند الموافقة إلى تقييم حقيقي للحالة الصحية، يشمل التاريخ المرضي، والأمراض المزمنة، والعمليات السابقة، والحساسية الدوائية، والفحوصات اللازمة ونتائجها، ومدى ملاءمة المريض للتدخل المقترح.

وبذلك يكون الحكم قد نقل الموافقة الطبية من مفهومها الشكلي القائم على مجرد التوقيع إلى مفهومها الموضوعي القائم على العلم والفهم وحرية الاختيار.

المريض ليس طرفًا متكافئًا دائمًا

تكتسب هذه الحماية أهمية إضافية لأن المريض لا يكون في كثير من الحالات في مركز مساوٍ للطبيب أو المنشأة الطبية من حيث المعرفة والخبرة والقدرة على تقدير المخاطر.

وقد يكون المريض عند توقيع النموذج تحت ضغط نفسي، أو أمام خيارات علاجية محدودة، أو معتمدًا اعتمادًا كاملًا على ما يقدمه إليه الطبيب من معلومات وتوصيات. 

ومن ثم، لا يصح التعامل مع توقيعه كما لو كان نتيجة مفاوضات متكافئة بين طرفين يملكان القدر ذاته من المعرفة والقدرة على التقدير.

واستخدام نموذج أُعد مسبقًا لإعفاء الطبيب أو المنشأة من نتائج التقصير، بدلًا من استخدامه لتبصير المريض، يفرغ الموافقة من وظيفتها القانونية والأخلاقية، وقد يحولها إلى صورة من صور الإذعان والتعسف في استعمال الحق.

فالطبيب والمنشأة الطبية يملكان المعرفة الفنية والقدرة على تحديد المخاطر، بينما يضع المريض ثقته فيهما طلبًا للعلاج أو التحسين. وهذه الثقة تفرض واجبًا أكبر في الإفصاح والحماية، لا وسيلة للحصول على تنازل مسبق عن المسؤولية.

رغبة المريض لا تبيح تجاوز حدود الأمان

من الرسائل المهمة التي أبرزها الحكم أن رغبة المريض، مهما كانت واضحة أو ملحة، لا تعفي الطبيب من مسؤوليته المهنية.

فإذا طلب المريض تدخلًا تجميليًا لا يتناسب مع حالته الصحية، أو أصر على جمع مجموعة من العمليات التي ترفع مستوى الخطر إلى حد غير مقبول، وجب على الطبيب أن يرفض التنفيذ.

فالطبيب ليس مجرد منفذ لرغبات المريض، وإنما صاحب مهنة تحكمها الأصول العلمية وواجبات العناية والضمير المهني. وواجبه لا يقتصر على حسن إجراء العملية، بل قد يتمثل- في بعض الحالات- في الامتناع عن إجرائها أصلًا.

إن سلامة الجسد وحماية الحياة مقدمتان على كل اعتبار تجميلي أو رغبة اختيارية. ولا يجوز أن تتحول موافقة المريض إلى ترخيص للطبيب بتجاوز الحدود التي تقررها العلوم الطبية والممارسات المهنية المستقرة.

ومن هنا تتجلى إحدى أهم رسائل القضاء: حرية المريض في الاختيار تقابلها مسؤولية الطبيب في التقدير، ولا تسقط الثانية بمجرد ممارسة الأولى.

الخطر التراكمي عند جمع العمليات

تناولت الهيئة القضائية الموقرة مسألة شديدة الأهمية في مجال التدخلات التجميلية، وهي الجمع بين عدد من العمليات في جلسة واحدة.

والرسالة هنا دقيقة ومتوازنة: الجمع بين العمليات ليس محظورًا لمجرد التعدد، لكنه لا يصبح آمنًا لمجرد أن كل عملية منها جائزة إذا نُظر إليها منفردة.

المعيار الصحيح هو تقدير الخطر التراكمي الناتج عن مجموع التدخلات، مع مراعاة:

عدد العمليات- حجم كل تدخل - مدة التخدير والعمل الجراحي - نطاق التدخلات التي تُجرى في الجلسة الواحدة - الحالة الصحية الخاصة بالمريض - قدرة المنشأة على توفير الرعاية اللازمة - المضاعفات المحتملة الناتجة عن اجتماع التدخلات - مدى ملاءمة إجراء العمليات دفعة واحدة أو تقسيمها على مراحل.

وقد يكون كل إجراء مقبولًا منفردًا، لكن جمعه مع غيره في جلسة واحدة يرفع المخاطر إلى مستوى لا تسمح به مقتضيات السلامة. وعندئذ يجب تقسيم التدخلات على مراحل أو الامتناع عن بعضها.

وهنا تبرز رسالة قضائية جديرة بالتأمل: الجواز التنظيمي لا يغني عن التقدير الطبي الفردي، والسرعة أو الراحة الإجرائية لا يجوز أن تتقدم على واجب الحيطة المشددة.

الجراحة الاختيارية تستوجب عناية أشد

كلما كان التدخل اختياريًا ولا تفرضه ضرورة علاجية عاجلة، ازداد واجب الطبيب في التحوط والتأكد من أن المنفعة المتوقعة تبرر المخاطر المحتملة.

فالعمليات التجميلية لا تُجرى في الأصل لإنقاذ حياة في ظرف طارئ، وإنما تستهدف غالبًا تحسين مظهر أو تحقيق رغبة شخصية. ولذلك لا يجوز التساهل في تقييم ملاءمتها أو قبول مخاطر غير مبررة.

ويجب ألا يُفهم من رضا المريض أنه تنازل عن حقه في السلامة، أو قبول منه بأي مستوى من المخاطر. فالموافقة لا تصحح إجراءً غير مأمون، ولا تحول المخالفة المهنية إلى ممارسة مشروعة.

والواجب في هذا النوع من التدخلات لا يقتصر على الإجابة عن سؤال: «هل يمكن إجراء العملية؟»، بل يمتد إلى السؤال الأهم: «هل ينبغي إجراء العملية لهذا المريض، بهذه الصورة، وفي هذا التوقيت، ومع هذه المجموعة من التدخلات؟»

الرعاية اللاحقة جزء من الالتزام الطبي

من أبرز ما أكدته حيثيات الحكم أن الرعاية اللاحقة لا تنفصل عن العملية الجراحية ذاتها.

فنجاح التدخل داخل غرفة العمليات لا يكفي وحده للقول بأداء الالتزام الطبي على الوجه الصحيح، إذ قد تنشأ المسؤولية عن قصور المراقبة، أو التأخر في اكتشاف المضاعفات، أو التعجل في إخراج المريض، أو عدم توفير الإقامة الطبية المناسبة.

ولا يصح اعتبار قدرة المريض على الأكل أو الشرب أو المشي دليلًا قاطعًا على سلامته أو كفاية الرعاية المقدمة له، فبعض المضاعفات الجسيمة لا تظهر فورًا، وقد تتطلب مراقبة دقيقة لفترة تتناسب مع طبيعة العمليات وحجمها ومخاطرها.

وهكذا ينظر الحكم إلى العلاج بوصفه مسارًا متكاملًا يبدأ بالتقييم السابق للعملية، ويمر بالموافقة المستنيرة والتنفيذ، ولا ينتهي إلا باستكمال الرعاية والمتابعة اللازمة.

فالالتزام الطبي لا يتجزأ، ولا يجوز فصل العمل الجراحي عن الظروف التي سبقته أو الرعاية التي أعقبته عند بحث المسؤولية.

عمليات اليوم الواحد ليست وصفًا كافيًا للسلامة،

إدراج تدخل معين ضمن عمليات اليوم الواحد لا يعني أن خروج كل مريض في اليوم ذاته أصبح آمنًا بصورة تلقائية.

فالتنظيم العام لا يغني عن تقييم الحالة الفردية، ولا يعفي الطبيب أو المنشأة من تحديد مدة الإقامة التي تتطلبها حالة المريض وطبيعة التدخلات التي خضع لها.

وقد أظهرت رسائل الحكم أن معيار الخروج لا ينبغي أن يقوم على مؤشرات ظاهرية محدودة، وإنما على تقييم طبي متكامل يراعي احتمالات المضاعفات، وعدد التدخلات، وحجمها، والحالة الصحية العامة للمريض.

فالقاعدة التنظيمية تضع إطارًا عامًا، أما قرار الخروج فهو قرار طبي مهني يجب أن يستند إلى السلامة الفعلية لا إلى مجرد استيفاء إجراء شكلي.

مسؤولية المنشأة الطبية

لا تنحصر المسؤولية في الطبيب الذي أجرى العملية، بل تمتد- وفق ظروف كل حالة- إلى المنشأة الطبية التي أجري فيها التدخل.

فالمنشأة مسؤولة عن:

توفير الإمكانات الطبية اللازمة - اختيار الكوادر المؤهلة - وضع نظم تضمن تقييم المرضى قبل التدخل - اعتماد نماذج سليمة للموافقة المستنيرة- تنظيم الجمع بين العمليات - توفير الرعاية والمراقبة اللاحقة - وضع معايير آمنة للخروج - الاستجابة للمضاعفات في الوقت المناسب.

ولا يجوز للمنشأة أن تستخدم توقيع المريض وسيلة للتنصل من واجباتها التنظيمية والمهنية، لأن مسؤوليتها تنشأ من التزاماتها المستقلة في توفير بيئة علاجية آمنة.

رسالة إلى الجهات المنظمة للمهنة

لم تقتصر رسائل الحكم على مسؤولية الطبيب أو المنشأة، بل امتدت إلى الجهات الطبية المختصة بتنظيم المهنة والإشراف عليها.

فقد أهابت الهيئة القضائية الموقرة بالجهات الطبية إعادة النظر في الضوابط المنظمة لتعدد العمليات في الجلسة الواحدة، ودراسة إجرائها على مراحل كلما اقتضت السلامة ذلك، مع تقرير حد أدنى مناسب للإقامة الطبية بعد التدخلات المعقدة.

كما أكدت أهمية إحاطة الجهات المختصة بالأحكام النهائية الصادرة بإدانة الأطباء، حتى تتمكن من مباشرة اختصاصها التنظيمي والمهني، واتخاذ ما يلزم لحماية المرضى وصون مستوى الممارسة الطبية.

وهذه رسالة مهمة مفادها بأن الأحكام القضائية لا ينبغي أن تبقى حبيسة ملفات الدعاوى، بل يتعين أن تتحول- في حدود القانون والاختصاص- إلى معرفة مؤسسية تسهم في تطوير التنظيم، ومعالجة أوجه القصور، ومنع تكرار الأخطاء.

ومع ذلك، فإن الأمانة القانونية تقتضي التمييز بين المبادئ التي أقامت عليها المحكمة قضاءها، وبين ما أوردته من توصيات موجهة إلى الجهات المختصة. فعبارات مثل «تهيب المحكمة» و«جدير بالجهات الطبية» تحمل رسالة تنظيمية بالغة الأهمية، وإن لم تكن في ذاتها أوامر تنفيذية موجهة إلى جهة كانت طرفًا في الخصومة.

القضاء شريك في حماية المجتمع

تكشف هذه الحيثيات عن الدور الحضاري للقضاء في حماية الإنسان وترسيخ الثقة في المهن الطبية.

فالقضاء لا يعادي الطبيب، ولا يحل نفسه محل الخبرة الطبية، وإنما يضع الإطار القانوني الذي يضمن ممارسة الطب وفق غايته الأصيلة: حماية الحياة، وصون الجسد، وتخفيف الألم، واحترام إرادة المريض.

كما أن مساءلة الطبيب عند ثبوت الخطأ لا تنتقص من مكانة المهنة، بل تحميها من الممارسات التي تسيء إليها، وتعزز ثقة المجتمع في الأطباء والمنشآت الملتزمة.

ومن واجبنا، كمشتغلين بالقانون، أن نسلط الضوء على هذه الرسائل؛ اعترافًا برسالة القضاء العظيمة في ترسيخ المبادئ التي تحمي المجتمع، وتقديرًا للهيئة القضائية الموقرة بمحكمة الاستئناف، برئاسة القاضي المحترم ناصر الدوسري، التي لم تقف في حيثياتها عند حدود الفصل في المنازعة، بل قدمت رؤية تتجاوز الخصوم إلى المصلحة العامة.

الخاتمة

الخلاصة التي يحملها الحكم أن الموافقة الطبية ليست مجرد توقيع، وأن رغبة المريض ليست ترخيصًا بتجاوز الأصول، وأن جواز العملية منفردة لا يعني بالضرورة سلامة جمعها مع غيرها، وأن الرعاية اللاحقة جزء لا يتجزأ من الالتزام الطبي.

كما يؤكد الحكم أن الطبيب لا يُسأل فقط عن كيفية تنفيذ الإجراء، بل عن قراره بإجرائه أصلًا، وعن مدى ملاءمته للمريض، وعن المخاطر التراكمية الناتجة عن جمعه مع تدخلات أخرى، وعن كفاية الرعاية التي أعقبت العملية.

وأبلغ رسائل الحكم أن حماية الإنسان تسبق كل إجراء اختياري، وأن السلامة الجسدية لا يجوز أن تكون محل تنازل أو إعفاء مسبق من المسؤولية.

إنها رسائل قضائية جديرة بالنشر والنقاش والاستفادة منها في تطوير الممارسة الطبية والنظم التنظيمية، حتى تتحول المبادئ التي أرستها العدالة إلى ضمانات عملية يشعر بها كل مريض، ويلتزم بها كل ممارس، وتصون بها الجهات المختصة صحة المجتمع وكرامة الإنسان.

مقالات ذات صلة

مساحة إعلانية