رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا تنحصر رسالة القضاء في الفصل في الخصومات وإصدار الأحكام بين أطرافها، بل تمتد إلى ترسيخ المبادئ التي تحمي المجتمع، وتضبط الممارسات المهنية، وتعيد التوازن كلما اختل بين صاحب الخبرة الفنية ومن يضع ثقته فيه.
وقد صدر الحكم محل هذا المقال عن هيئة قضائية موقرة بمحكمة الاستئناف، برئاسة القاضي المحترم ناصر الدوسري، الأمر الذي يمنح ما ورد في حيثياته أهمية قضائية جديرة بالدراسة، وإبراز ما تحمله من رسائل للمجتمع والوسطين الطبي والقانوني.
فالحيثيات لم تقف عند حدود الواقعة المعروضة على المحكمة، وإنما تناولت مسائل تتصل مباشرة بسلامة المرضى، وحدود المسؤولية الطبية، وضوابط الموافقة المستنيرة، ومخاطر الجمع بين التدخلات الجراحية، وواجبات الأطباء والمنشآت والجهات المنظمة للمهنة.
ومن هذا المنطلق، تستحق الرسائل التي تضمنها الحكم أن تُقرأ بعناية وأن يُسلط عليها الضوء، تقديرًا للرسالة العظيمة التي يضطلع بها القضاء، واعترافًا بالدور الذي قامت به الهيئة القضائية الموقرة في استخلاص ضوابط تتجاوز أطراف المنازعة لتهم المجتمع بأسره.
وفي حدود ما تكشف عنه حيثيات الحكم، يمكن القول إن رسالته الأساسية كانت واضحة:
سلامة الإنسان ليست محل مساومة، والموافقة الطبية لا تتحول إلى وسيلة لإعفاء الطبيب أو المنشأة من المسؤولية عن الخطأ أو التقصير.
الموافقة ليست صك براءة.
أولى الرسائل التي أكدها الحكم أن توقيع المريض على إقرار بالموافقة على التدخل الطبي أو الجراحي لا يمثل صك براءة مطلقًا للطبيب، ولا سندًا قانونيًا لإعفائه من المسؤولية عن أخطائه المهنية. فثمة فارق جوهري بين أن يقبل المريض المخاطر الطبيعية والمعتادة الملازمة لإجراء طبي نُفذ وفق الأصول العلمية، وبين أن يُطلب منه تحمل نتائج الإهمال، أو التقصير، أو سوء التقدير، أو مخالفة واجبات المهنة.
قد يقبل المريض احتمال وقوع مضاعفات لا يمكن تجنبها رغم بذل العناية الطبية الواجبة، لكنه لا يقبل- ولا يجوز قانونًا افتراض قبوله- أن يتحمل نتائج تدخل لم يُقدر على نحو صحيح، أو عملية لم تكن ملائمة لحالته، أو جمع عدة إجراءات على نحو يضاعف الخطر، أو رعاية لاحقة لم تكن بالمستوى الذي تقتضيه سلامته.
ولهذا جاءت رسالة الهيئة القضائية الموقرة حاسمة:
الإقرار الصادر عن المريض لا يحجب المسؤولية متى ثبت الخطأ الطبي والضرر وعلاقة السببية بينهما.
من التوقيع الشكلي إلى الموافقة المستنيرة
الموافقة الطبية الصحيحة ليست ورقة تُقدم للمريض للتوقيع عليها قبل دقائق من العملية، وليست عبارات عامة مطبوعة سلفًا تقرر أنه يتحمل جميع النتائج والمضاعفات مهما كان سببها.
الموافقة التي يعتد بها قانونًا وأخلاقيًا هي الموافقة المستنيرة، أي الموافقة التي تصدر عن مريض أدرك حقيقة الإجراء، وفهم طبيعته ومخاطره ومضاعفاته وبدائله، ثم اتخذ قراره عن علم وإرادة حرة.
ويقتضي ذلك أن يُبصر المريض بوضوح بما يلي:
طبيعة التدخل الطبي أو الجراحي - الغرض منه والنتيجة المتوقعة - المخاطر الأساسية والمضاعفات المحتملة - البدائل العلاجية أو الجراحية المتاحة - احتمال الحاجة إلى تدخلات أو إجراءات إضافية - طبيعة الرعاية اللاحقة ومدة الإقامة المتوقعة- النتائج التي قد تترتب على رفض الإجراء أو تأجيله.
كما يجب أن تستند الموافقة إلى تقييم حقيقي للحالة الصحية، يشمل التاريخ المرضي، والأمراض المزمنة، والعمليات السابقة، والحساسية الدوائية، والفحوصات اللازمة ونتائجها، ومدى ملاءمة المريض للتدخل المقترح.
وبذلك يكون الحكم قد نقل الموافقة الطبية من مفهومها الشكلي القائم على مجرد التوقيع إلى مفهومها الموضوعي القائم على العلم والفهم وحرية الاختيار.
المريض ليس طرفًا متكافئًا دائمًا
تكتسب هذه الحماية أهمية إضافية لأن المريض لا يكون في كثير من الحالات في مركز مساوٍ للطبيب أو المنشأة الطبية من حيث المعرفة والخبرة والقدرة على تقدير المخاطر.
وقد يكون المريض عند توقيع النموذج تحت ضغط نفسي، أو أمام خيارات علاجية محدودة، أو معتمدًا اعتمادًا كاملًا على ما يقدمه إليه الطبيب من معلومات وتوصيات.
ومن ثم، لا يصح التعامل مع توقيعه كما لو كان نتيجة مفاوضات متكافئة بين طرفين يملكان القدر ذاته من المعرفة والقدرة على التقدير.
واستخدام نموذج أُعد مسبقًا لإعفاء الطبيب أو المنشأة من نتائج التقصير، بدلًا من استخدامه لتبصير المريض، يفرغ الموافقة من وظيفتها القانونية والأخلاقية، وقد يحولها إلى صورة من صور الإذعان والتعسف في استعمال الحق.
فالطبيب والمنشأة الطبية يملكان المعرفة الفنية والقدرة على تحديد المخاطر، بينما يضع المريض ثقته فيهما طلبًا للعلاج أو التحسين. وهذه الثقة تفرض واجبًا أكبر في الإفصاح والحماية، لا وسيلة للحصول على تنازل مسبق عن المسؤولية.
رغبة المريض لا تبيح تجاوز حدود الأمان
من الرسائل المهمة التي أبرزها الحكم أن رغبة المريض، مهما كانت واضحة أو ملحة، لا تعفي الطبيب من مسؤوليته المهنية.
فإذا طلب المريض تدخلًا تجميليًا لا يتناسب مع حالته الصحية، أو أصر على جمع مجموعة من العمليات التي ترفع مستوى الخطر إلى حد غير مقبول، وجب على الطبيب أن يرفض التنفيذ.
فالطبيب ليس مجرد منفذ لرغبات المريض، وإنما صاحب مهنة تحكمها الأصول العلمية وواجبات العناية والضمير المهني. وواجبه لا يقتصر على حسن إجراء العملية، بل قد يتمثل- في بعض الحالات- في الامتناع عن إجرائها أصلًا.
إن سلامة الجسد وحماية الحياة مقدمتان على كل اعتبار تجميلي أو رغبة اختيارية. ولا يجوز أن تتحول موافقة المريض إلى ترخيص للطبيب بتجاوز الحدود التي تقررها العلوم الطبية والممارسات المهنية المستقرة.
ومن هنا تتجلى إحدى أهم رسائل القضاء: حرية المريض في الاختيار تقابلها مسؤولية الطبيب في التقدير، ولا تسقط الثانية بمجرد ممارسة الأولى.
الخطر التراكمي عند جمع العمليات
تناولت الهيئة القضائية الموقرة مسألة شديدة الأهمية في مجال التدخلات التجميلية، وهي الجمع بين عدد من العمليات في جلسة واحدة.
والرسالة هنا دقيقة ومتوازنة: الجمع بين العمليات ليس محظورًا لمجرد التعدد، لكنه لا يصبح آمنًا لمجرد أن كل عملية منها جائزة إذا نُظر إليها منفردة.
المعيار الصحيح هو تقدير الخطر التراكمي الناتج عن مجموع التدخلات، مع مراعاة:
عدد العمليات- حجم كل تدخل - مدة التخدير والعمل الجراحي - نطاق التدخلات التي تُجرى في الجلسة الواحدة - الحالة الصحية الخاصة بالمريض - قدرة المنشأة على توفير الرعاية اللازمة - المضاعفات المحتملة الناتجة عن اجتماع التدخلات - مدى ملاءمة إجراء العمليات دفعة واحدة أو تقسيمها على مراحل.
وقد يكون كل إجراء مقبولًا منفردًا، لكن جمعه مع غيره في جلسة واحدة يرفع المخاطر إلى مستوى لا تسمح به مقتضيات السلامة. وعندئذ يجب تقسيم التدخلات على مراحل أو الامتناع عن بعضها.
وهنا تبرز رسالة قضائية جديرة بالتأمل: الجواز التنظيمي لا يغني عن التقدير الطبي الفردي، والسرعة أو الراحة الإجرائية لا يجوز أن تتقدم على واجب الحيطة المشددة.
الجراحة الاختيارية تستوجب عناية أشد
كلما كان التدخل اختياريًا ولا تفرضه ضرورة علاجية عاجلة، ازداد واجب الطبيب في التحوط والتأكد من أن المنفعة المتوقعة تبرر المخاطر المحتملة.
فالعمليات التجميلية لا تُجرى في الأصل لإنقاذ حياة في ظرف طارئ، وإنما تستهدف غالبًا تحسين مظهر أو تحقيق رغبة شخصية. ولذلك لا يجوز التساهل في تقييم ملاءمتها أو قبول مخاطر غير مبررة.
ويجب ألا يُفهم من رضا المريض أنه تنازل عن حقه في السلامة، أو قبول منه بأي مستوى من المخاطر. فالموافقة لا تصحح إجراءً غير مأمون، ولا تحول المخالفة المهنية إلى ممارسة مشروعة.
والواجب في هذا النوع من التدخلات لا يقتصر على الإجابة عن سؤال: «هل يمكن إجراء العملية؟»، بل يمتد إلى السؤال الأهم: «هل ينبغي إجراء العملية لهذا المريض، بهذه الصورة، وفي هذا التوقيت، ومع هذه المجموعة من التدخلات؟»
الرعاية اللاحقة جزء من الالتزام الطبي
من أبرز ما أكدته حيثيات الحكم أن الرعاية اللاحقة لا تنفصل عن العملية الجراحية ذاتها.
فنجاح التدخل داخل غرفة العمليات لا يكفي وحده للقول بأداء الالتزام الطبي على الوجه الصحيح، إذ قد تنشأ المسؤولية عن قصور المراقبة، أو التأخر في اكتشاف المضاعفات، أو التعجل في إخراج المريض، أو عدم توفير الإقامة الطبية المناسبة.
ولا يصح اعتبار قدرة المريض على الأكل أو الشرب أو المشي دليلًا قاطعًا على سلامته أو كفاية الرعاية المقدمة له، فبعض المضاعفات الجسيمة لا تظهر فورًا، وقد تتطلب مراقبة دقيقة لفترة تتناسب مع طبيعة العمليات وحجمها ومخاطرها.
وهكذا ينظر الحكم إلى العلاج بوصفه مسارًا متكاملًا يبدأ بالتقييم السابق للعملية، ويمر بالموافقة المستنيرة والتنفيذ، ولا ينتهي إلا باستكمال الرعاية والمتابعة اللازمة.
فالالتزام الطبي لا يتجزأ، ولا يجوز فصل العمل الجراحي عن الظروف التي سبقته أو الرعاية التي أعقبته عند بحث المسؤولية.
عمليات اليوم الواحد ليست وصفًا كافيًا للسلامة،
إدراج تدخل معين ضمن عمليات اليوم الواحد لا يعني أن خروج كل مريض في اليوم ذاته أصبح آمنًا بصورة تلقائية.
فالتنظيم العام لا يغني عن تقييم الحالة الفردية، ولا يعفي الطبيب أو المنشأة من تحديد مدة الإقامة التي تتطلبها حالة المريض وطبيعة التدخلات التي خضع لها.
وقد أظهرت رسائل الحكم أن معيار الخروج لا ينبغي أن يقوم على مؤشرات ظاهرية محدودة، وإنما على تقييم طبي متكامل يراعي احتمالات المضاعفات، وعدد التدخلات، وحجمها، والحالة الصحية العامة للمريض.
فالقاعدة التنظيمية تضع إطارًا عامًا، أما قرار الخروج فهو قرار طبي مهني يجب أن يستند إلى السلامة الفعلية لا إلى مجرد استيفاء إجراء شكلي.
مسؤولية المنشأة الطبية
لا تنحصر المسؤولية في الطبيب الذي أجرى العملية، بل تمتد- وفق ظروف كل حالة- إلى المنشأة الطبية التي أجري فيها التدخل.
فالمنشأة مسؤولة عن:
توفير الإمكانات الطبية اللازمة - اختيار الكوادر المؤهلة - وضع نظم تضمن تقييم المرضى قبل التدخل - اعتماد نماذج سليمة للموافقة المستنيرة- تنظيم الجمع بين العمليات - توفير الرعاية والمراقبة اللاحقة - وضع معايير آمنة للخروج - الاستجابة للمضاعفات في الوقت المناسب.
ولا يجوز للمنشأة أن تستخدم توقيع المريض وسيلة للتنصل من واجباتها التنظيمية والمهنية، لأن مسؤوليتها تنشأ من التزاماتها المستقلة في توفير بيئة علاجية آمنة.
رسالة إلى الجهات المنظمة للمهنة
لم تقتصر رسائل الحكم على مسؤولية الطبيب أو المنشأة، بل امتدت إلى الجهات الطبية المختصة بتنظيم المهنة والإشراف عليها.
فقد أهابت الهيئة القضائية الموقرة بالجهات الطبية إعادة النظر في الضوابط المنظمة لتعدد العمليات في الجلسة الواحدة، ودراسة إجرائها على مراحل كلما اقتضت السلامة ذلك، مع تقرير حد أدنى مناسب للإقامة الطبية بعد التدخلات المعقدة.
كما أكدت أهمية إحاطة الجهات المختصة بالأحكام النهائية الصادرة بإدانة الأطباء، حتى تتمكن من مباشرة اختصاصها التنظيمي والمهني، واتخاذ ما يلزم لحماية المرضى وصون مستوى الممارسة الطبية.
وهذه رسالة مهمة مفادها بأن الأحكام القضائية لا ينبغي أن تبقى حبيسة ملفات الدعاوى، بل يتعين أن تتحول- في حدود القانون والاختصاص- إلى معرفة مؤسسية تسهم في تطوير التنظيم، ومعالجة أوجه القصور، ومنع تكرار الأخطاء.
ومع ذلك، فإن الأمانة القانونية تقتضي التمييز بين المبادئ التي أقامت عليها المحكمة قضاءها، وبين ما أوردته من توصيات موجهة إلى الجهات المختصة. فعبارات مثل «تهيب المحكمة» و«جدير بالجهات الطبية» تحمل رسالة تنظيمية بالغة الأهمية، وإن لم تكن في ذاتها أوامر تنفيذية موجهة إلى جهة كانت طرفًا في الخصومة.
القضاء شريك في حماية المجتمع
تكشف هذه الحيثيات عن الدور الحضاري للقضاء في حماية الإنسان وترسيخ الثقة في المهن الطبية.
فالقضاء لا يعادي الطبيب، ولا يحل نفسه محل الخبرة الطبية، وإنما يضع الإطار القانوني الذي يضمن ممارسة الطب وفق غايته الأصيلة: حماية الحياة، وصون الجسد، وتخفيف الألم، واحترام إرادة المريض.
كما أن مساءلة الطبيب عند ثبوت الخطأ لا تنتقص من مكانة المهنة، بل تحميها من الممارسات التي تسيء إليها، وتعزز ثقة المجتمع في الأطباء والمنشآت الملتزمة.
ومن واجبنا، كمشتغلين بالقانون، أن نسلط الضوء على هذه الرسائل؛ اعترافًا برسالة القضاء العظيمة في ترسيخ المبادئ التي تحمي المجتمع، وتقديرًا للهيئة القضائية الموقرة بمحكمة الاستئناف، برئاسة القاضي المحترم ناصر الدوسري، التي لم تقف في حيثياتها عند حدود الفصل في المنازعة، بل قدمت رؤية تتجاوز الخصوم إلى المصلحة العامة.
الخاتمة
الخلاصة التي يحملها الحكم أن الموافقة الطبية ليست مجرد توقيع، وأن رغبة المريض ليست ترخيصًا بتجاوز الأصول، وأن جواز العملية منفردة لا يعني بالضرورة سلامة جمعها مع غيرها، وأن الرعاية اللاحقة جزء لا يتجزأ من الالتزام الطبي.
كما يؤكد الحكم أن الطبيب لا يُسأل فقط عن كيفية تنفيذ الإجراء، بل عن قراره بإجرائه أصلًا، وعن مدى ملاءمته للمريض، وعن المخاطر التراكمية الناتجة عن جمعه مع تدخلات أخرى، وعن كفاية الرعاية التي أعقبت العملية.
وأبلغ رسائل الحكم أن حماية الإنسان تسبق كل إجراء اختياري، وأن السلامة الجسدية لا يجوز أن تكون محل تنازل أو إعفاء مسبق من المسؤولية.
إنها رسائل قضائية جديرة بالنشر والنقاش والاستفادة منها في تطوير الممارسة الطبية والنظم التنظيمية، حتى تتحول المبادئ التي أرستها العدالة إلى ضمانات عملية يشعر بها كل مريض، ويلتزم بها كل ممارس، وتصون بها الجهات المختصة صحة المجتمع وكرامة الإنسان.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5292
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
4116
| 10 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
4086
| 15 سبتمبر 2026