رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عالم الشهادة في المشهد المصري اليوم مزري وموجع ومؤرق، وعالم الغيب مع الأمل والعمل لله مثمر ومزهر ومورق، عالم الشهادة فيه استماتة واحتيال بالجملة بالاستبداد السياسي والفساد المالي والتحلل الأخلاقي والتخلف الحضاري، وعالم الغيب فيه تدبير آخر يقول فيه رب العزة سبحانه: "وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ" (الأنعام: من الآية 59)، ومن يدير مصر ليس السيسي الذي يحمل كل خصائص النظام البائد من كبر وعنجهية وظلم وطغيان، بل الذي يدير العالم هو الملك سبحانه فهو وحده الذي يعلم حقيقة ما يجري وما سيجري في عالمي الغيب والشهادة؛ لأنه الكبير المتعال الذي قال عن نفسه سبحانه: "عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ" (الرعد:9)، فنحن الفقراء إلى الله، الموقنون بنصر الله لأنا لا نحمل إلا الخير لعباد الله، بل لخلق الله، لأن ربنا سبحانه استعمرنا في هذه الأرض، لكن الانقلابيين والظالمين في عالم الشهادة قد طغوا وبغوا وأكثروا في الأرض الفساد، ومزَّقوا علائقنا إلا مع الكيان الصهيوني المحتل فقد جيَّر له كل خيرات مصر وحرم أهلها وأهلنا بغزة، وأشرف معهم على ضرب غزة وقتلِ أطفالنا ونسائنا ورجالنا وعلمائنا ومساجدنا ومدارسنا، وهو إلى اليوم يجيع أهلنا في غزة ويحرمهم من الوقود والسولار ولقمة الغذاء، وعلبة الدواء، ويقدم للكيان الصهيوني الغاز والبترول، وكان ولا يزال الصديق الحميم للمجرمين من قادة الصهاينة، لكن هذا المكر السيء في عالم الغيب يقابله المكر الإلهي كما جاء في قوله تعالى: "وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ" (إبراهيم:46-47)، وقال تعالى: "وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ" (فاطر: من الآية43)، فهو سبحانه عزيز على المجرمين رحيم بالمؤمنين، وأشهد الله أنني مع جولاتي في أرض الله تعالى من شرقها لغربها وشمالها لجنوبها لم أجد مثل أهل مصر إيمانا ويقينا وعزما وتصميما، ورجولة وتضحية، وصبرا ودأبا، وحمية وغيرة، وعلما وخلقا، وهؤلاء سيرحمهم الله من هذا الكيد الرهيب، والمكر الشديد المستند إلى الخارج اللدود، لكن علام الغيوب لن يرضى لمصر وأهلها بعد كل هذه التضحيات، والدماء والجراح، والرقي الحضاري في ثورتهم أن يمكنَّ للانقلابيين وفلول وأزلام النظام اللعين الذي يحكمنا بالحديد والنار والسيف البتار، لأن قوة الملك الجبار هي التي ستذل هؤلاء الأشرار، كما توعدهم بقوله سبحانه: "وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ" (إبراهيم: 15).
ونحن بحاجة قبل أي وقت مضى إلى فقه القلوب في الانتقال من الغفلة إلى استحضار القلب، ومنه إلى حضور القلب، بمعنى أن نكون أصحاب قلوب حية بذكر الله عز وجل؛ سعيا إلى درجات المقربين، وتعافيا من مقام أصحاب الشمال، وعدم الوقوف عند مقام أصحاب اليمين، وفيما يلي بعض المعالم التربوية والدعوية التي تعيننا على ذلك:
1. نحن بمسيس الحاجة أن نتضرع إلى الله لمصر وأمتنا بدعاء الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم عندما كان يطيل التضرع بقوله: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" رواه مسلم، وأن نحسن التضرع والدعاء والقنوت والإخبات خاصة مع الأدعية التي تناسب حالة القلق والتردد وكثرة الآراء واختلاط المفاهيم وانتشار الفتن.
2. أن نطيل الركوع والسجود قصداً، مع زيادة مصحوبة بالإيمان والاحتساب لعدد التسبيحات " سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى"، و"سبوح قدوس رب الملائكة والروح"، واستشعار أن الهويّ إلى السجود هو عين الارتقاء إلى ربنا الودود، ويحسن أن نقرر أن كل يوم فيه عدد وتري من التسبيحات، كأن تقول أسبح اليوم ثلاثا ثلاثا، أو خمسا خمسا، أو سبعا سبعا، وذلك حتى لا تتحول العبادات إلى عادات، مع حضور القلب، لأن السجود قمته في قوله تعالى: "واسجد واقترب" (العلق:19). ويحسن أن نطيل الدعاء أن يستعملنا الله في التمكين لدينه وإعلاء كلمته في مصر والعالم كله.
3. أن نصوم يوما كل أسبوع ونبتهل لله عند الإفطار أن يحرر مصر وبلاد المسلمين من أعداء الدين، للحديث الذي أورده السيوطي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة لا ترد دعوتهم : الإمام العادل، و الصائم حين يفطر، ودعوة المظلوم، يرفعها الله تعالى فوق الغمام، و تفتح لها أبواب السماء، و يقول الرب تبارك و تعالى : وعزتي لأنصرنك و لو بعد حين" (حديث حسن)، والصيام والدعاء هنا زاد تربوي مهم في هذه الأوقات، وضمان من الجبار سبحانه باستجابة الدعاء.
4. أن نجيد إرجاع البصر كرتين، تدبرا وتفكرا في النفس والكون، والانتقال من مرحلة كفر النعم أي جحودها "إن الإنسان لكفور" (الزخرف:15) إلى مرحلة الشكر، وهو من يشكر الله على نعم يدركها لقوله تعالى:"لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد" (إبراهيم: 7)، ومنها إلى مرحلة "الحامدين" الذين يحمدون الله في السراء والضراء، ويرون أن العطاء من العبد حرمان، وأن المنع من الله إحسان، ويستشعرون بقلوبهم وعقولهم معا: "إذا رُزق العبد الفهم في المنع عاد المنع عين العطاء"، فإذا كان ثمت توفيق فهو من الله وحده لقوله تعالى: "وما بكم من نعمة فمن الله" (النحل: 53)، وإن كان غير ذلك فمن ذنوبنا وتقصيرنا، ونستغفر الله من ذلك.
5. التجرد من الحول والطول، والقوة والغنى، والعدد والعدة، فنبذل أقصى جهدنا في تحقيق أحسن الأسباب، ونكِل النتائج كلها إلى رب الأرباب، ولا ندع طريقا إلى خير بلدنا وأمتنا إلا سلكناه، و نرضى عن الله تعالى فيما يقدره، مستعينين بالله تعالى ذي القوة المتين، وذي الجلال والإكرام، الذي بيده ملكوت كل شيء، ولا يجري في ملكه شيء لا يريده، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فنعيش مقام "إياك نعبد وإياك نستعين" (الفاتحة: 5) بأن تتضاءل في عقولنا كل قوى الأرض أمام قوة الملك التي لا تقهر، وقوة المنهج الذي لا يتغير، وتتصاغر كل الموازين سوى مقام الله العزيز الحكيم الذي يحكم ما يريد، وهو سبحانه "يدبر الأمر من السماء إلى الأرض" (السجدة: 5) و"يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون" (الرعد: 2)، فإن أجرى الله على أيدينا من العزة والقوة والتمكين لهذا الدين رعاية للناس وعمارة للأرض فهذا من فضل الله علينا ليبلونا أنشكر أم نكفر؟ وإن صرف عنا شيئا فنعود لأنفسنا مصححين، وعلى ربنا متوكلين، وبه وحده سبحانه نستعين، ونستمر في عطائنا حتى يأتينا اليقين، وتقر أعيننا برضا الله وجنات النعيم.
6. بث رسالة الأمل – بالرغم من الألم - قبل العمل حيث إن علام الغيوم وعد المؤمنين العاملين الصابرين ألا يضيع أجرهم، ونكثر من النصوص الدالة على وعد الله بالنصر والعزة والكرامة ، وأنه سبحانه يقهر ولا يُقهر، وأنه سبحانه غالب على أمره، وأنه سيمنُّ على أهل مصر بخير كثير ويزيل عنها الغمة إذا وثقنا في قدرته ووعده سبحانه وبذلنا أقصى جهدنا، كما منَّ على المستضعفين في قصص القرآن وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكما نهضت دول مثل اليابان وماليزيا وتركيا والبرازيل وجنوب افريقيا وغيرها، وقد كانت تعاني جميعا مثلما نعاني نحن الآن من المتآمرين في الخارج والفلول في الداخل.
فيا قومي من أهل مصر لا تركنوا إلى تلبيس وتدليس عالم الشهادة، وأيقنوا – مع الأمل والعمل – أن علام الغيوب لن يقدر لمصرنا إلا كل خير فهو القائل سبحانه: "وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ" (الروم: من الآية47) بل أسألكم بالله!!! هل يوجد خطاب طمأنة لأهل مصر ومحبي مصر آكد من وعد عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال.
قوموا – لأجل مصر وأمتنا - بالليل تذللا وتضرعا، وتحركوا - لأجل مصر وأمتنا - بالنهار فريضة وتطوعا.
وثقوا في قوله تعالى: "أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ" (البقرة: من الآية214).
لا تكوني شكلا بلا مضمون
عندما يصبح الرجال عبيداً تصير النساء أسيادا، عندما تغيب الشمس يخرج البدر يبدد الظلام، وينشر النور والأمن في... اقرأ المزيد
967
| 19 فبراير 2015
بين الإقدام والإحجام (2)
الإقدام همٌّ وعزم على المبادرة للمروءة والنجدة، كما قال الشاعر :لا يسألون أخاهم حين يندبهمفي النائبات على ما... اقرأ المزيد
4238
| 12 فبراير 2015
بين الإقدام والإحجام
الإقدام همة، والإحجام خسة، الإقدام رجولة، والإحجام نذالة، الإقدام شجاعة، والإحجام جُبن، الإقدام فحولة، والإحجام طفولة، الإقدام قوة،... اقرأ المزيد
4204
| 30 يناير 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8766
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3795
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3144
| 30 أكتوبر 2026