رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كي لا يأخذنا الحقد واليأس والتضليل بعيداً عن الحقيقة، لابد أن نضع النقاط على الحروف، ليس تبرئة لطرف ضد طرف في المسألة السورية، بل كي نفهم الواقع بشكل دقيق، لقد لاحظنا منذ بداية الثورة أن هناك ميلاً لدى غالبية السوريين المعارضين للنظام لتصوير أنفسهم دون غيرهم على أنهم ضحية المؤامرات الدولية، وأن العالم أجمع في الشرق والغرب متحالف مع النظام ضد الثورة والمعارضة، وقد امتلأت شبكات التواصل الاجتماعي بمنشورات وتعليقات منذ سنوات، وكلها تتحدث عن التآمر الدولي والعربي مع النظام ضد الثورة. ولطالما قرأنا مقالات وكتابات تتحدث بإسهاب عن الحماية الإسرائيلية لنظام الأسد، وأن النظام لولا الغطاء الإسرائيلي لكان قد سقط منذ الأيام الأولى للحراك في سوريا قبل أكثر من ثماني سنوات.
ولطالما قرأنا وسمعنا أن أمريكا وإسرائيل والغرب عموماً هم الذين طلبوا من الروس والإيرانيين التدخل في سوريا لحماية النظام من السقوط بعد أن اعترف الروس أنفسهم بأنه كان على وشك السقوط الكامل فعلاً لولا تدخلهم، ولا شك مطلقاً أن التدخل الروسي والإيراني المدعوم أمريكياً أعاد الحياة للنظام المتهاوي وقضى على معظم الفصائل التي كانت تقاتله في أكثر من منطقة بسوريا. ولا شك أن الروس قلبوا المعادلة على الأرض لصالح النظام باستخدام القوة الجوية العاتية التي دمرت البلاد وشردت العباد. ولا يمكننا هنا أيضاً أن نبرئ هذا النظام الفاشي من التآمر مع الروس والإيرانيين وكل داعميهم الأمريكيين والأوروبيين والإسرائيليين على الثورة السورية والشعب السوري وعلى سوريا ذاتها، لكن هذه الحقائق الدامغة يجب ألا تعمينا أيضاً عن أن نفس القوى التي وقفت إلى جانب النظام وقلبت الأوضاع لصالحه منذ التدخل الروسي عام ٢٠١٥ هي نفسها من تآمر على النظام أيضاً في المقام الأول، وهي من أوصلته الآن إلى الحضيض، وهناك آلاف الأمثلة التي تؤكد ذلك.
دعونا نسلم بأن هناك غطاء دولياً يحمي النظام منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام ١٩٧٠، وأن حتى إسرائيل التي يشيع النظام في إعلامه بأنها عدوته الأولى، ما زالت تحميه من السقوط في الدوائر الأمريكية. وكلنا يعلم أن إسرائيل لو كانت تريد إسقاط النظام فعلاً لاستغلت انهيار الجيش السوري قبل الغزو الروسي لسوريا وسحبت البساط من تحت النظام وأنهته إلى غير رجعة دون أن تطلق عليه رصاصة واحدة، لكنها لم تفعل، لا بل قامت بتسليم المنطقة الجنوبية التي كانت تديرها مع قوى المعارضة للنظام والروس، وأعادت العمل بالمعاهدات الدولية القديمة التي كان النظام بموجبها يحمي الحدود الإسرائيلية. ولا ننسى أن إسرائيل وأمريكا منعتا تسليم قوى المعارضة صاروخاً واحداً مضاداً للطائرات كي يبقى الأسد مسيطراً على الجو وقادراً على حرق الأخضر واليابس عبر البراميل المتفجرة،
هذه حقائق لا يمكن التعامي عنها مطلقاً، وقد سمعنا وزير الدفاع الإسرائيلي ليبرمان وقتها يوكد أن التنسيق بين الروس والإسرائيليين جار على قدم وساق في سوريا على مدار الساعة. وهو ما يؤكد أن الأمريكيين والإسرائيليين يباركون إعادة الحياة للنظام. وقد ظهرت وثائق أمريكية مؤخراً تؤكد أن الرئيس الأمريكي وقتها أوباما هو الذي ضغط على الرئيس الروسي بوتين كي يتدخل في سوريا للقضاء على المعارضة وإعادة السيطرة للنظام، ونحن نعلم أيضاً أن كل ما حصل من وحشية روسية وإيرانية وأسدية بعد التدخل الروسي في سوريا كان كله بضوء أخضر من أمريكا والغرب والعرب عموماً. لا شك في ذلك. لكن ذلك يجب ألا يُنسينا أيضاً أن نفس القوى التي ساعدت النظام بعد التدخل الروسي هي من زلزلت الأرض تحته قبل التدخل، وهي التي أوصلته الآن إلى هذا الوضع المزري الذي أصبح فيه الرئيس السوري خامس أقوى رئيس في سوريا، وأصبح فيه الجيش السوري مجرد تابع للقاعدة الروسية في حميميم والميليشيات الإيرانية المنشرة في كل البقاع السورية.
صحيح أن ضباع العالم أحيوا النظام وأضعفوا قوى المعارضة، لكن كيف ننسى أن كل الجماعات والأسلحة التي حرقت جيش النظام وقتلت منه مئات الألوف كانت كلها بدعم أمريكي وإسرائيلي وغربي وعربي عموماً؟ لماذا نسينا أن الاستخبارات الأمريكية كانت تدير كل الفصائل والعمليات العسكرية ضد النظام شمال سوريا؟ ألم يقل بعض المعارضين السوريين إنهم كانوا يجلسون على طاولة يترأسها ضابط استخبارات أمريكي وإلى جانبه ضباط أوروبيون من أكثر من دولة أورةبية لتخطيط وتوجيه العمليات ضد النظام السوري؟ لماذا دخلت شاحنات الأسلحة الرهيبة إلى سوريا بمباركة الأمريكي والإسرائيلي، أليس لدك قوات النظام وإضعافها وإنهاكها؟ ألم تعترف روسيا أن قوى المعارضة مدعومة من أمريكا والعرب كادت أن تسقط النظام قبل التدخل الروسي بعد أن استولت على ثمانين بالمائة من سوريا وبعد أن قتلت عشرات الألوف من جنوده، ودمرت ترسانته العسكرية ومواقعه الاستراتيجية؟ هل كانت هذه مجرد مداعبات للنظام أم كانت ضربة نجلاء لجيشه وهيبته وقواته ومكانته؟
ألم يصبح النظام بعد التدخل الدولي مجرد أداة في أيدي اللاعبين الكبار في سوريا؟ هل ما زال يدير الدفة في البلاد، أم صار تابعاً ذليلاً لمن حموه؟ هل ما زال يسيطر على سوريا؟ هل ستعود «سوريا الأسد» التي كانت؟ ماذا بقي من جيشه؟ ماذا بقي من أنيابه؟ ماذا بقي من الليرة السورية ومن الخزانة؟ ماذا بقي من اقتصاده؟ ماذا بقي من هيبته؟ لا يمكن لأمريكا وإسرائيل أن تفعلا بالنظام ما فعلتا لو كان فعلاً وحشهما المدلل، فلا أحد يربي وحشاً كي يكسر رجله ويفقأ عينه ويهشم رأسه ويبقر بطنه، لكن أمريكا وإسرائيل كسرتا أنياب الوحش، ودقتا رأسه، وأشبعتاه ركلاً وسحلاً، بحيث فقد معظم أنيابه وصار وحشاً ذليلاً يتوسل ويتسول الحماية من القاصي والداني. لم يعد النظام ذلك اللاعب القوي على الساحتين العربية والإقليمية، بل تحول إلى ملعب، أو كرة قدم تتقاذفها الأرجل، ولم يعد يملك من أمره شيئاً. ما هو موقف الأسد عندما يرى رؤساء روسيا وتركيا وإيران يجتمعون كل فترة لتقرير مصير بلده ونظامه؟
قد يقول البعض: إن هذا النظام منذ وصوله إلى السلطة عام ١٩٧٠ كان نظاماً وظيفياً خادماً أميناً للمشروع الصهيوني في المنطقة،
وأنه ينفذ المخطط الصهيوني في سوريا والمنطقة بإخلاص، ولا شك في ذلك، لكنه انكشف الآن تماماً بعد أن فضحه مشغلوه وجعلوه يبدو في عيون السوريين والعرب كوحش في خدمة أسياده في واشنطن وتل أبيب وموسكو، لا بل بات الآن وحشاً يد هزيلاً لا يقوى على الصيد لأسياده. نعم كان هذا النظام خنجراً صهيونياً مسموماً في جسد سوريا والمنطقة، ولا شك في ذلك، نعم كان أداة قذرة في مشاريع الآخرين، لكنه فقد الآن ورقة التوت التي كان يغطي بها عوراته الكثيرة وقد لعبوا به كرة قدم كما لعبوا ببقية الأطراف.
ربما يمكننا القول إن السياسة الأمريكية كانت واضحة، ولكن الغالبية لم تستطع قراءتها كما يجب، فالأمريكان أرادوا إذلال الأسد قدر الإمكان حتى تتم عملية سحب كل الخيرات السورية أو أهمها إن صح التعبير تحت مظلتهم، وهي ملفات بغاية الأهمية يبدو أن تحقيقها بعد سقوط الأسد كان أمراً غير مفضل، فأبقوه في السلطة وكأنه رهينة لا رئيس، وتركوا المعارضة أيضا معلقة بحبال الآمال، وهي حبال أيضا ترفض واشنطن قطعها، بل ربما سيأتي يوم وتقوم الولايات المتحدة بتثبت تلك الأوتاد، وقطع حبال الأسد.
صدقوني، لولا الموقف الأمريكي الرافض للأسد اليوم، لم تكونوا لتروا لا أستانا ولا سوتشي ولا لجنة دستورية ولا ولا ولا، كل هذه المسارات موجودة لأن أمريكا لم تعط الضوء الأخضر لتعويم الأسد، وفي ذات الوقت موقفها هذا يجعل المعارضة السورية حية ترزق، ولولا هذا الموقف لكانت الأحوال اليوم خلافا على ما هي عليه بالمطلق.
بعبارة أخرى، من الخطأ القول إن اللعبة الكبرى كانت فقط تستهدف قوى المعارضة والثورة فقط، لا أبداً، بل كانت تستهدف سوريا كلها، شعباً ومعارضة وثورة وثروات ونظاماً.
التنين الصيني يكشِّر عن أنيابه
ليس هناك استعمار جيد واستعمار سيء على مدى التاريخ، فالمستعمر مستعمر سواء أكان أمريكياً أو أوروبياً أو روسياً... اقرأ المزيد
2108
| 08 ديسمبر 2019
ماذا تفعل عصابات المرتزقة الروسية في ليبيا؟
مهمة الروس في ليبيا لا تختلف مطلقاً عن مهمتهم في سوريا الرهان الروسي على حفتر فاشل لأن الرجل... اقرأ المزيد
1435
| 01 ديسمبر 2019
لا بأس أن تكونوا وحوشاً مع الخارج وحملاناً مع الداخل
الحكومات الأوروبية والأمريكية تمارس أعلى درجات الديمقراطية مع مواطنيها داخل بلدانها الزعيم العربي أكثر ديمقراطية مع الأجانب ألف... اقرأ المزيد
1581
| 10 نوفمبر 2019
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
3825
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2592
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2352
| 15 أكتوبر 2026