رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كي لا يأخذنا الحقد واليأس والتضليل بعيداً عن الحقيقة، لابد أن نضع النقاط على الحروف، ليس تبرئة لطرف ضد طرف في المسألة السورية، بل كي نفهم الواقع بشكل دقيق، لقد لاحظنا منذ بداية الثورة أن هناك ميلاً لدى غالبية السوريين المعارضين للنظام لتصوير أنفسهم دون غيرهم على أنهم ضحية المؤامرات الدولية، وأن العالم أجمع في الشرق والغرب متحالف مع النظام ضد الثورة والمعارضة، وقد امتلأت شبكات التواصل الاجتماعي بمنشورات وتعليقات منذ سنوات، وكلها تتحدث عن التآمر الدولي والعربي مع النظام ضد الثورة. ولطالما قرأنا مقالات وكتابات تتحدث بإسهاب عن الحماية الإسرائيلية لنظام الأسد، وأن النظام لولا الغطاء الإسرائيلي لكان قد سقط منذ الأيام الأولى للحراك في سوريا قبل أكثر من ثماني سنوات.
ولطالما قرأنا وسمعنا أن أمريكا وإسرائيل والغرب عموماً هم الذين طلبوا من الروس والإيرانيين التدخل في سوريا لحماية النظام من السقوط بعد أن اعترف الروس أنفسهم بأنه كان على وشك السقوط الكامل فعلاً لولا تدخلهم، ولا شك مطلقاً أن التدخل الروسي والإيراني المدعوم أمريكياً أعاد الحياة للنظام المتهاوي وقضى على معظم الفصائل التي كانت تقاتله في أكثر من منطقة بسوريا. ولا شك أن الروس قلبوا المعادلة على الأرض لصالح النظام باستخدام القوة الجوية العاتية التي دمرت البلاد وشردت العباد. ولا يمكننا هنا أيضاً أن نبرئ هذا النظام الفاشي من التآمر مع الروس والإيرانيين وكل داعميهم الأمريكيين والأوروبيين والإسرائيليين على الثورة السورية والشعب السوري وعلى سوريا ذاتها، لكن هذه الحقائق الدامغة يجب ألا تعمينا أيضاً عن أن نفس القوى التي وقفت إلى جانب النظام وقلبت الأوضاع لصالحه منذ التدخل الروسي عام ٢٠١٥ هي نفسها من تآمر على النظام أيضاً في المقام الأول، وهي من أوصلته الآن إلى الحضيض، وهناك آلاف الأمثلة التي تؤكد ذلك.
دعونا نسلم بأن هناك غطاء دولياً يحمي النظام منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام ١٩٧٠، وأن حتى إسرائيل التي يشيع النظام في إعلامه بأنها عدوته الأولى، ما زالت تحميه من السقوط في الدوائر الأمريكية. وكلنا يعلم أن إسرائيل لو كانت تريد إسقاط النظام فعلاً لاستغلت انهيار الجيش السوري قبل الغزو الروسي لسوريا وسحبت البساط من تحت النظام وأنهته إلى غير رجعة دون أن تطلق عليه رصاصة واحدة، لكنها لم تفعل، لا بل قامت بتسليم المنطقة الجنوبية التي كانت تديرها مع قوى المعارضة للنظام والروس، وأعادت العمل بالمعاهدات الدولية القديمة التي كان النظام بموجبها يحمي الحدود الإسرائيلية. ولا ننسى أن إسرائيل وأمريكا منعتا تسليم قوى المعارضة صاروخاً واحداً مضاداً للطائرات كي يبقى الأسد مسيطراً على الجو وقادراً على حرق الأخضر واليابس عبر البراميل المتفجرة،
هذه حقائق لا يمكن التعامي عنها مطلقاً، وقد سمعنا وزير الدفاع الإسرائيلي ليبرمان وقتها يوكد أن التنسيق بين الروس والإسرائيليين جار على قدم وساق في سوريا على مدار الساعة. وهو ما يؤكد أن الأمريكيين والإسرائيليين يباركون إعادة الحياة للنظام. وقد ظهرت وثائق أمريكية مؤخراً تؤكد أن الرئيس الأمريكي وقتها أوباما هو الذي ضغط على الرئيس الروسي بوتين كي يتدخل في سوريا للقضاء على المعارضة وإعادة السيطرة للنظام، ونحن نعلم أيضاً أن كل ما حصل من وحشية روسية وإيرانية وأسدية بعد التدخل الروسي في سوريا كان كله بضوء أخضر من أمريكا والغرب والعرب عموماً. لا شك في ذلك. لكن ذلك يجب ألا يُنسينا أيضاً أن نفس القوى التي ساعدت النظام بعد التدخل الروسي هي من زلزلت الأرض تحته قبل التدخل، وهي التي أوصلته الآن إلى هذا الوضع المزري الذي أصبح فيه الرئيس السوري خامس أقوى رئيس في سوريا، وأصبح فيه الجيش السوري مجرد تابع للقاعدة الروسية في حميميم والميليشيات الإيرانية المنشرة في كل البقاع السورية.
صحيح أن ضباع العالم أحيوا النظام وأضعفوا قوى المعارضة، لكن كيف ننسى أن كل الجماعات والأسلحة التي حرقت جيش النظام وقتلت منه مئات الألوف كانت كلها بدعم أمريكي وإسرائيلي وغربي وعربي عموماً؟ لماذا نسينا أن الاستخبارات الأمريكية كانت تدير كل الفصائل والعمليات العسكرية ضد النظام شمال سوريا؟ ألم يقل بعض المعارضين السوريين إنهم كانوا يجلسون على طاولة يترأسها ضابط استخبارات أمريكي وإلى جانبه ضباط أوروبيون من أكثر من دولة أورةبية لتخطيط وتوجيه العمليات ضد النظام السوري؟ لماذا دخلت شاحنات الأسلحة الرهيبة إلى سوريا بمباركة الأمريكي والإسرائيلي، أليس لدك قوات النظام وإضعافها وإنهاكها؟ ألم تعترف روسيا أن قوى المعارضة مدعومة من أمريكا والعرب كادت أن تسقط النظام قبل التدخل الروسي بعد أن استولت على ثمانين بالمائة من سوريا وبعد أن قتلت عشرات الألوف من جنوده، ودمرت ترسانته العسكرية ومواقعه الاستراتيجية؟ هل كانت هذه مجرد مداعبات للنظام أم كانت ضربة نجلاء لجيشه وهيبته وقواته ومكانته؟
ألم يصبح النظام بعد التدخل الدولي مجرد أداة في أيدي اللاعبين الكبار في سوريا؟ هل ما زال يدير الدفة في البلاد، أم صار تابعاً ذليلاً لمن حموه؟ هل ما زال يسيطر على سوريا؟ هل ستعود «سوريا الأسد» التي كانت؟ ماذا بقي من جيشه؟ ماذا بقي من أنيابه؟ ماذا بقي من الليرة السورية ومن الخزانة؟ ماذا بقي من اقتصاده؟ ماذا بقي من هيبته؟ لا يمكن لأمريكا وإسرائيل أن تفعلا بالنظام ما فعلتا لو كان فعلاً وحشهما المدلل، فلا أحد يربي وحشاً كي يكسر رجله ويفقأ عينه ويهشم رأسه ويبقر بطنه، لكن أمريكا وإسرائيل كسرتا أنياب الوحش، ودقتا رأسه، وأشبعتاه ركلاً وسحلاً، بحيث فقد معظم أنيابه وصار وحشاً ذليلاً يتوسل ويتسول الحماية من القاصي والداني. لم يعد النظام ذلك اللاعب القوي على الساحتين العربية والإقليمية، بل تحول إلى ملعب، أو كرة قدم تتقاذفها الأرجل، ولم يعد يملك من أمره شيئاً. ما هو موقف الأسد عندما يرى رؤساء روسيا وتركيا وإيران يجتمعون كل فترة لتقرير مصير بلده ونظامه؟
قد يقول البعض: إن هذا النظام منذ وصوله إلى السلطة عام ١٩٧٠ كان نظاماً وظيفياً خادماً أميناً للمشروع الصهيوني في المنطقة،
وأنه ينفذ المخطط الصهيوني في سوريا والمنطقة بإخلاص، ولا شك في ذلك، لكنه انكشف الآن تماماً بعد أن فضحه مشغلوه وجعلوه يبدو في عيون السوريين والعرب كوحش في خدمة أسياده في واشنطن وتل أبيب وموسكو، لا بل بات الآن وحشاً يد هزيلاً لا يقوى على الصيد لأسياده. نعم كان هذا النظام خنجراً صهيونياً مسموماً في جسد سوريا والمنطقة، ولا شك في ذلك، نعم كان أداة قذرة في مشاريع الآخرين، لكنه فقد الآن ورقة التوت التي كان يغطي بها عوراته الكثيرة وقد لعبوا به كرة قدم كما لعبوا ببقية الأطراف.
ربما يمكننا القول إن السياسة الأمريكية كانت واضحة، ولكن الغالبية لم تستطع قراءتها كما يجب، فالأمريكان أرادوا إذلال الأسد قدر الإمكان حتى تتم عملية سحب كل الخيرات السورية أو أهمها إن صح التعبير تحت مظلتهم، وهي ملفات بغاية الأهمية يبدو أن تحقيقها بعد سقوط الأسد كان أمراً غير مفضل، فأبقوه في السلطة وكأنه رهينة لا رئيس، وتركوا المعارضة أيضا معلقة بحبال الآمال، وهي حبال أيضا ترفض واشنطن قطعها، بل ربما سيأتي يوم وتقوم الولايات المتحدة بتثبت تلك الأوتاد، وقطع حبال الأسد.
صدقوني، لولا الموقف الأمريكي الرافض للأسد اليوم، لم تكونوا لتروا لا أستانا ولا سوتشي ولا لجنة دستورية ولا ولا ولا، كل هذه المسارات موجودة لأن أمريكا لم تعط الضوء الأخضر لتعويم الأسد، وفي ذات الوقت موقفها هذا يجعل المعارضة السورية حية ترزق، ولولا هذا الموقف لكانت الأحوال اليوم خلافا على ما هي عليه بالمطلق.
بعبارة أخرى، من الخطأ القول إن اللعبة الكبرى كانت فقط تستهدف قوى المعارضة والثورة فقط، لا أبداً، بل كانت تستهدف سوريا كلها، شعباً ومعارضة وثورة وثروات ونظاماً.
التنين الصيني يكشِّر عن أنيابه
ليس هناك استعمار جيد واستعمار سيء على مدى التاريخ، فالمستعمر مستعمر سواء أكان أمريكياً أو أوروبياً أو روسياً... اقرأ المزيد
2093
| 08 ديسمبر 2019
ماذا تفعل عصابات المرتزقة الروسية في ليبيا؟
مهمة الروس في ليبيا لا تختلف مطلقاً عن مهمتهم في سوريا الرهان الروسي على حفتر فاشل لأن الرجل... اقرأ المزيد
1402
| 01 ديسمبر 2019
لا بأس أن تكونوا وحوشاً مع الخارج وحملاناً مع الداخل
الحكومات الأوروبية والأمريكية تمارس أعلى درجات الديمقراطية مع مواطنيها داخل بلدانها الزعيم العربي أكثر ديمقراطية مع الأجانب ألف... اقرأ المزيد
1554
| 10 نوفمبر 2019
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي استطاعت استقطاب العنصر الأجنبي للإقامة والاستقرار بها سواء من أجل العمل أو الاستثمار، إيمانا منها بضرورة تعزيز المركز القانوني للأجنبي وخلق أفق يسع جميع من يرغب في الاندماج داخل المجتمع القطري، لكن ذلك لا يمنع الدولة من ضمان الآليات التي تكفل لها حفظ نظامها العام، وعدم انتهاكه ممن هو أجنبي عنه، لذلك فإن الدولة في حالة الحياد عن ثوابتها وقواعد استقرارها من قبل العنصر الأجنبي سمحت باتخاذ إجراء إداري في حقه يتمثل في الإبعاد عن البلاد. يجد قرار إبعاد الأجنبي إداريا سنده القانوني ضمن القانون رقم 89 لسنة 2015 بشأن تنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم، ويتم الإبعاد بواسطة قرار يصدره وزير الداخلية في حق الأجنبي الذي حاد عن النظام العام بدولة قطر، ويشترط من أجل إصدار هذا القرار أن يكون الفعل المرتكب قد تم من شخص لا يحمل الجنسية القطرية، ودخل قطر دخولا نظاميا صحيحا من أجل الإقامة سواء كان مؤقتا أو دائما، أو دخل بواسطة سمة سياحية أو أية سمة أخرى، بشرط ألا يكون حاملا لجواز السفر القطري، أما بالنسبة لمن دخل البلاد بسبب اللجوء السياسي فإنه مبدئيا لا يجوز إبعاده إداريا إلا إذا صدر خرق سافر لقواعد النظام العام من قبل اللاجئ السياسي، ومع ذلك يجوز له الطعن في هذا القرار، وذلك تطبيقا لاتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والتي كانت قطر طرفا فيها لكنها لم توقعها، مما يعني أنها غير ملزمة بشكل آمر بما ورد فيها. أما الأسباب التي تخول وزير الداخلية إصدار قرار الإبعاد الإداري للأجنبي فإن المشرع لم يعددها أو يحصرها، بل ترك السلطة التقديرية له من أجل تحديد جسامة الفعل وخطورة الإبقاء على الفاعل الأجنبي داخل دولة قطر. وهنالك حالات من الأجانب المستثنين من نطاق تطبيق القانون رقم 89 لسنة 2015، وبالتالي مستبعدون من فرضية إصدار قرار في حقهم بالإبعاد إداريا، وهم رؤساء الدول الأجنبية وأفراد أسرهم ومرافقوهم، رؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية الأجنبية والهيئات الدولية المعتمدون لدى الدولة والملحقون والإداريون وعائلاتهم والأشخاص التابعون لهم، وكذلك الوفود الرسمية، ربابنة السفن والطائرات وأطقمهم وفقا للشروط والإجراءات المتطلبة، مواطنو دول مجلس التعاون لدى الخليج العربية، ومن يرى وزير الداخلية استثناءهم لاعتبارات سياسية أو إنسانية. هذا وتجدر الإشارة إلى أن القانون لم يلزم وزير الداخلية بإصدار قراره بإبعاد الأجنبي عن البلاد بإفراغه في شكلية معينة أو إتباع مراحل إجرائية بذاتها، مع عدا ضرورة توقيع القرار من طرف السيد الوزير، كما أن المشرع لم يلزم السيد الوزير بتسبيب القرار، فلا يوجد مقتضى قانوني يشترط أن ترد في قرار الإبعاد الأسباب المؤدية إلى اتخاذه، كما أن وزير الداخلية يجوز له حسب سلطته التقديرية العدول عن قرار الإبعاد ولا قيد له في ذلك، ويتم هذا العدول بواسطة قرار لاحق يلغي قرار الإبعاد، كما قد يتم إلغاء قرار الإبعاد استثنائيا بواسطة صدور قرار أميري بشأن حالة بعينها. عموما فإن الإبعاد الإداري هو قرار يصدر في حق الأجنبي من قبل السلطة التنفيذية في البلاد، ويختلف عن الإبعاد القضائي الذي يصدر بمثابة عقوبة تبعية أو مكملة للعقوبة الأصلية التي تقضي بها المحكمة في حق الأجنبي الذي ثبت ارتكابه جريمة ما.
12402
| 17 أغسطس 2026
فيه مشهد يتكرر في أسواقنا ويستحق وقفة مطولة، ليس لأنه مجرد فرق في الأسعار، بل لأنه يطرح سؤالًا أكبر عن حماية المستهلك وحدود حرية التاجر ومسؤولية الجهات الرقابية. ادخل أحد المجمعات التجارية في قطر، وابحث عن هاتف أو ساعة ذكية أو سماعة أو جهاز إلكتروني محدد، واحفظ اسمه ورقمه ومواصفاته جيدًا، ثم لا تشتره من أول متجر. تحرك فقط عشرات الأمتار إلى متجر آخر داخل المجمع نفسه. راح تفاجأ بأن الجهاز نفسه، بالموديل نفسه، والسعة نفسها، والمواصفات نفسها، يباع بسعر مختلف، وأحيانًا لا نتحدث عن عشرة أو عشرين ريالًا، بل عن فروقات قد تصل إلى مئات الريالات! والسؤال هنا: لماذا؟ ما الذي تغير في السلعة خلال عشرات الأمتار؟ وهل أصبحت حرية التجارة تعني أن يضع كل متجر الرقم الذي يريده؟؟ نحن نتفهم المنافسة، ونتفهم العروض، واختلاف تكاليف التشغيل والاستيراد والضمان والخدمات المصاحبة، ومن الطبيعي اقتصاديًا ألا تكون جميع الأسعار متطابقة حرفيًا، لكن عندما تتسع الفجوة في السلعة الإلكترونية ذاتها بشكل يثير الاستغراب، فمن حق المستهلك أن يسأل: أين ينتهي اختلاف السعر الطبيعي، وأين تبدأ المبالغة؟ والأهم: أين الرقابة؟ هل حماية المستهلك معنية فقط بكيس الأرز وعلبة الحليب وزجاجة الزيت؟ هل لأن الإلكترونيات ليست من السلع التي نشتريها يوميًا يصبح سعرها شأنًا مفتوحًا لا يستحق التدقيق؟ بل ربما تكون الرقابة على هذه المنتجات أكثر أهمية، لأن المستهلك قد يخسر في عملية شراء واحدة مئات الريالات بسبب جهله بسعر السوق، خصوصًا كبار السن أو من لا يجيدون مقارنة الأسعار إلكترونيًا أو من يثقون بأن وجود المتجر داخل مجمع تجاري معروف يعني تلقائيًا أن السعر يقع ضمن نطاق عادل. ولست هنا أطالب بأن تتحول الأسواق إلى نسخة واحدة، ولا أن يمنع التاجر من المنافسة أو الربح، فالربح حق، والمنافسة أساس التجارة، واختلاف الأسعار موجود في كل أسواق العالم. لكن هل هناك سقف للمبالغة؟ هل تراقب الجهات المختصة الفروقات الكبيرة بين أسعار المنتج نفسه؟ هل هناك آلية ترصد سعر السلعة الإلكترونية في السوق وتكشف القفزات غير المبررة؟ وهل يُطلب من التاجر تفسير الفارق الكبير إذا تجاوز السعر السائد للمنتج بصورة لافتة؟ هذه أسئلة تستحق إجابات واضحة. والأغرب أن التكنولوجيا التي جعلت مقارنة الأسعار ممكنة خلال ثوانٍ كشفت للمستهلك حجم الفوارق. قد تقف أمام جهاز سعره في متجر 2,500 ريال، ثم تكتشف وأنت لا تزال أمام البائع أن الجهاز نفسه يباع في مكان آخر بمبلغ أقل بكثير. هنا لا ينبغي أن تكون النصيحة الوحيدة للمستهلك: (ابحث وقارن قبل أن تشتري). نعم، على المستهلك أن يكون واعيًا، ولكن ماذا عن مسؤولية السوق نفسه؟ وماذا عن الفئات التي ذكرنا من كبار سن وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم؟ حماية المستهلك لا تعني فقط التأكد من أن السعر مكتوب على الرف، بل يفترض أن تعني أيضًا وجود سوق واضح وعادل لا تتحول فيه قلة معرفة المشتري إلى فرصة لزيادة السعر عليه. وربما حان الوقت لدراسة إنشاء منصة رسمية أو نظام إلكتروني لمقارنة أسعار السلع الإلكترونية الأكثر تداولًا، يستطيع المستهلك من خلاله معرفة النطاق السعري للمنتج لدى المتاجر المسجلة، فتتحول المنافسة من لعبة معلومات غير متكافئة إلى سوق أكثر شفافية. كما أن نشر نتائج الرقابة والفروقات السعرية الكبيرة سيجعل التاجر يفكر مرتين قبل أن يضع سعرًا يصعب تبريره. نحن أمام سوق متطور، ودولة قطعت شوطًا كبيرًا في الرقمنة وحماية المستهلك، ولذلك من غير المنطقي أن يبقى المشتري في بعض القطاعات معتمدًا على جولة بين عشرة محلات حتى يعرف كم تساوي السلعة التي يريد شراءها. لا نطالب بإلغاء الربح. ولا بإلغاء المنافسة. نطالب بشيء أبسط: الشفافية، والرقابة، ومعرفة أين ينتهي حق التاجر في التسعير، وأين يبدأ حق المستهلك في الحماية من المبالغة. لأن السؤال الذي سيظل قائمًا هو: إذا كان المنتج واحدًا، والمجمع واحدًا، والبلد واحدًا، والفرق مئات الريالات.. فمن يراقب السعر؟
4821
| 17 أغسطس 2026
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد بألم، وتلحّ عليّ الرغبة في أن أكتب عنها، ثم أتردد. فبغداد اليوم محاطة بألغام السياسة والطوائف والمصالح والتدخلات، وما إن تقترب الكلمة من جرح حتى تكاد تفتح جراحًا أخرى. وكنت أخشى، كلما أمسكت بالقلم، أن أفجّر لغمًا وأنا أبحث عن بغداد. ثم قلت: ولماذا أبحث عنها في السياسة وحدها؟ لبغداد أبواب أخرى ندخل منها؛ باب التاريخ، وباب الأدب، وباب الشعر، وأوسعها جميعًا باب الوجدان. يكفي أن تقول بغداد، حتى ينساب دجلة في الذاكرة، ويطل الرشيد من شرفة التاريخ، وتُفتح أبواب بيت الحكمة، ويعود الورّاقون إلى حوانيتهم، والعلماء إلى مجالسهم، والشعراء إلى قصائدهم. مدينة كانت الكتب فيها جسورًا بين الحضارات، والعلم لغة يتخاطب بها القادمون من جهات الأرض. لم تكن بغداد عاصمة لدولة فحسب؛ كانت، في زمن من الأزمنة، عاصمة للعالم. فيها تُرجمت كتب الفلسفة والطب والفلك، ومنها خرج إلى الدنيا من أروع ما أنتجه العقل العربي والإسلامي. ولبغداد مع الشعر صحبة قديمة. قال فيها علي بن الجهم: «عيونُ المها بين الرصافة والجسرِ جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري» وبعد قرون ظل سحرها حاضرًا، حتى قال نزار قباني: «عيناكِ يا بغدادُ منذ طفولتي شمسانِ نائمتانِ في أهدابي» وبين الرصافة والجسر، وبين بغداد التي نامت في أهداب شاعر حديث، قرون طويلة، وبقيت المدينة قادرة على أن توقظ الشعر. ولعل ذلك يفسر شيئًا من علاقتنا بها؛ فكثير منا عرف بغداد قبل أن يزورها، وسكنت مخيلته قبل أن تطأ قدماه أرضها. عرفناها في التاريخ والشعر والكتب، وفي أسماء علمائها وأدبائها. كانت جزءًا من صورة العربي عن زمن استطاع فيه أن يصنع الحضارة، لا أن يكتفي بالحديث عنها. ومن هنا تأتي قسوة المفارقة. فمن أشد مفارقات التاريخ إيلامًا أن بغداد، بكل ما تحمله من مجد عريق، تمر اليوم بمحنة طال أمدها؛ كأنها تعرف جيدًا من أين جاءت، ولا تعرف بعد من أين يكون الخروج. والحديث عن بغداد هنا حديث عن العراق كله. عن بلد كان حضوره في محيطه العربي ثقيلًا بالمعنى، غنيًا بالعلم والثقافة والفكر، يمد المنطقة بالكتاب والشاعر والأستاذ والطبيب والمهندس، ثم عصفت به الحروب وتوالت عليه المحن، حتى غاب كثير من دوره الذي عرفناه، وأصبح الحاضر مثقلًا، والمستقبل محاطًا بالأسئلة. وهنا تبدأ الألغام التي خشيت الاقتراب منها. لكن الخشية من الألغام لا ينبغي أن تصبح ذريعة للصمت عن الحقيقة. لقد تناوبت على العراق سطوة الخارج، من احتلال أمريكي معلن إلى نفوذ إيراني تمدّد عميقًا في الداخل، بدعم فصائل مسلحة موالية له وتسليحها، حتى غدا بعضها قوة تنازع الدولة سلطتها وقرارها، وعقبة أمام استعادة مؤسساتها لسيادتها الكاملة. وبقي القرار العراقي، في الداخل والخارج، أسيرًا لهذا الاحتلال أو ذاك النفوذ. ولم تكن سطوة الخارج وحدها ما أثقل العراق؛ فقد نمت في الداخل أمراض لا تقل خطرًا. طائفية بغيضة مزقت ما جمعه الوطن، حتى ضاقت الهوية الجامعة أمام هويات أصغر منها. والطائفة قد تكون جزءًا من الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تكون وطنًا؛ فالوطن أكبر من الطائفة، وأبقى من الخلاف، ويتسع لأبنائه جميعًا. وأستعيد هنا شيئًا من تجربتي الشخصية. عشت سنوات طويلة بين سفراء عراقيين كانوا زملاء وأصدقاء. كنا نلتقي ونتحاور، نتفق ونختلف، ثم نفترق، ولم يخطر لي يومًا أن أسأل واحدًا منهم إلى أي طائفة ينتمي، ولم يكن الأمر مطروحًا أصلًا لكي نسأل عنه. كانوا عراقيين، وكان ذلك يكفي. كم تبدو هذه الجملة بسيطة اليوم، وكم تحمل من معنى! ثم جاء الفساد، فلم يعد في مواضع كثيرة تجاوزًا عابرًا تلاحقه الدولة، بل تجذّر حتى أصبح محميًا بذوي النفوذ، يقتطع من ثروة العراق، ويضعف مؤسساته، ويبدد حق أبنائه في وطن يملك من أسباب الثراء ما يكفي لبناء مستقبل مختلف. وحين يجد الفساد من يحميه، يصبح اقتلاعه أصعب من اكتشافه؛ لأنه لا يعود مرضًا في جسد الدولة فحسب، بل يجد لنفسه مكانًا بين أضلاعها. ولعل مأساة العراق أن هذه الآفات الثلاث لم تعش منفصلة: تدخل خارجي انتقص من سيادة الدولة واستقلال قرارها، وطائفية مزقت النسيج الوطني، وفساد تجذّر واحتمى بذوي النفوذ. غذّى بعضها بعضًا، واستمد كل منها أسباب بقائه من الآخر. ولذلك لن تعود بغداد إلى بغداد بزوال واحدة منها وبقاء الأخريين؛ فبقاء آفة واحدة كفيل بأن يعيد الأوكسجين إلى ما حسبناه قد انطفأ من الآفتين الأخريين. عودة بغداد تبدأ حين يسترد العراق قراره، ويتقدم الوطن على الطائفة، وتصبح الدولة أقوى من الفساد ومن حماته. عندها فقط لا تكون بغداد ذكرى لمجد مضى، بل بداية لمجد يمكن أن يولد من جديد. ومع ذلك، لا أكتب هذه الكلمات لأوزع المسؤوليات، ولا لأضيف خصومة جديدة إلى خصومات العراق. يكفي أن نقول إن بلدًا عظيمًا دفع ثمنًا باهظًا حين ضعفت وحدته، وإن الوطن حين ينقسم على نفسه يجد الآخرين أسرع إلى تقرير مصيره منه. العراق ليس فقيرًا كي يعجز، ولا صغيرًا كي يُهمَل، ولا طارئًا على التاريخ كي يُنسى. فيه الماء والأرض والثروة والعقل البشري، وفوق ذلك كله تاريخ حضاري قلّ أن اجتمع مثله لبلد. ولهذا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: كيف اجتمعت كل أسباب القوة، وبقي الخروج من المحنة بهذه الصعوبة؟ ربما لأن خراب السياسة أسرع من بناء الدول، ولأن ما تكسره الفرقة في سنوات قد تحتاج أجيال إلى جمعه. ومع ذلك، لا أستطيع أن أكتب عن بغداد بلغة الرثاء. فالمدن العظيمة قد تمرض، لكنها لا تموت. وبغداد تعرف ذلك أكثر من غيرها. دخلها الغزاة، واحترقت فيها الكتب، وجرى في دجلة ما جرى، ثم نهضت. تبدلت عليها الدول والرايات، وبقي النهر يجري، وبقي اسم بغداد أكبر من الذين مروا بها. ولهذا نؤمن أن مدينة وبلدًا بهذا العمق الحضاري لا يمكن أن يستسلما طويلًا للمحنة. سيعرف العراق، بما اختزن من تاريخ وما يملك من إنسان، كيف يتجاوز محن الفرقة والطائفية والفساد وسطوة الأجنبي، ويسترد وحدته وقراره، لتستعيد بغداد بريقها، ويستعيد العراق دوره ومكانه الذي يليق به. وليس ما نتمناه لبغداد عودة إلى الماضي؛ فالتاريخ لا يعود، ولا ينبغي له أن يعود. ما نرجوه أن تستلهم من ماضيها قوة لمستقبلها، وأن يصبح مجدها طاقة للنهوض، لا مجرد ذكرى جميلة نلوذ بها كلما آلمنا الحاضر. نريد بغداد التي يكون فيها العراقي عراقيًا قبل أن يُسأل عن طائفته، ويكون قرار العراق عراقيًا قبل أن تتنازعه إرادات الآخرين، ويصبح اختلاف أبنائه مصدر ثراء لا بابًا للفرقة، وتعود الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار. نريدها مدينة تنظر إلى دجلة فلا ترى في مائه صور ما مضى وحده، بل ترى ما سيأتي. فبغداد ليست للعراقيين وحدهم في الوجدان. إنها شيء منا جميعًا. وحين غاب العراق عن دوره، افتقد العرب صوتًا وعقلًا وثقلًا لا يعوض بسهولة. لهذا لا نرثي بغداد. نحزن عليها، نعم، ولكننا نراهن عليها. وننتظر ذلك الصباح الذي تستيقظ فيه المدينة من طول محنتها، وتنفض عن كتفيها غبار السنين، وتنظر إلى دجلة، ثم إلى أبنائها، وتقول لهم: طال الليل… أما آن لبغداد أن تعود إلى بغداد؟
3165
| 16 أغسطس 2026