رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بالطبع أن تتحول مصر إلى دولة ديمقراطية حديثة مدنية عصرية أمر لن يتحقق بين ليلة وضحاها فهي ولادة عسيرة وقد تتم على نحو طبيعي أو يتدخل الأطباء لإجراء عملية قيصرية لكن المؤكد أن النتيجة بحول الله تعالى حاصلة وتتمثل في مولود جديد يحمل سمات الأصالة والبهاء والقوة والديمومة والقدرة على البقاء والتأثير والإشعاع في المحيط.
هكذا يبدو لي الأمر بالرغم من كل ما يبدو من محاولات شد مصر إلى الإقامة في خانة الماضي الكريه الذي يجسده النظام السابق بكل ما يعنيه من فساد وإفساد وزواج باطل بين السلطة والثروة وغياب العدل الاجتماعي وانتهاك الحريات العامة والخاصة وحقوق الإنسان التي لم تكن رموز هذا النظام تقيم لها وزنا.
لقد حاولت النخبة المنتمية لهذا النظام والتي تهيمن على ما يطلق عليه بمؤسسات الدولة العميقة عبر تحرك سري وفي بعض الأحيان علني القضاء على كل أمل في خروج هذا المولود إلى آخر لحظة قبيل إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية فقد سارعت أبواقها الإعلامية إلى التسويق بفوز أحمد شفيق ومطاردة الفضائيات للتأكيد بتسلم قوات الحرس الجمهوري منزله وهو ما أثار قدرا من البلبلة وشخصيا تعرضت لنوع من حرق الدم ومن قبل كانت مختلف أجهزة الدولة المهمة تستعد لاستقبال شفيق رئيسا بل إن نفرا من قيادات الصف الأول بإحدى الصحف القومية وزعت في الثانية عشرة من ظهر ذلك اليوم أعباء العمل على اعتبار أن شفيق هو الرئيس القادم.
لا أود الخوض في تفاصيل مرهقة للروح بيد أن اللجنة الرئاسية حسمت الأمر لصالح الدكتور محمد مرسي والذي سرعان ما فرض فوزه روحا جديدة في مصر خرج الناس تسكنهم البهجة والحبور معبرين عن انتصار جزئي للثورة.
ومنذ بداية تسلمه السلطة في الثلاثين من يونيو المنصرم لم تهدأ محاولات السيطرة على الجنين إما لتأجيل انبثاقه أو إجهاض عملية الولادة بالكامل فثمة طرق متواصل على بوابة التفزيع من وصول قيادي ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين إلى رئاسة الجمهورية على صعد مختلفة سواء سياسية أو أمنية أو اقتصادية وثمة مؤسسات لا يرضيها بقاء مرسي في هذا الموقع الرفيع رغم ما أبدته من ترحيب به من حيث الشكل وهناك تشكيك دائب في برنامجه للحد من بعض المعضلات الجماهيرية خلال المائة اليوم الأولى من رئاسته ومن خلال ملاحظاتي بوسعي القول إنه لم تحدث مقاربة حقيقية باتجاه التعامل مع هذه المعضلات ربما لأن حكومته القادرة على تنفيذ هذا البرنامج لم تتشكل بعد ولا أود أن أصل إلى حالة من سوء الظن بالأجهزة الحكومية الحالية التي تنتظر التغيير ولكن ثمة ما يؤشر إلى قدر من سوء النية وإلا فلماذا لم تبدأ محاولات جادة للبدء في تهدئة الاحتقان المروري الخانق في العاصمة ولماذا لم تبدأ محاولات التخفيف من أكوام القمامة في القاهرة والجيزة وضواحيهما وأطرافهما على نحو مقزز.
صحيح هناك بعض الحلول الجزئية لمشكلة وقود السيارات ولكن بعضا من الطوابير الممتدة على المحطات التي تقوم ببيعها ما زالت قائمة.
إن مرسي وصل إلى الموقع الرفيع المقام في مصر عبر انتخابات نزيهة وشفافة ومن ثم فإن المطلوب هو أن تقف إلى جانبه كل مؤسسات الدولة لا أن تناصبه بعضها العداء والخصومة وأن يصل الأمر برئيس نادي القضاة بالقاهرة إلى تهديد رئيس الجهورية في لغة فجة على خلفية أزمة مجلس الشعب فقد اجتهد مرسي لمحاولة إعادة هذا المجلس المنتخب بطريقة نزيهة وشفافة باعتراف كل مؤسسات الداخل ومراقبي الخارج وذلك وفاء لتعهد التزم به بعد أن حلف اليمين الدستورية فلماذا قامت الدنيا ولم تقعد وتناوبت رموز قضائية أظن أن ولاءها ما زال موصولا بالماضي على توجيه الانتقادات الحادة وأحيانا الشتائم إلى الرئيس المنتخب ومع ذلك فإن الرئيس خضع لقرار المحكمة الدستورية عندما أكدت حكمها ببطلان انتخابات مجلس الشعب ودعت إلى تنفيذ القرار فورا ولم يلجأ إلى الرد على الشتائم معلنا احترامه للمؤسسة القضائية وذلك يجعلني اتفق مع المطالبين بتطهير مؤسسة القضاء بل وكل مؤسسات الدولة من العناصر المشبوهة بناء على تحقيقات نيابية تتسم بالنزاهة حتى لا تخضع الأمور إلى الهوى الشخصي أو الأيدولوجي إلى جانب أن الإعلام المصري بشقيه العام والخاص في حاجة إلى ترشيد في أدائه دون الإخلال بمبدأ الحرية ولكن البعض يستغل مناخاتها السائدة فيلجأ إلى الفبركة والإثارة على حساب الحقيقة وقد هالني في هذا السياق ما ذكرته صحيفة روز اليوسف اليومية في عددها الصادر يوم الجمعة الفائت من أكاذيب تتعلق باتفاق السلطات القطرية مع خيرت الشاطر النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين في مصر على تشكيل جيش إخواني في قطر مكون من مائة ألف مصري فأي بلاهة وأي خطل يتسم بهما من كتب هذا الخبر الخالي من المصادر الرسمية والذي يحاول أن يبني علاقة عضوية بين قطر وجماعة الإخوان المسلمين ومن قبل أثار البعض تقارير أنا على يقين عدم صدقيتها حول توجه قطر لضخ استثمارات في المنطقة المحيطة بقناة السويس سعيا إلى السيطرة على هذه المنطقة التي تتسم بأبعاد إستراتيجية وهو ما نفته الجماعة ذاتها وأنتظر أن تنفيه سلطات الدوحة والتي ما زال اللوبي الإعلامي المرتبط بنظام مبارك يحاول تشويه مواقفها تجاه الثورة المصرية وقد بلغ الخطل ببعض هؤلاء حد القول إن قطر بالتنسيق مع المخابرات الأمريكية وراء تفجير الثورة المصرية وغيرها من ثورات الربيع العربي والخطورة في هذا الطرح تكمن في محاولة استبعاد حراك الشعوب في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا لتدافع عن حقوقها في الكرامة والعزة الإنسانية والعدالة الاجتماعية بعد أن تجاوز حكامها المستبدون المدى في القمع والقهر والتهميش.
أعود إلى الرئيس مرسي وأطالبه بسرعة تشكيل مؤسسته الرئاسية وحكومته حتى يكون بمقدورهما البدء في تنفيذ برنامجه القصير الأمد المحدد بمائة يوم وبرنامجه الطويل الأمد وألا يلقى بالا للكلام يبدأ في مقاربة الفعل حتى يشعر الشعب المسكون بالنصب والمكابدات والعذابات الطويلة من جراء حكم فاسد كريه استمر ثلاثة عقود بأنه بدأ يجني ثمار ثورته وذلك يستوجب الوفاء بكل التعهدات التي التزم بها مع القيادات الوطنية وفي مقدمتها إشراك مختلف القوى السياسية في هياكل مؤسسات الدولة حتى تكون للجميع دون أن يهيمن عليها لون واحد.
وثمة تحذير واجب في هذا السياق مؤداه عدم المساس بالمنجزات الاجتماعية لثورة الثالث والعشرين من يوليو التي سنحتفل هذا الشهر بذكراها الستين فلا ينبغي التعامل مع هذه المنجزات من منطلق تصفية حسابات فهي ملك للشعب المصري أقول هذا الكلام بمناسبة ما قرأته عن دراسات تجريها بعض دوائر حزب الحرية والعدالة لإلغاء مجانية التعليم فلو حدث ذلك فقد يفتح أبواب جهنم للقضاء على مكاسب حقيقية لشعب ناضل من أجلها ودفع ثمنا باهظا من دماء أبنائه.
السطر الأخير: في انتظار طلوع شمسك بالمدينة
هي معتمة
زاخرة بغياب البهجة
لا يعانقها مطر أو ندى فجر
سحاباتها متوقفة عن الهبوط بأنحائها
مؤلم سفرك
وجعي لن يكف عن الخفقان إلا عندما تستعيدك المدينة
فعودي أيا مسافرة
ارشقي بعطرك روحي المتعبة
كوني الدواء
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12138
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
9774
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3465
| 22 أكتوبر 2026