رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين يرحل العظماء، لا تُطوى صفحاتهم بغياب الأجساد، وإنما تبدأ مرحلة أخرى من الحضور؛ حضور يسكن ذاكرة الشعوب، وتخلّده الأعمال، وترويه الأجيال جيلاً بعد جيل. وهكذا تلقّت الأمة العربية والإسلامية، ومعها دولة قطر الشقيقة، نبأ رحيل سمو الأمير الوالد بقلوب مؤمنة يعتصرها الأسى، لما مثّله من رمزٍ للحكمة، ورجل دولةٍ استثنائي، وقائدٍ ارتبط اسمه ببناء نهضة وطن، وصناعة تجربة تنموية وإنسانية تجاوز إشعاعها حدود الجغرافيا.
وبهذا المصاب الجلل، نتقدم، باسم أبناء جزر القمر، وباسم الأسرة الثقافية والفكرية، بأصدق مشاعر التعزية والمواساة إلى مقام حضرة صاحب السمو أمير دولة قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني-حفظه الله ورعاه-وإلى الأسرة الحاكمة الكريمة، وإلى الحكومة والشعب القطري الشقيق، سائلين الله العلي القدير أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يجزيه عن وطنه وأمته قاطبة خير الجزاء، وأن يحفظ قطر، قيادةً وشعبًا، ويديم عليها نعمة الأمن والعزة والازدهار.
لقد كان الأمير الوالد قائدًا آمن بأن بناء الإنسان يسبق بناء العمران، وأن الاستثمار في العلم هو الاستثمار الأبقى. ومن هنا، لم يكن غريبًا أن تمتد جسور قطر نحو جزر القمر منذ وقت مبكر، حين فتحت أبواب المعهد الديني في الدوحة في بداية سبعينيات القرن الماضي لاستقبال نخبة من أبناء جزر القمر، فكانت تلك المنح الدراسية المباركة أول خيط في نسيج علاقة أخوية ستزداد متانةً ورسوخًا مع مرور الأعوام.
ثم بزغ فجر مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية مع تولي الأمير الوالد مقاليد الحكم عام 1995، إذ اكتسبت العلاقات القطرية القمرية بعدًا سياسيًا وتنمويًا أكثر اتساعًا. وكانت الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس جمهورية جزر القمر الراحل محمد تقي عبد الكريم إلى دولة قطر عام 1996 محطةً تاريخية فارقة، حيث حظي باستقبال كريم من سمو الأمير الوالد، وعُقدت مباحثات عكست الإرادة الصادقة في بناء شراكة أخوية بين البلدين.
وقد أثمرت تلك الزيارة التوقيع على اتفاقية للتعاون المشترك، فتحت آفاقًا جديدة للعلاقات الثنائية، وكان من أبرز نتائجها تخصيص خمسين منحة دراسية لأبناء جزر القمر، وافتتاح مقر دار الضيافة لطلاب جزر القمر، إلى جانب تنشيط الزيارات الرسمية وتوسيع مجالات التعاون في التعليم والتنمية وبناء القدرات، لتتحول العلاقة من روابط أخوية إلى شراكة مؤسسية واعدة.
وفي سياق هذا التطور، دخلت العلاقات مرحلة التمثيل الدبلوماسي، فتبادل البلدان السفراء غير المقيمين؛ فكنت أنا كاتب هذه السطور أول سفير قمري معتمد لدى دولة قطر، مقيمًا في الرياض(1998-2006)، بينما كان سعادة السفير علي بن عبد الله المحمود، في 24أبريل2000، أول سفير قطري معتمد لدى جمهورية جزر القمر، مقيمًا كذلك في الرياض. وقد أسهم هذا التمثيل الدبلوماسي في ترسيخ الحوار السياسي، وتعزيز جسور الثقة والتعاون بين البلدين.
ولم تلبث هذه العلاقات أن شهدت تطورًا متسارعًا خلال السنوات اللاحقة، حيث اتسعت مجالات التعاون لتشمل المشاريع الإنسانية والخيرية، والدعم التنموي، والمساندة المالية التي قدمتها دولة قطر للحكومات القمرية المتعاقبة في عهود الرئيس عثمان غزالي، والرئيس أحمد عبد الله سامبي، والرئيس إكليل ظنين، في صورة تعكس التزامًا ثابتًا بمساندة جزر القمر في مسيرتها التنموية، انطلاقًا من رؤية إنسانية أصيلة تبناها الأمير الوالد.
ولعل من أنصع الصفحات في سجل العلاقات القطرية القمرية ما برز إبان الأزمة الانفصالية التي عصفت بجزيرة أنجوان سنة 1997، وهي الأزمة التي هددت وحدة جمهورية جزر القمر وألقت بظلالها على أمنها واستقرارها. ففي تلك المرحلة العصيبة، لم تقف دولة قطر موقف المتفرج، بل كانت من أوائل الدول العربية التي مدت يد العون للحكومة القمرية، إدراكًا منها أن وحدة جزر القمر ليست شأنًا داخليًا فحسب، بل ركيزة من ركائز الاستقرار في المنطقة، وقيمة عربية وإسلامية تستحق كل سند ومؤازرة.
وحين بدأت ملامح المصالحة الوطنية تتشكل عام 2001، بادرت دولة قطر إلى تقديم الدعم المالي اللازم لإنجاح مساعي الوفاق، إيمانًا منها بأن السلام لا يُصان بالشعارات، وإنما يُبنى بالإرادة الصادقة، ويترسخ بالتضامن العملي بين الأشقاء.
ولم يكتف سمو الأمير الوالد بذلك، بل حمل قضية جزر القمر إلى المحافل العربية والدولية، فجعلها قضية تضامن عربي مشترك. ففي القمة العربية التي انعقدت في المملكة الأردنية الهاشمية في مارس 2001، طرح سموه مبادرةً رائدةً على قادة العرب، لإنشاء صندوق عربي لدعم جمهورية جزر القمر وتعزيز المصالحة الوطنية فيها والتي تمخضت عن اتفاقية "فومبوني" تحت مظلة جامعة الدول العربية، وأعلن، في موقف يجسد صدق الالتزام ونبل الموقف، تبرع دولة قطر بمبلغ مليوني دولار أمريكي ليكون اللبنة الأولى في هذا الصندوق، داعيًا الدول العربية إلى الإسهام في دعم استقرار جزر القمر وترسيخ وحدتها الوطنية.
لم تكن تلك المبادرة مجرد مساهمة مالية، وإنما كانت رسالة سياسية وإنسانية عميقة، تؤكد أن قطر، بقيادة الأمير الوالد، كانت ترى في استقرار جزر القمر جزءًا من مسؤوليتها العربية والإسلامية، وأن الأخوة الصادقة تُقاس بالمواقف في ساعات الشدة قبل أن تُقاس بالمجاملات في أوقات الرخاء.
وبرئاسة سموه للقمة العربية (21) صدر أول قرار عربي لمجلس جامعة الدول العربية، بعد انضمام جزر القمر إليها، لتأكيد السيادة القمرية على مايوت ودعوة فرنسا لإنهاء احتلالها لهذه الجزيرة العربية المسلمة.
وهكذا، ظل الأمير الوالد حاضرًا في الذاكرة القمرية بوصفه نصيرًا لوحدة البلاد، وداعمًا لمسيرة المصالحة، وشريكًا في بناء الدولة، حتى غدت مواقفه صفحات مضيئة في تاريخ العلاقات القطرية القمرية، تُروى بكل اعتزاز، وتُحفظ بكل وفاء، وستبقى شاهدًا على أن الرجال العظام يرحلون عن الدنيا، ولكن آثارهم الكريمة تبقى حيّة في ضمير الشعوب، لا تمحوها السنون ولا يطويها النسيان.
وكان من ثمار هذا المسار المبارك، المؤتمر العربي للاستثمار والتنمية في جزر القمر الذي استضافته الدوحة عام 2010، وزيارة سمو الأمير الوالد إلى الجزر، في مارس عام 2010، وافتتاح السفارتين في موروني والدوحة، لتدخل العلاقات القطرية القمرية مرحلة جديدة من النضج السياسي والدبلوماسي، تقوم على التواصل المباشر، والتنسيق المستمر، وتعدد مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة للشعبين الشقيقين.
لقد آمن الأمير الوالد بأن السياسة لا تنفصل عن الأخلاق، وأن قيمة الدولة تُقاس بما تقدمه للإنسان أينما كان، ولذلك امتدت أيادي قطر البيضاء إلى أنحاء كثيرة من العالم، وكان لجزر القمر نصيبٌ كريم من هذا العطاء؛ في التعليم، والصحة، والإغاثة، والتنمية، ودعم المؤسسات، حتى غدت آثار ذلك الدعم شواهد ناطقة على عمق الأخوة وصدق المواقف.
واليوم، ونحن نودع هذه القامة التاريخية المرموقة، فإننا لا نرثي رجلًا فحسب، بل نستذكر مرحلة كاملة من العمل والبناء والعطاء، ونستحضر قائدًا آمن بأن العلاقات بين الدول لا تُبنى على المصالح العابرة وحدها، بل على الوفاء، والاحترام المتبادل، والاستثمار في الإنسان.
رحم الله سمو الأمير الوالد، رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم دولة قطر قيادةً وشعبًا جميل الصبر والسلوان، وأدام على العلاقات القطرية القمرية ما امتازت به من أخوة صادقة وتعاون مثمر، وفاءً لإرثٍ أسسه رجالٌ كبار، وستظل الأجيال تذكره بكل اعتزاز.
وفي الختام، هذه ليست كلمات رثاء تُقال في وداع قائدٍ كبير، بقدر ما هي شهادة وفاء يسجلها التاريخ لرجلٍ آمن بأن السياسة رسالة، وأن القيادة مسؤولية، وأن العلاقات بين الدول تُبنى على الصدق والاحترام والتضامن.
ومن موقع المسؤولية الدبلوماسية التي تشرفت بحملها، وما أتيح لي من متابعةٍ لمسيرة العلاقات القطرية القمرية في مراحلها الأولى، أستطيع أن أقول بثقة: إن الأمير الوالد لم يكن بالنسبة لجزر القمر قائدًا لدولة شقيقة فحسب، بل كان أخًا صادقًا في المواقف، حاضرًا في ساعات الشدة كما في أوقات الرخاء، مؤمنًا بأن نهضة الدول الصغيرة واستقرارها جزء من نهضة الأمة كلها.
قد يرحل الرجال، ولكن المبادئ التي غرسوها، والمؤسسات التي أسسوها، والعلاقات التي شيدوها على الثقة والوفاء، تبقى شاهدة على عظمة أصحابها. وستظل جزر القمر تذكر للأمير الوالد مواقفه النبيلة، ودعمه الصادق، وإسهامه في توطيد أواصر الأخوة بين الشعبين الشقيقين.
رحم الله فقيدنا الغالي، حبيب الإنسانية، رحمةً واسعة، وجزاه عن قطر، وعن أمته العربية والإسلامية، وعن جزر القمر خير الجزاء، وأدام على دولة قطر أمنها ووحدتها وازدهارها، وجعل إرثه الكريم منارةً تهتدي بها الأجيال.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
7293
| 11 أغسطس 2026
لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي استطاعت استقطاب العنصر الأجنبي للإقامة والاستقرار بها سواء من أجل العمل أو الاستثمار، إيمانا منها بضرورة تعزيز المركز القانوني للأجنبي وخلق أفق يسع جميع من يرغب في الاندماج داخل المجتمع القطري، لكن ذلك لا يمنع الدولة من ضمان الآليات التي تكفل لها حفظ نظامها العام، وعدم انتهاكه ممن هو أجنبي عنه، لذلك فإن الدولة في حالة الحياد عن ثوابتها وقواعد استقرارها من قبل العنصر الأجنبي سمحت باتخاذ إجراء إداري في حقه يتمثل في الإبعاد عن البلاد. يجد قرار إبعاد الأجنبي إداريا سنده القانوني ضمن القانون رقم 89 لسنة 2015 بشأن تنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم، ويتم الإبعاد بواسطة قرار يصدره وزير الداخلية في حق الأجنبي الذي حاد عن النظام العام بدولة قطر، ويشترط من أجل إصدار هذا القرار أن يكون الفعل المرتكب قد تم من شخص لا يحمل الجنسية القطرية، ودخل قطر دخولا نظاميا صحيحا من أجل الإقامة سواء كان مؤقتا أو دائما، أو دخل بواسطة سمة سياحية أو أية سمة أخرى، بشرط ألا يكون حاملا لجواز السفر القطري، أما بالنسبة لمن دخل البلاد بسبب اللجوء السياسي فإنه مبدئيا لا يجوز إبعاده إداريا إلا إذا صدر خرق سافر لقواعد النظام العام من قبل اللاجئ السياسي، ومع ذلك يجوز له الطعن في هذا القرار، وذلك تطبيقا لاتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والتي كانت قطر طرفا فيها لكنها لم توقعها، مما يعني أنها غير ملزمة بشكل آمر بما ورد فيها. أما الأسباب التي تخول وزير الداخلية إصدار قرار الإبعاد الإداري للأجنبي فإن المشرع لم يعددها أو يحصرها، بل ترك السلطة التقديرية له من أجل تحديد جسامة الفعل وخطورة الإبقاء على الفاعل الأجنبي داخل دولة قطر. وهنالك حالات من الأجانب المستثنين من نطاق تطبيق القانون رقم 89 لسنة 2015، وبالتالي مستبعدون من فرضية إصدار قرار في حقهم بالإبعاد إداريا، وهم رؤساء الدول الأجنبية وأفراد أسرهم ومرافقوهم، رؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية الأجنبية والهيئات الدولية المعتمدون لدى الدولة والملحقون والإداريون وعائلاتهم والأشخاص التابعون لهم، وكذلك الوفود الرسمية، ربابنة السفن والطائرات وأطقمهم وفقا للشروط والإجراءات المتطلبة، مواطنو دول مجلس التعاون لدى الخليج العربية، ومن يرى وزير الداخلية استثناءهم لاعتبارات سياسية أو إنسانية. هذا وتجدر الإشارة إلى أن القانون لم يلزم وزير الداخلية بإصدار قراره بإبعاد الأجنبي عن البلاد بإفراغه في شكلية معينة أو إتباع مراحل إجرائية بذاتها، مع عدا ضرورة توقيع القرار من طرف السيد الوزير، كما أن المشرع لم يلزم السيد الوزير بتسبيب القرار، فلا يوجد مقتضى قانوني يشترط أن ترد في قرار الإبعاد الأسباب المؤدية إلى اتخاذه، كما أن وزير الداخلية يجوز له حسب سلطته التقديرية العدول عن قرار الإبعاد ولا قيد له في ذلك، ويتم هذا العدول بواسطة قرار لاحق يلغي قرار الإبعاد، كما قد يتم إلغاء قرار الإبعاد استثنائيا بواسطة صدور قرار أميري بشأن حالة بعينها. عموما فإن الإبعاد الإداري هو قرار يصدر في حق الأجنبي من قبل السلطة التنفيذية في البلاد، ويختلف عن الإبعاد القضائي الذي يصدر بمثابة عقوبة تبعية أو مكملة للعقوبة الأصلية التي تقضي بها المحكمة في حق الأجنبي الذي ثبت ارتكابه جريمة ما.
6621
| 17 أغسطس 2026
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد بألم، وتلحّ عليّ الرغبة في أن أكتب عنها، ثم أتردد. فبغداد اليوم محاطة بألغام السياسة والطوائف والمصالح والتدخلات، وما إن تقترب الكلمة من جرح حتى تكاد تفتح جراحًا أخرى. وكنت أخشى، كلما أمسكت بالقلم، أن أفجّر لغمًا وأنا أبحث عن بغداد. ثم قلت: ولماذا أبحث عنها في السياسة وحدها؟ لبغداد أبواب أخرى ندخل منها؛ باب التاريخ، وباب الأدب، وباب الشعر، وأوسعها جميعًا باب الوجدان. يكفي أن تقول بغداد، حتى ينساب دجلة في الذاكرة، ويطل الرشيد من شرفة التاريخ، وتُفتح أبواب بيت الحكمة، ويعود الورّاقون إلى حوانيتهم، والعلماء إلى مجالسهم، والشعراء إلى قصائدهم. مدينة كانت الكتب فيها جسورًا بين الحضارات، والعلم لغة يتخاطب بها القادمون من جهات الأرض. لم تكن بغداد عاصمة لدولة فحسب؛ كانت، في زمن من الأزمنة، عاصمة للعالم. فيها تُرجمت كتب الفلسفة والطب والفلك، ومنها خرج إلى الدنيا من أروع ما أنتجه العقل العربي والإسلامي. ولبغداد مع الشعر صحبة قديمة. قال فيها علي بن الجهم: «عيونُ المها بين الرصافة والجسرِ جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري» وبعد قرون ظل سحرها حاضرًا، حتى قال نزار قباني: «عيناكِ يا بغدادُ منذ طفولتي شمسانِ نائمتانِ في أهدابي» وبين الرصافة والجسر، وبين بغداد التي نامت في أهداب شاعر حديث، قرون طويلة، وبقيت المدينة قادرة على أن توقظ الشعر. ولعل ذلك يفسر شيئًا من علاقتنا بها؛ فكثير منا عرف بغداد قبل أن يزورها، وسكنت مخيلته قبل أن تطأ قدماه أرضها. عرفناها في التاريخ والشعر والكتب، وفي أسماء علمائها وأدبائها. كانت جزءًا من صورة العربي عن زمن استطاع فيه أن يصنع الحضارة، لا أن يكتفي بالحديث عنها. ومن هنا تأتي قسوة المفارقة. فمن أشد مفارقات التاريخ إيلامًا أن بغداد، بكل ما تحمله من مجد عريق، تمر اليوم بمحنة طال أمدها؛ كأنها تعرف جيدًا من أين جاءت، ولا تعرف بعد من أين يكون الخروج. والحديث عن بغداد هنا حديث عن العراق كله. عن بلد كان حضوره في محيطه العربي ثقيلًا بالمعنى، غنيًا بالعلم والثقافة والفكر، يمد المنطقة بالكتاب والشاعر والأستاذ والطبيب والمهندس، ثم عصفت به الحروب وتوالت عليه المحن، حتى غاب كثير من دوره الذي عرفناه، وأصبح الحاضر مثقلًا، والمستقبل محاطًا بالأسئلة. وهنا تبدأ الألغام التي خشيت الاقتراب منها. لكن الخشية من الألغام لا ينبغي أن تصبح ذريعة للصمت عن الحقيقة. لقد تناوبت على العراق سطوة الخارج، من احتلال أمريكي معلن إلى نفوذ إيراني تمدّد عميقًا في الداخل، بدعم فصائل مسلحة موالية له وتسليحها، حتى غدا بعضها قوة تنازع الدولة سلطتها وقرارها، وعقبة أمام استعادة مؤسساتها لسيادتها الكاملة. وبقي القرار العراقي، في الداخل والخارج، أسيرًا لهذا الاحتلال أو ذاك النفوذ. ولم تكن سطوة الخارج وحدها ما أثقل العراق؛ فقد نمت في الداخل أمراض لا تقل خطرًا. طائفية بغيضة مزقت ما جمعه الوطن، حتى ضاقت الهوية الجامعة أمام هويات أصغر منها. والطائفة قد تكون جزءًا من الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تكون وطنًا؛ فالوطن أكبر من الطائفة، وأبقى من الخلاف، ويتسع لأبنائه جميعًا. وأستعيد هنا شيئًا من تجربتي الشخصية. عشت سنوات طويلة بين سفراء عراقيين كانوا زملاء وأصدقاء. كنا نلتقي ونتحاور، نتفق ونختلف، ثم نفترق، ولم يخطر لي يومًا أن أسأل واحدًا منهم إلى أي طائفة ينتمي، ولم يكن الأمر مطروحًا أصلًا لكي نسأل عنه. كانوا عراقيين، وكان ذلك يكفي. كم تبدو هذه الجملة بسيطة اليوم، وكم تحمل من معنى! ثم جاء الفساد، فلم يعد في مواضع كثيرة تجاوزًا عابرًا تلاحقه الدولة، بل تجذّر حتى أصبح محميًا بذوي النفوذ، يقتطع من ثروة العراق، ويضعف مؤسساته، ويبدد حق أبنائه في وطن يملك من أسباب الثراء ما يكفي لبناء مستقبل مختلف. وحين يجد الفساد من يحميه، يصبح اقتلاعه أصعب من اكتشافه؛ لأنه لا يعود مرضًا في جسد الدولة فحسب، بل يجد لنفسه مكانًا بين أضلاعها. ولعل مأساة العراق أن هذه الآفات الثلاث لم تعش منفصلة: تدخل خارجي انتقص من سيادة الدولة واستقلال قرارها، وطائفية مزقت النسيج الوطني، وفساد تجذّر واحتمى بذوي النفوذ. غذّى بعضها بعضًا، واستمد كل منها أسباب بقائه من الآخر. ولذلك لن تعود بغداد إلى بغداد بزوال واحدة منها وبقاء الأخريين؛ فبقاء آفة واحدة كفيل بأن يعيد الأوكسجين إلى ما حسبناه قد انطفأ من الآفتين الأخريين. عودة بغداد تبدأ حين يسترد العراق قراره، ويتقدم الوطن على الطائفة، وتصبح الدولة أقوى من الفساد ومن حماته. عندها فقط لا تكون بغداد ذكرى لمجد مضى، بل بداية لمجد يمكن أن يولد من جديد. ومع ذلك، لا أكتب هذه الكلمات لأوزع المسؤوليات، ولا لأضيف خصومة جديدة إلى خصومات العراق. يكفي أن نقول إن بلدًا عظيمًا دفع ثمنًا باهظًا حين ضعفت وحدته، وإن الوطن حين ينقسم على نفسه يجد الآخرين أسرع إلى تقرير مصيره منه. العراق ليس فقيرًا كي يعجز، ولا صغيرًا كي يُهمَل، ولا طارئًا على التاريخ كي يُنسى. فيه الماء والأرض والثروة والعقل البشري، وفوق ذلك كله تاريخ حضاري قلّ أن اجتمع مثله لبلد. ولهذا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: كيف اجتمعت كل أسباب القوة، وبقي الخروج من المحنة بهذه الصعوبة؟ ربما لأن خراب السياسة أسرع من بناء الدول، ولأن ما تكسره الفرقة في سنوات قد تحتاج أجيال إلى جمعه. ومع ذلك، لا أستطيع أن أكتب عن بغداد بلغة الرثاء. فالمدن العظيمة قد تمرض، لكنها لا تموت. وبغداد تعرف ذلك أكثر من غيرها. دخلها الغزاة، واحترقت فيها الكتب، وجرى في دجلة ما جرى، ثم نهضت. تبدلت عليها الدول والرايات، وبقي النهر يجري، وبقي اسم بغداد أكبر من الذين مروا بها. ولهذا نؤمن أن مدينة وبلدًا بهذا العمق الحضاري لا يمكن أن يستسلما طويلًا للمحنة. سيعرف العراق، بما اختزن من تاريخ وما يملك من إنسان، كيف يتجاوز محن الفرقة والطائفية والفساد وسطوة الأجنبي، ويسترد وحدته وقراره، لتستعيد بغداد بريقها، ويستعيد العراق دوره ومكانه الذي يليق به. وليس ما نتمناه لبغداد عودة إلى الماضي؛ فالتاريخ لا يعود، ولا ينبغي له أن يعود. ما نرجوه أن تستلهم من ماضيها قوة لمستقبلها، وأن يصبح مجدها طاقة للنهوض، لا مجرد ذكرى جميلة نلوذ بها كلما آلمنا الحاضر. نريد بغداد التي يكون فيها العراقي عراقيًا قبل أن يُسأل عن طائفته، ويكون قرار العراق عراقيًا قبل أن تتنازعه إرادات الآخرين، ويصبح اختلاف أبنائه مصدر ثراء لا بابًا للفرقة، وتعود الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار. نريدها مدينة تنظر إلى دجلة فلا ترى في مائه صور ما مضى وحده، بل ترى ما سيأتي. فبغداد ليست للعراقيين وحدهم في الوجدان. إنها شيء منا جميعًا. وحين غاب العراق عن دوره، افتقد العرب صوتًا وعقلًا وثقلًا لا يعوض بسهولة. لهذا لا نرثي بغداد. نحزن عليها، نعم، ولكننا نراهن عليها. وننتظر ذلك الصباح الذي تستيقظ فيه المدينة من طول محنتها، وتنفض عن كتفيها غبار السنين، وتنظر إلى دجلة، ثم إلى أبنائها، وتقول لهم: طال الليل… أما آن لبغداد أن تعود إلى بغداد؟
2574
| 16 أغسطس 2026