رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين يرحل العظماء، لا تُطوى صفحاتهم بغياب الأجساد، وإنما تبدأ مرحلة أخرى من الحضور؛ حضور يسكن ذاكرة الشعوب، وتخلّده الأعمال، وترويه الأجيال جيلاً بعد جيل. وهكذا تلقّت الأمة العربية والإسلامية، ومعها دولة قطر الشقيقة، نبأ رحيل سمو الأمير الوالد بقلوب مؤمنة يعتصرها الأسى، لما مثّله من رمزٍ للحكمة، ورجل دولةٍ استثنائي، وقائدٍ ارتبط اسمه ببناء نهضة وطن، وصناعة تجربة تنموية وإنسانية تجاوز إشعاعها حدود الجغرافيا.
وبهذا المصاب الجلل، نتقدم، باسم أبناء جزر القمر، وباسم الأسرة الثقافية والفكرية، بأصدق مشاعر التعزية والمواساة إلى مقام حضرة صاحب السمو أمير دولة قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني-حفظه الله ورعاه-وإلى الأسرة الحاكمة الكريمة، وإلى الحكومة والشعب القطري الشقيق، سائلين الله العلي القدير أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يجزيه عن وطنه وأمته قاطبة خير الجزاء، وأن يحفظ قطر، قيادةً وشعبًا، ويديم عليها نعمة الأمن والعزة والازدهار.
لقد كان الأمير الوالد قائدًا آمن بأن بناء الإنسان يسبق بناء العمران، وأن الاستثمار في العلم هو الاستثمار الأبقى. ومن هنا، لم يكن غريبًا أن تمتد جسور قطر نحو جزر القمر منذ وقت مبكر، حين فتحت أبواب المعهد الديني في الدوحة في بداية سبعينيات القرن الماضي لاستقبال نخبة من أبناء جزر القمر، فكانت تلك المنح الدراسية المباركة أول خيط في نسيج علاقة أخوية ستزداد متانةً ورسوخًا مع مرور الأعوام.
ثم بزغ فجر مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية مع تولي الأمير الوالد مقاليد الحكم عام 1995، إذ اكتسبت العلاقات القطرية القمرية بعدًا سياسيًا وتنمويًا أكثر اتساعًا. وكانت الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس جمهورية جزر القمر الراحل محمد تقي عبد الكريم إلى دولة قطر عام 1996 محطةً تاريخية فارقة، حيث حظي باستقبال كريم من سمو الأمير الوالد، وعُقدت مباحثات عكست الإرادة الصادقة في بناء شراكة أخوية بين البلدين.
وقد أثمرت تلك الزيارة التوقيع على اتفاقية للتعاون المشترك، فتحت آفاقًا جديدة للعلاقات الثنائية، وكان من أبرز نتائجها تخصيص خمسين منحة دراسية لأبناء جزر القمر، وافتتاح مقر دار الضيافة لطلاب جزر القمر، إلى جانب تنشيط الزيارات الرسمية وتوسيع مجالات التعاون في التعليم والتنمية وبناء القدرات، لتتحول العلاقة من روابط أخوية إلى شراكة مؤسسية واعدة.
وفي سياق هذا التطور، دخلت العلاقات مرحلة التمثيل الدبلوماسي، فتبادل البلدان السفراء غير المقيمين؛ فكنت أنا كاتب هذه السطور أول سفير قمري معتمد لدى دولة قطر، مقيمًا في الرياض(1998-2006)، بينما كان سعادة السفير علي بن عبد الله المحمود، في 24أبريل2000، أول سفير قطري معتمد لدى جمهورية جزر القمر، مقيمًا كذلك في الرياض. وقد أسهم هذا التمثيل الدبلوماسي في ترسيخ الحوار السياسي، وتعزيز جسور الثقة والتعاون بين البلدين.
ولم تلبث هذه العلاقات أن شهدت تطورًا متسارعًا خلال السنوات اللاحقة، حيث اتسعت مجالات التعاون لتشمل المشاريع الإنسانية والخيرية، والدعم التنموي، والمساندة المالية التي قدمتها دولة قطر للحكومات القمرية المتعاقبة في عهود الرئيس عثمان غزالي، والرئيس أحمد عبد الله سامبي، والرئيس إكليل ظنين، في صورة تعكس التزامًا ثابتًا بمساندة جزر القمر في مسيرتها التنموية، انطلاقًا من رؤية إنسانية أصيلة تبناها الأمير الوالد.
ولعل من أنصع الصفحات في سجل العلاقات القطرية القمرية ما برز إبان الأزمة الانفصالية التي عصفت بجزيرة أنجوان سنة 1997، وهي الأزمة التي هددت وحدة جمهورية جزر القمر وألقت بظلالها على أمنها واستقرارها. ففي تلك المرحلة العصيبة، لم تقف دولة قطر موقف المتفرج، بل كانت من أوائل الدول العربية التي مدت يد العون للحكومة القمرية، إدراكًا منها أن وحدة جزر القمر ليست شأنًا داخليًا فحسب، بل ركيزة من ركائز الاستقرار في المنطقة، وقيمة عربية وإسلامية تستحق كل سند ومؤازرة.
وحين بدأت ملامح المصالحة الوطنية تتشكل عام 2001، بادرت دولة قطر إلى تقديم الدعم المالي اللازم لإنجاح مساعي الوفاق، إيمانًا منها بأن السلام لا يُصان بالشعارات، وإنما يُبنى بالإرادة الصادقة، ويترسخ بالتضامن العملي بين الأشقاء.
ولم يكتف سمو الأمير الوالد بذلك، بل حمل قضية جزر القمر إلى المحافل العربية والدولية، فجعلها قضية تضامن عربي مشترك. ففي القمة العربية التي انعقدت في المملكة الأردنية الهاشمية في مارس 2001، طرح سموه مبادرةً رائدةً على قادة العرب، لإنشاء صندوق عربي لدعم جمهورية جزر القمر وتعزيز المصالحة الوطنية فيها والتي تمخضت عن اتفاقية "فومبوني" تحت مظلة جامعة الدول العربية، وأعلن، في موقف يجسد صدق الالتزام ونبل الموقف، تبرع دولة قطر بمبلغ مليوني دولار أمريكي ليكون اللبنة الأولى في هذا الصندوق، داعيًا الدول العربية إلى الإسهام في دعم استقرار جزر القمر وترسيخ وحدتها الوطنية.
لم تكن تلك المبادرة مجرد مساهمة مالية، وإنما كانت رسالة سياسية وإنسانية عميقة، تؤكد أن قطر، بقيادة الأمير الوالد، كانت ترى في استقرار جزر القمر جزءًا من مسؤوليتها العربية والإسلامية، وأن الأخوة الصادقة تُقاس بالمواقف في ساعات الشدة قبل أن تُقاس بالمجاملات في أوقات الرخاء.
وبرئاسة سموه للقمة العربية (21) صدر أول قرار عربي لمجلس جامعة الدول العربية، بعد انضمام جزر القمر إليها، لتأكيد السيادة القمرية على مايوت ودعوة فرنسا لإنهاء احتلالها لهذه الجزيرة العربية المسلمة.
وهكذا، ظل الأمير الوالد حاضرًا في الذاكرة القمرية بوصفه نصيرًا لوحدة البلاد، وداعمًا لمسيرة المصالحة، وشريكًا في بناء الدولة، حتى غدت مواقفه صفحات مضيئة في تاريخ العلاقات القطرية القمرية، تُروى بكل اعتزاز، وتُحفظ بكل وفاء، وستبقى شاهدًا على أن الرجال العظام يرحلون عن الدنيا، ولكن آثارهم الكريمة تبقى حيّة في ضمير الشعوب، لا تمحوها السنون ولا يطويها النسيان.
وكان من ثمار هذا المسار المبارك، المؤتمر العربي للاستثمار والتنمية في جزر القمر الذي استضافته الدوحة عام 2010، وزيارة سمو الأمير الوالد إلى الجزر، في مارس عام 2010، وافتتاح السفارتين في موروني والدوحة، لتدخل العلاقات القطرية القمرية مرحلة جديدة من النضج السياسي والدبلوماسي، تقوم على التواصل المباشر، والتنسيق المستمر، وتعدد مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة للشعبين الشقيقين.
لقد آمن الأمير الوالد بأن السياسة لا تنفصل عن الأخلاق، وأن قيمة الدولة تُقاس بما تقدمه للإنسان أينما كان، ولذلك امتدت أيادي قطر البيضاء إلى أنحاء كثيرة من العالم، وكان لجزر القمر نصيبٌ كريم من هذا العطاء؛ في التعليم، والصحة، والإغاثة، والتنمية، ودعم المؤسسات، حتى غدت آثار ذلك الدعم شواهد ناطقة على عمق الأخوة وصدق المواقف.
واليوم، ونحن نودع هذه القامة التاريخية المرموقة، فإننا لا نرثي رجلًا فحسب، بل نستذكر مرحلة كاملة من العمل والبناء والعطاء، ونستحضر قائدًا آمن بأن العلاقات بين الدول لا تُبنى على المصالح العابرة وحدها، بل على الوفاء، والاحترام المتبادل، والاستثمار في الإنسان.
رحم الله سمو الأمير الوالد، رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم دولة قطر قيادةً وشعبًا جميل الصبر والسلوان، وأدام على العلاقات القطرية القمرية ما امتازت به من أخوة صادقة وتعاون مثمر، وفاءً لإرثٍ أسسه رجالٌ كبار، وستظل الأجيال تذكره بكل اعتزاز.
وفي الختام، هذه ليست كلمات رثاء تُقال في وداع قائدٍ كبير، بقدر ما هي شهادة وفاء يسجلها التاريخ لرجلٍ آمن بأن السياسة رسالة، وأن القيادة مسؤولية، وأن العلاقات بين الدول تُبنى على الصدق والاحترام والتضامن.
ومن موقع المسؤولية الدبلوماسية التي تشرفت بحملها، وما أتيح لي من متابعةٍ لمسيرة العلاقات القطرية القمرية في مراحلها الأولى، أستطيع أن أقول بثقة: إن الأمير الوالد لم يكن بالنسبة لجزر القمر قائدًا لدولة شقيقة فحسب، بل كان أخًا صادقًا في المواقف، حاضرًا في ساعات الشدة كما في أوقات الرخاء، مؤمنًا بأن نهضة الدول الصغيرة واستقرارها جزء من نهضة الأمة كلها.
قد يرحل الرجال، ولكن المبادئ التي غرسوها، والمؤسسات التي أسسوها، والعلاقات التي شيدوها على الثقة والوفاء، تبقى شاهدة على عظمة أصحابها. وستظل جزر القمر تذكر للأمير الوالد مواقفه النبيلة، ودعمه الصادق، وإسهامه في توطيد أواصر الأخوة بين الشعبين الشقيقين.
رحم الله فقيدنا الغالي، حبيب الإنسانية، رحمةً واسعة، وجزاه عن قطر، وعن أمته العربية والإسلامية، وعن جزر القمر خير الجزاء، وأدام على دولة قطر أمنها ووحدتها وازدهارها، وجعل إرثه الكريم منارةً تهتدي بها الأجيال.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
3249
| 11 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1590
| 09 أغسطس 2026
منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء، لم يتوقف عن سؤال محوري يتكرر بصور مختلفة: أين نقف؟ وعلى أي أرض نسير؟ قد يبدو السؤال بسيطاً في ظاهره، لكنه في الحقيقة من أكثر الأسئلة التي حيّرت الفلاسفة، وأربكت العلماء، وأشعلت الجدل بين الحضارات. والأعجب من ذلك أن هذا الاستفهام ما زال حتى اليوم يثير انقساماً فكرياً واسعاً، رغم كل ما بلغته البشرية من تقدم هائل في علوم الفضاء والاستشعار عن بُعد. فهل الأرض كرة كاملة؟ أم أنها مفلطحة عند القطبين وأقرب إلى الشكل البيضاوي؟ أم أن هناك من يرى أنها ليست كذلك أصلًا، وإنما هي سطح واسع لم نفهم تمام كنهه بعد؟ إن المتأمل المنصف لا يستهين بأي سؤال، ولا يقدس رأياً لمجرد شيوعه؛ فتاريخ العلم كله قائم على مراجعة المسلّمات. لقد كان الناس يعتقدون أن الشمس تدور حول الأرض ثم تبدلت الصورة، وظنوا أن الذرة أصغر جزء في الكون حتى انقسمت إلى عالم أعجب، وكانوا يرون الزمن ثابتاً حتى جاء أينشتاين ليجعله قابلاً للتمدد والانكماش. وهذا يدلك على أن العلم ليس كتاباً أُغلق، بل رحلة استكشاف لا تنتهي. النموذج العلمي السائد تتبنى المؤسسات العلمية في العالم أن الأرض ليست كرة تامة، بل جسم مفلطح قليلًا عند القطبين ومنتفخ عند خط الاستواء، وهو ما يُعرف في الفيزياء بـ "القطع الناقص الدوراني" ويستند هذا النموذج إلى صور الأقمار الصناعية، وحسابات الجاذبية، وملاحة الطائرات والسفن، والقياسات الدقيقة مما جعله الأكثر قبولاً في المجتمع العلمي. لماذا يستمر الجدل؟ في المقابل، ترى فئة أخرى أن كثيراً مما يُقدَّم للناس يعتمد على الثقة بالمؤسسات أكثر من اعتماده على التجربة الشخصية المباشرة. ويطرح أصحاب هذا الاتجاه أسئلة من قبيل: كيف يشعر الإنسان بوجود دوران الأرض؟ ولماذا يبدو الأفق مستقيماً؟ وهل تعكس جميع الصور الفضائية الواقع كما هو؟ قد يختلف الباحث مع هذه التساؤلات أو يوافقها، لكنها تبقى جزءاً من حركة الفكر الإنساني التي لا يجوز مصادرتها بالسخرية؛ فالعلم الحقيقي لا يخاف من السؤال. المقاربة القرآنية ومن اللافت أن القرآن الكريم لم يجعل الشكل الهندسي للأرض قضية إيمانية، ولم يربط الهداية بأبعادها؛ بل وجَّه الإنسان إلى ما هو أعظم وأشمل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. دعا القرآن إلى التفكر في التكوين، ولم يفرض نموذجاً هندسياً محدداً. ولهذا نجد ألفاظاً مثل "مدّ الأرض"، "دحاها"، و"سطحت"، وهي تعابير تناولها المفسرون بطرائق متعددة دون أن يجعلوا منها سبباً للتنازع أو الخلاف. عالم الأراضين السبع… أبعاد تتجاوز الإدراك ومما يزيد الأمر ذهولاً وتأملاً، أن النص القرآني لم يقف عند حدود هذه الأرض التي نعيش عليها ونقيس أبعادها، بل أشار إلى أبعاد وعوالم أخرى بوضوح في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. إن هذا التماثل بين السماوات والأراضين يفتح الباب أمام أسئلة أكثر عمقاً وأشد إبصاراً: هل أرضنا هذه مجرد طبقة واحدة من منظومة أعظم؟ وهل الأراضين الأُخرى طبقات جيولوجية داخلية، أم أبعاد كونية موازية لا نراها بأعيننا ولا تدركها مراصدنا؟ لقد أشار المفسرون الأوائل - كابن عباس رضي الله عنهما - إلى أن في كل أرض خلقاً وعوالم لا نعرف حقيقتها. واليوم، تقترب الفيزياء النظرية الحديثة من هذا المفهوم حين تتحدث عن "الأبعاد المتعددة" و"الأكوان الموازية"، مما يثبت أن محاولة حصر "الأرض" في شكل هندسي مجرد (كرة أو سطح) قد يكون تبسيطاً قاصراً لواقع كوني معقد جداً لم نكتشف منه إلا القشور. هل الحقيقة أكبر مما نتصور؟ يخبرنا التاريخ أن الإنسان كثيراً ما ظن أنه وصل إلى نهاية المعرفة، ثم اكتشف أنه كان في بدايتها فقط. فلعل أجيال القرن القادم سيبتسمون لبعض نقاشاتنا اليوم كما نبتسم نحن لنظريات القرون الوسطى، وربما يكتشف العلم مستقبلاً أن توصيف الأرض أعقد بكثير من مجرد حصرها في كلمات مثل "كرة" أو "بيضة" أو "سطح"؛ فالطبيعة لا تُختصر في المصطلحات. إن المشكلة الحقيقية ليست في شكل الأرض، بل في شكل العقول؛ فهناك من يحوّل الرأي العلمي إلى عقيدة جامدة لا تُناقش، وهناك من يتخذ النظرية غير المثبتة يقيناً مطلقاً، وكلا الطرفين يبتعد عن روح البحث العلمي السليم. فالقيمة الكبرى ليست في الوصول إلى الشكل النهائي، بل في بقاء العقل حراً يجمع بين الإيمان، والتواضع، والبرهان.
1011
| 06 أغسطس 2026