رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قد لا تظهر هناك علاقة مباشرة بين الوضعية الثقافية لدى شعبٍ ما، ونوع السيّارة المفضّلة لديه أو المُستخدَمة على نطاق واسع بين أفراده. على اعتبار أنّ نوع السيّارات لا يعبّرُ بالضرورة عن نمطٍ تفضيلي يكتنز بداخله مُعطى ثقافي، يمكن القياس عليه بوضوح تام؛ إنما قد تنحصر دلالته -أغلب الأحيان- في كونه مؤشرا بسيطا للوضع الاقتصادي العامّ في البلاد، ومرآة لمستوى الرخاء الذي يعيشه المواطنون.
ولكن من المهم أن نتساءل: مثل هذا التصوّر الذي لا يعطي أهمية لموقع السيّارات في المحيط الثقافي لدى شعبٍ ما، هل يبدو قادرًا بالفعل على تحليل المسألة بعمق؟ أو كشْفِ المُخبّئ في علاقة نوع السيارة، بالنمط السائد من ثقافة أصحابها؟
بادئ ذي بدء فلا شك أن هذا المبحث لم يُشبَع -إذا كان قد دُرِسَ أساسًا- ضمن حقول الدراسات الحَضَريّة/المدينية والأنثروبولوجية العربية، ربّما بسبب حداثته أو هامشيّته أو لقلة اكتراث الباحثين العرب بهكذا مسألة ليس لها مكان رفيع في سلّم الأولويات البحثية. إلا أن الأمر رغم وجاهة الأسباب المذكورة آنفًا، يبقى ذا أهميّة لدى المهتمّين بتحولات المكوّن الثقافي لدى مجتمعات الخليج المعاصرة، وآلياتها الانتقالية، ومفاصلها الريعية، وتفاصيلها المتغيّرة. إن السيّارة لا تُعَدُّ مُجرّد سيّارة، أو مركوبًا للنقل وحسب، إنّما هي أقرب إلى أن تكون رمزًا اجتماعيًّا في الدرجة الأولى -وثقافيًّا في الدرجة الثانية- يسير على أربعة أقدام، ويختزل في شكله ومستواه وقيمته الماديّة سِمات وخصائص وأحوال شعبيّة (وبلاديّة) تدلّ على أمورٍ عدّة، مثل: علامات الطبيعة الجغرافية، النطاق المكاني للهِوايات المُفضَّلَة، متوسّط القدرة الشرائية، وغير ذلك من الشواهد.
تفتح لنا سيارة اللاندكروزر بابًا واسعًا على قصّة مُثيرة، تداخلَ فيها السلمُ بالحرب، وارتبط من خلالها الإبداع البشري بضرورة تجاوز الإنسان لصعوبات الطبيعة والخروج من قيود إكراهاتها.
تعود القصة إلى عام 1935م إذ وضع المخترع والميكانيكي الياباني كيشيرو تويودا خمسة مبادئ لمشروعه الجديد وتألفت من: الخيال، التجريب، التواضع، الاحترام والابتكار. مهّدت هذه المبادئُ المجالَ نحو تصنيع أولى سيّارات تويودا في 1936م، ومن ثمّ شكلت قاعدةً لشركته التي دشّنها عام 1937م باسم تويوتا موتورز. بعد تدشين شركة تويوتا بأعوام دخلت اليابان في أتون حربٍ عظمى، بلغ أوج تدميرها مع اللحظة التي ألقت فيها أمريكا قنبلتين نوويتين على مدينتي هيروشيما وناغازاكي في أغسطس 1945م، ما أسقط اليابان في أيدي الأمريكان بشكل كُليّ.
خلّفت القنبلتان خرابًا هائلًا، ودمارًا ماحقًا، وأثرًا مريرًا في نفوس اليابانيين، ولكن ذلك لم يستطع اجتثاث عزائمهم نحو النهوض من جديد.
في عام 1950م، بينما لا تزال اليابان تحت الاحتلال الأمريكي، قامت كوريا الشمالية بغزو جارتها الجنوبيّة، ما دفع الأمريكان إلى التدخل المباشر لتحرير الجنوبيين، ولكن قواتهم البريّة اضطرّت إلى الاستعانة بوسائل نقل برية من أجل قيادة المعركة بثبات. بحثتْ أمريكا عمّن يستطيع أن يُصنّع لها مركبةً عسكريّةً بمواصفات عالية، يمكنها التكيّف مع التضاريس الكورية المعيقة للحركة.
من هنا بزغت فكرة سيارة الدفع الرباعي، التي وُجدِتْ ضالّتها عند تويوتا، إذ لم تتوان تويوتا في الانخراط نحو تصميمها وتطويرها وتصنيعها مطلع عام 1951م، وبيعها مباشرةً إلى الجيش الأمريكي. جاء ذلك بمنطلقٍ إنسانيٍّ يتمثّل في نجدةِ شعبٍ مُحتَلّ، حسب تصوّر اليابانيين للموقف، إلى جانب -وبلا ريب- تأثير حالة التبعية التي كانت تعيشها اليابان.
وكما كان مُتوقّعًا، أبلت اللاندكروز بلاء حسنًا، أمام شتّى التحديّات البيئية والأمنية التي فرضتها الحرب الكورية. وتمكّنت كوريا الجنوبية في الأخير من صد العدوان الشمالي في صيف 1953م، فكانت هزيمة الشماليين -بوجه من الوجوه- بمثابة تتويج لسيارة اللاندكروزر، حيث تحوّلت إلى نموذجٍ صِناعي مثاليّ، دفع القائمين على الشركة إلى اعتماده على صعيد التصدير التجاري العالمي.
صُدّرت أولى سيّارات اللاندكروزر إلى باكستان في 1954م. وبعد ذلك بعام، أي في 1955م وطأتْ اللاندكروزر أرض الخليج للمرة الأولى في تاريخها، وتحديدًا في المملكة العربية السعودية، لتبدأ من ثَمَّ تلك العلاقة الحميمية، والحكاية الرومانسية، بين قفار الجزيرة وحدائد الكروزر.
وجد اللاندكروزر في الرمال العربية محيطًا هادرًا. ووجد عربُ الجزيرة فيه خير عِوَضٍ عن ركائبهم التي كانت فيما مضى سبيلهم الوحيدة في السفر، إذ طالما مخروا فوقها عُباب المَفاوز، وقطعوا بها كيدَ الفَيافْ.
في عام 1958م أسّس رجل الأعمال الراحل عبدالله عبدالغني ناصر وإخوانه شركتهم التجارية في الدوحة. مثّلت الشركةُ الوكيلَ الحصري لشركة تويوتا، وبدأ من خلالها توريد مركبات التويوتا. وبسبب صعوبة التثبت من العام الذي شهد أوّلَ وصولٍ للاندكروزر إلى أرض قطر بشكل قاطع، يمكن القول أنّها وصلت في الحدود بين 1956 – 1960م، في أقصى تقدير.
قضت العادة، أن يقتصر ورود المصنوعات الجديدة أوّلَ ورودها على النخبة الفاعلة سياسيًّا وتِجاريًّا، ومن ثم على كل فرد من داخل دائرة النفوذ والفعل باعتباره يمتلك الميزانية المادية التي تمكنّه من اقتناء الجديد. لم يكن اللاندكروزر بِدعًا من هذه المعادلة، حيث وُجِدَ بادئ أمره عند قلة قليلة من الشعب. ولا مانع هنا من الإشارة بأن مفهوم الشعب القطري لم يكتمل تشكّله إلا بعد استقلال الدولة في سبتمبر 1971م، وهذا يفيد أن عملية تكوّن الأمة الصغيرة في أيّما بلدٍ من البلدان العربية قد تزامن بشكل حادٍ ومُتجاذَبٍ مع تكوّن ثقافتها الخاصّة، وذلك في ضوء معطياتها الطبيعية والتاريخية.
بالرغم من وجود صعوبة في تأطير المحدد الأساس الذي يحكم عملية انتشار نوع من السيّارات على حساب نوعٍ آخر، فضلًا عن تفسير الحالة التي يكون فيها انتشار الأنواع المختلفة من السيّارات: متقارب أو شبه متساوٍ، إلا أننا نستطيع حصر تلك المحددات في عوامل أربعة مثل: الطبيعة البيئية، متوسط القدرة الشرائية لدى المواطنين، كفاءة عمل السيّارة، وانخفاض تكلفة إصلاحها وقطع غيارها.
وإذا أقررنا حقيقة هيمنة اللاندكروز على شوارع قطر في وقتنا المعاصر، كما هو مُلاحَظ، فالحقيقة الأخرى تقول إن انتشاره أخذ وقتًا طويلًا حتى وصل إلى أكبر شريحة ممكنة، بل إنه لم يصبح المركب الأكثر استخدامًا إلا بعد عام 2000م، وهذا يعني أن اللاندكروزر ولكي يصبح رقم واحد في قطر فإن ذلك اقتضى من تويوتا أن تبذل جهدًا دؤوبًا غير منقطع على مدى أربعين عامًا، بالقدر الذي استلزم فيه بعض التحولات الإيجابية في اقتصاد البلد.
ترجع أسباب هذا الوقت الطويل الذي استهلكته تويوتا من أجل نجاح اللاندكروزر في قطر إلى وجود منافسين كُثُرِ من السيّارات الأمريكية والأوروبية، إلى جانب احتدام المنافسة مع شركة نيسان اليابانية، الغريم التقليدي لتويوتا. كما كان اللاندكروزر في فترة السبعينات والثمانينات والتسعينات من القرن الماضي أقل تطوّرًا وجودة وفعالية من موديلاته الحديثة -وبصورة أدق- من (لاندكروزر 2008) فصاعدًا، وهذا سبب رئيس جعل من إمكانية انتشاره اليوم أسهل وأوسع منها في المراحل السابقة.
شكّلت بداية الألفية الجديدة طفرةً للاندكروزر ليس فقط في سجلات البيع والشراء لدى وكالة عبدالله عبدالغني أو لدى معارض السيّارات المتعاونة، ولكن أيضًا في المخيال الشعبي القطري، إذ بدأت تتنامى صورة هذه السيارة أوّلًا في الوعي العام عبر الاحتكاك العيني المباشر وما يبعثه من إعجابٍ بنمط تصميمها وقوّتها وحجمها. وثانيًا في حوارات المجالس والأحاديث الجانبية في مقرّات العمل وما يكتنفه من استعراض. وثالثًا في انطباع تجربة اللاندكروزر في الواقع اليومي، نتيجة إشباعها رغبة الفرد وحاجة الأسرة، ما أدى إلى نجاح السيارة بشكل منقطع النظير، وشيوعها وانتشارها؛ ولن يكون هناك اختلاف في الرأي -على ما يبدو- حول الارتباط الشديد بين المسارات الثلاث من التنامي -المذكورة آنفًا-، وبين ارتفاع مبيعات اللاندكروزر في مختلف الأوساط القطرية.
لم تتسم بنية الثقافة في دول الخليج بصلابةٍ تجعلها في وضعية الممانعة، إنّما هي أقرب للانكشاف أمام تدفّق المنتجات الصناعية والاستهلاكية الحديثة، وهذا ما جعل الثقافة الشعبية عمومًا تتجه إلى استبدال أدواتها وملبوساتها وآلاتها من فترة لأخرى، تحت التأثير، ولكن ذلك لم ينطبق على اللاندكروزر طوال الأعوام العشرين الماضية من تاريخ قطر المعاصر.
وإذا كان لارتفاع المداخيل الشهرية وانتعاش الاقتصاد المحلي الأثر البارز في ترسّخ مكانة اللاندكروزر شيئًا فشيء، فإن هذه المركبة المثالية قد استطاعت أن تجمع بين الشرط الذوقي المرغوب والضرورة العملية المطلوبة. ولا غرابة إذن في حال وصل الأمر إلى أن يجهد بعض الأفراد والجماعات في بذل ما يملكون وما لا يملكون، فقط من أجل تحقيق ذوقهم واستيفاء حاجتهم، تعزيزًا للمكانة الاجتماعية أو تأكيدًا على فكرة المساواة. هذا بالضبط ما يصنع من اللاندكروزر رمزًا ذا مدلولات ثقافية معقّدة، يمكن عبر الخوض فيها واستكشافها أن نعمّق فهمنا للأنساق الاجتماعية والثقافية والسلوكية عند مختلف الشرائح والأجيال القطرية. كما يقتضي ما سبق، استخلاص حقيقة أن اللاندكروزر -وعلى هذا الوجه- لا يمكن أن يكون مجرّد شكل من أشكال البذخ والاستهلاك.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
2064
| 23 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1134
| 21 مايو 2026
كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة منذ جمهورية أفلاطون. قبل أفلاطون عرف المصريون القدماء والأشوريون والبابليون، أن المدينة الفاضلة لا تتحقق على الأرض بل في السماء. من هنا جاءت كثير من آثارهم، مثل المسلات المصرية والأهرامات، التي ترتفع مثلثة النهاية، دليلا على الانطلاق إلى السماء. في الوقت نفسه وضعوا كثيرا من القوانين، مثل قوانين حمورابي البابلي من أجل الحياة الأفضل. هل حققت القوانين اليوتوبيا؟ لم تحققها كاملة، ومن ثم يظل اجتهاد الإنسان في البحث عن عالم أفضل. رغم كثرة ما كُتب عن اليوتوبيا، أو تأليفه عن جزر أو بلاد خيالية، فإن الأدب والرواية في المقدمة، ترى في الديستوبيا أو المدينة الفاسدة مجالا أكثر. الجانب الخفي في هذا أن الأدب يُعنى بما هو جانح، أكثر مما هو سويّ. في الكتابة عن الجانح قد يرى البعض، أنه حافز للبحث عن الأجمل، لكن في رأيي أن القارئ العادي وهو يقرأ ذلك، يشعر بالإزاحة عن نفسه، ثم ينطلق يمارس حياته، وتبقى معه متعة القراءة. دائما أقول إن الأدب لا يغير العالم. الأدب يصنع إنسانا سويا. تغيير العالم يتم بالفكر والعلم والحروب للأسف. حين تنظر إلى اكتشاف أمريكا وما فعله المستعمرون الجدد، من إقامة مدن أو أماكن لهم، باعتبارها أرض الميعاد، التي تسربت فكرتها من اليهودية إلى بعض المذاهب المسيحية ذلك الوقت، تدرك ما فعلوه من إبادة للهنود الحمر السكان الأصليين، أو ما ظلوا يفعلونه عبر الزمان بالزنوج الذين كان يتم جلبهم من أفريقيا، في رحلات شهدت عليها الكتب فيما بعد والأفلام، وهكذا فما تصوروا أنهم يفعلونه من يوتوبيا، رآه الإبداع بأنه ديستوبيا وقام بتخليده في الروايات والأفلام فلم تضع الحقيقة. وهكذا سيكون مصير ما تفعله أمريكا والدولة الصهيونية بالشرق الأوسط الآن. رغم أن اليوتوبيا حلم لا يتحقق، وأن الطريق إليه يحقق جمالا كثيرا لكن غير نهائي، فهناك أنظمة سياسية عرفها العالم اعتبرت ما تفعله هو اليوتوبيا، وتم حرق الكتب والكتاب المعارضين، أو سجنهم أو نفيهم من البلاد، وهرب الكثيرون من دول مثل المانيا النازية وإيطاليا الفاشية والاتحاد السوفييتي بعد الثورة البلشفية والصين بعد الثورة الشيوعية. وحدث ذلك في دول عربية رفعت شعار الجمهورية مثل مصر أو سوريا أو العراق أو ليبيا. طبيعة الإبداع التي لا يفهمها كثيرون ممن بيدهم الأمر، من أنه يُعنى بما هو جانح، ومن هنا تأتي الدراما والحركة في العمل، والمتعة من قراءته أو رؤيته فيلما أو مسرحية، جاء القصور في فهمها سببا رئيسيا في عذاب المبدعين. وصل القصور إلى درجة أن الكثيرين يتصورون أن ما تقوله شخصيات الرواية، هو رأي المؤلف، وليس السبب فيه هو الصدق الفني في تصوير الشخصية، بين أحلامها وكوابيسها وقدرتها على التعبير. وزاد الأمر تعقيدا الآن مع الثورة الرقمية. مئات المنصات تقدم ما تراه نهائيا في تقدير الأمور، والإقبال عليها أكثر مئات المرات من الإقبال على الكتب، خاصة حين تستخدم ألفاظا غير مألوفة في الفضاء العام أو حركات مثيرة. وصارت المنصات الرقمية مجالا واسعا لحرب جديدة. يظل بينها الإبداع محاصرا، وقد تصيب الكآبة أصحابه، وقد تدفع البعض إلى محاولة استخدام هذه المنصات بنفس الطريقة الجذابة، لكن المبدع الحقيقي يعرف أن ساعات وأيام الخلوة مع ما يبدع من أحداث وشخصيات، هي العالم الحقيقي. هي اليوتوبيا الضائعة يشعر بها وحده مع الله، وإن جاء الإبداع ديستوبيا، وليس دعاية لأحد أو هجوما عليه.
1128
| 21 مايو 2026