رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قد لا تظهر هناك علاقة مباشرة بين الوضعية الثقافية لدى شعبٍ ما، ونوع السيّارة المفضّلة لديه أو المُستخدَمة على نطاق واسع بين أفراده. على اعتبار أنّ نوع السيّارات لا يعبّرُ بالضرورة عن نمطٍ تفضيلي يكتنز بداخله مُعطى ثقافي، يمكن القياس عليه بوضوح تام؛ إنما قد تنحصر دلالته -أغلب الأحيان- في كونه مؤشرا بسيطا للوضع الاقتصادي العامّ في البلاد، ومرآة لمستوى الرخاء الذي يعيشه المواطنون.
ولكن من المهم أن نتساءل: مثل هذا التصوّر الذي لا يعطي أهمية لموقع السيّارات في المحيط الثقافي لدى شعبٍ ما، هل يبدو قادرًا بالفعل على تحليل المسألة بعمق؟ أو كشْفِ المُخبّئ في علاقة نوع السيارة، بالنمط السائد من ثقافة أصحابها؟
بادئ ذي بدء فلا شك أن هذا المبحث لم يُشبَع -إذا كان قد دُرِسَ أساسًا- ضمن حقول الدراسات الحَضَريّة/المدينية والأنثروبولوجية العربية، ربّما بسبب حداثته أو هامشيّته أو لقلة اكتراث الباحثين العرب بهكذا مسألة ليس لها مكان رفيع في سلّم الأولويات البحثية. إلا أن الأمر رغم وجاهة الأسباب المذكورة آنفًا، يبقى ذا أهميّة لدى المهتمّين بتحولات المكوّن الثقافي لدى مجتمعات الخليج المعاصرة، وآلياتها الانتقالية، ومفاصلها الريعية، وتفاصيلها المتغيّرة. إن السيّارة لا تُعَدُّ مُجرّد سيّارة، أو مركوبًا للنقل وحسب، إنّما هي أقرب إلى أن تكون رمزًا اجتماعيًّا في الدرجة الأولى -وثقافيًّا في الدرجة الثانية- يسير على أربعة أقدام، ويختزل في شكله ومستواه وقيمته الماديّة سِمات وخصائص وأحوال شعبيّة (وبلاديّة) تدلّ على أمورٍ عدّة، مثل: علامات الطبيعة الجغرافية، النطاق المكاني للهِوايات المُفضَّلَة، متوسّط القدرة الشرائية، وغير ذلك من الشواهد.
تفتح لنا سيارة اللاندكروزر بابًا واسعًا على قصّة مُثيرة، تداخلَ فيها السلمُ بالحرب، وارتبط من خلالها الإبداع البشري بضرورة تجاوز الإنسان لصعوبات الطبيعة والخروج من قيود إكراهاتها.
تعود القصة إلى عام 1935م إذ وضع المخترع والميكانيكي الياباني كيشيرو تويودا خمسة مبادئ لمشروعه الجديد وتألفت من: الخيال، التجريب، التواضع، الاحترام والابتكار. مهّدت هذه المبادئُ المجالَ نحو تصنيع أولى سيّارات تويودا في 1936م، ومن ثمّ شكلت قاعدةً لشركته التي دشّنها عام 1937م باسم تويوتا موتورز. بعد تدشين شركة تويوتا بأعوام دخلت اليابان في أتون حربٍ عظمى، بلغ أوج تدميرها مع اللحظة التي ألقت فيها أمريكا قنبلتين نوويتين على مدينتي هيروشيما وناغازاكي في أغسطس 1945م، ما أسقط اليابان في أيدي الأمريكان بشكل كُليّ.
خلّفت القنبلتان خرابًا هائلًا، ودمارًا ماحقًا، وأثرًا مريرًا في نفوس اليابانيين، ولكن ذلك لم يستطع اجتثاث عزائمهم نحو النهوض من جديد.
في عام 1950م، بينما لا تزال اليابان تحت الاحتلال الأمريكي، قامت كوريا الشمالية بغزو جارتها الجنوبيّة، ما دفع الأمريكان إلى التدخل المباشر لتحرير الجنوبيين، ولكن قواتهم البريّة اضطرّت إلى الاستعانة بوسائل نقل برية من أجل قيادة المعركة بثبات. بحثتْ أمريكا عمّن يستطيع أن يُصنّع لها مركبةً عسكريّةً بمواصفات عالية، يمكنها التكيّف مع التضاريس الكورية المعيقة للحركة.
من هنا بزغت فكرة سيارة الدفع الرباعي، التي وُجدِتْ ضالّتها عند تويوتا، إذ لم تتوان تويوتا في الانخراط نحو تصميمها وتطويرها وتصنيعها مطلع عام 1951م، وبيعها مباشرةً إلى الجيش الأمريكي. جاء ذلك بمنطلقٍ إنسانيٍّ يتمثّل في نجدةِ شعبٍ مُحتَلّ، حسب تصوّر اليابانيين للموقف، إلى جانب -وبلا ريب- تأثير حالة التبعية التي كانت تعيشها اليابان.
وكما كان مُتوقّعًا، أبلت اللاندكروز بلاء حسنًا، أمام شتّى التحديّات البيئية والأمنية التي فرضتها الحرب الكورية. وتمكّنت كوريا الجنوبية في الأخير من صد العدوان الشمالي في صيف 1953م، فكانت هزيمة الشماليين -بوجه من الوجوه- بمثابة تتويج لسيارة اللاندكروزر، حيث تحوّلت إلى نموذجٍ صِناعي مثاليّ، دفع القائمين على الشركة إلى اعتماده على صعيد التصدير التجاري العالمي.
صُدّرت أولى سيّارات اللاندكروزر إلى باكستان في 1954م. وبعد ذلك بعام، أي في 1955م وطأتْ اللاندكروزر أرض الخليج للمرة الأولى في تاريخها، وتحديدًا في المملكة العربية السعودية، لتبدأ من ثَمَّ تلك العلاقة الحميمية، والحكاية الرومانسية، بين قفار الجزيرة وحدائد الكروزر.
وجد اللاندكروزر في الرمال العربية محيطًا هادرًا. ووجد عربُ الجزيرة فيه خير عِوَضٍ عن ركائبهم التي كانت فيما مضى سبيلهم الوحيدة في السفر، إذ طالما مخروا فوقها عُباب المَفاوز، وقطعوا بها كيدَ الفَيافْ.
في عام 1958م أسّس رجل الأعمال الراحل عبدالله عبدالغني ناصر وإخوانه شركتهم التجارية في الدوحة. مثّلت الشركةُ الوكيلَ الحصري لشركة تويوتا، وبدأ من خلالها توريد مركبات التويوتا. وبسبب صعوبة التثبت من العام الذي شهد أوّلَ وصولٍ للاندكروزر إلى أرض قطر بشكل قاطع، يمكن القول أنّها وصلت في الحدود بين 1956 – 1960م، في أقصى تقدير.
قضت العادة، أن يقتصر ورود المصنوعات الجديدة أوّلَ ورودها على النخبة الفاعلة سياسيًّا وتِجاريًّا، ومن ثم على كل فرد من داخل دائرة النفوذ والفعل باعتباره يمتلك الميزانية المادية التي تمكنّه من اقتناء الجديد. لم يكن اللاندكروزر بِدعًا من هذه المعادلة، حيث وُجِدَ بادئ أمره عند قلة قليلة من الشعب. ولا مانع هنا من الإشارة بأن مفهوم الشعب القطري لم يكتمل تشكّله إلا بعد استقلال الدولة في سبتمبر 1971م، وهذا يفيد أن عملية تكوّن الأمة الصغيرة في أيّما بلدٍ من البلدان العربية قد تزامن بشكل حادٍ ومُتجاذَبٍ مع تكوّن ثقافتها الخاصّة، وذلك في ضوء معطياتها الطبيعية والتاريخية.
بالرغم من وجود صعوبة في تأطير المحدد الأساس الذي يحكم عملية انتشار نوع من السيّارات على حساب نوعٍ آخر، فضلًا عن تفسير الحالة التي يكون فيها انتشار الأنواع المختلفة من السيّارات: متقارب أو شبه متساوٍ، إلا أننا نستطيع حصر تلك المحددات في عوامل أربعة مثل: الطبيعة البيئية، متوسط القدرة الشرائية لدى المواطنين، كفاءة عمل السيّارة، وانخفاض تكلفة إصلاحها وقطع غيارها.
وإذا أقررنا حقيقة هيمنة اللاندكروز على شوارع قطر في وقتنا المعاصر، كما هو مُلاحَظ، فالحقيقة الأخرى تقول إن انتشاره أخذ وقتًا طويلًا حتى وصل إلى أكبر شريحة ممكنة، بل إنه لم يصبح المركب الأكثر استخدامًا إلا بعد عام 2000م، وهذا يعني أن اللاندكروزر ولكي يصبح رقم واحد في قطر فإن ذلك اقتضى من تويوتا أن تبذل جهدًا دؤوبًا غير منقطع على مدى أربعين عامًا، بالقدر الذي استلزم فيه بعض التحولات الإيجابية في اقتصاد البلد.
ترجع أسباب هذا الوقت الطويل الذي استهلكته تويوتا من أجل نجاح اللاندكروزر في قطر إلى وجود منافسين كُثُرِ من السيّارات الأمريكية والأوروبية، إلى جانب احتدام المنافسة مع شركة نيسان اليابانية، الغريم التقليدي لتويوتا. كما كان اللاندكروزر في فترة السبعينات والثمانينات والتسعينات من القرن الماضي أقل تطوّرًا وجودة وفعالية من موديلاته الحديثة -وبصورة أدق- من (لاندكروزر 2008) فصاعدًا، وهذا سبب رئيس جعل من إمكانية انتشاره اليوم أسهل وأوسع منها في المراحل السابقة.
شكّلت بداية الألفية الجديدة طفرةً للاندكروزر ليس فقط في سجلات البيع والشراء لدى وكالة عبدالله عبدالغني أو لدى معارض السيّارات المتعاونة، ولكن أيضًا في المخيال الشعبي القطري، إذ بدأت تتنامى صورة هذه السيارة أوّلًا في الوعي العام عبر الاحتكاك العيني المباشر وما يبعثه من إعجابٍ بنمط تصميمها وقوّتها وحجمها. وثانيًا في حوارات المجالس والأحاديث الجانبية في مقرّات العمل وما يكتنفه من استعراض. وثالثًا في انطباع تجربة اللاندكروزر في الواقع اليومي، نتيجة إشباعها رغبة الفرد وحاجة الأسرة، ما أدى إلى نجاح السيارة بشكل منقطع النظير، وشيوعها وانتشارها؛ ولن يكون هناك اختلاف في الرأي -على ما يبدو- حول الارتباط الشديد بين المسارات الثلاث من التنامي -المذكورة آنفًا-، وبين ارتفاع مبيعات اللاندكروزر في مختلف الأوساط القطرية.
لم تتسم بنية الثقافة في دول الخليج بصلابةٍ تجعلها في وضعية الممانعة، إنّما هي أقرب للانكشاف أمام تدفّق المنتجات الصناعية والاستهلاكية الحديثة، وهذا ما جعل الثقافة الشعبية عمومًا تتجه إلى استبدال أدواتها وملبوساتها وآلاتها من فترة لأخرى، تحت التأثير، ولكن ذلك لم ينطبق على اللاندكروزر طوال الأعوام العشرين الماضية من تاريخ قطر المعاصر.
وإذا كان لارتفاع المداخيل الشهرية وانتعاش الاقتصاد المحلي الأثر البارز في ترسّخ مكانة اللاندكروزر شيئًا فشيء، فإن هذه المركبة المثالية قد استطاعت أن تجمع بين الشرط الذوقي المرغوب والضرورة العملية المطلوبة. ولا غرابة إذن في حال وصل الأمر إلى أن يجهد بعض الأفراد والجماعات في بذل ما يملكون وما لا يملكون، فقط من أجل تحقيق ذوقهم واستيفاء حاجتهم، تعزيزًا للمكانة الاجتماعية أو تأكيدًا على فكرة المساواة. هذا بالضبط ما يصنع من اللاندكروزر رمزًا ذا مدلولات ثقافية معقّدة، يمكن عبر الخوض فيها واستكشافها أن نعمّق فهمنا للأنساق الاجتماعية والثقافية والسلوكية عند مختلف الشرائح والأجيال القطرية. كما يقتضي ما سبق، استخلاص حقيقة أن اللاندكروزر -وعلى هذا الوجه- لا يمكن أن يكون مجرّد شكل من أشكال البذخ والاستهلاك.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10467
| 06 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3495
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2514
| 08 سبتمبر 2026