رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بداية كل تطور ونهايته هو الإنسان، حيث تأتي الموارد المادية كمساعدة لمدى قدرة الانسان التفكيرية وإبداعه القابلة للتنفيذ، ولذلك كان المفكرون والمبدعون هم القيمة المضافة لدولهم في تطويرها، والتي تحرص على اكتسابهم من خلال عملية التنمية الخاصة بالانسان وقدراته، وذلك بجانب عملية النمو الخاص بموارد الدولة، فالنمو يختلف عن التنمية، حيث يعرف النمو انه مقدار ما تملكه الدولة من الموارد المادية والطبيعية، ولكن التنمية هي مقدار ما تعكسه تلك الموارد على شعبها من تعليم وصحة وحياة كريمة تجعلهم مساهمين في نمو بلدهم. وبالنظر لمبدأ هرم ماسلو، نجد ان الشركات العالمية أدركت الجزء الاعلى للهرم وهو الجانب الابداعي للانسان، ومدى رغبته في تحقيق انجازاته ورغباته الذاتية، والتي تأتي وتتفجر بعد استيفاء الجزء التقديري لهرم ماسلو وهو تقديره واحترامه ومنحه الثقة والتفويض، ونذكر مثلا شركة ابل حيث اطلق ستيف جوبز على ادارة الموارد البشرية مسمى ( إدارة الناس ) لانه كان يؤمن بانه يتعامل مع بشر مبدعين وليس موارد مسخرين. من جانب آخر فقد أنشأت جوجل «العادات الثماني لمديري جوجل ذوي الكفاءة العالية» والتي تضمنت كل ما يلزم لاطلاق ابداع الموظفين وقدراتهم من خلال مديريهم، لرفع الانتاجية وربط مفهوم الإدارة لدى مديري جوجل باكتشاف قدرات موظفيهم ومنحها الحرية الكاملة للتجلي والظهور. ومن الجانب العملي لكي نرى كيف تطور مفهوم الموظف في عمله عبر التاريخ، فقد ظهرت في البدايات الوظيفية مفاهيم تخص الموظفين مثل إدارة شؤون الموظفين، التي كانت تختص بالرواتب والعلاوات والجزاءات، بعد ذلك وفي طريق الاهتمام أكثر بالعنصر الانساني ظهر مفهوم إدارة الموارد البشرية، والذي يركز على تطوير الموظفين وتدريبهم ورفع كفاءتهم، إلى أن وصلنا لمرحلة مفهوم الرأسمال البشري human capital، وهو من ابتكار الأستاذ الجامعي بيكر في جامعة شيكاغو، الذي ألف كتابا بعنوان الرأسمال البشري عام 1964، ليأتي بعدها الاقتصادي والفيلسوف الهندي امارتيا صن، والذي اصدر كتابا بعنوان (التنمية حرية) عام ٩٩، دعا فيها لتغيير مفهوم الرأسمال البشري الى رأسمال القدرة البشرية، والتي تركز على تنمية قدرات الانسان من خلال اتاحة الفرص والمشاركة الحقيقية بدلا من اعتباره إحدى ادوات الانتاج التي تخضع لمنطقة الربح والخسارة. واذا نطرنا لمكونات العمل، فإننا نرى ضعف منظومة الموارد البشرية في الجهات الحكومية، مقارنة بإدارات الشؤون المالية التي تحافظ وتتابع الاموال والمشتريات والنفقات من بداية توفيرها الى صرفها، وتشدد على الادارات الاخرى كفاءة الانفاق وحسن التصرف بالاموال، بينما نرى ادارات الموارد البشرية تتعامل مع الموظف كبوابة تسجل الداخل والخارج، ولا تسأل عن رأسمالها البشري في الادارات الاخرى ماذا صُنع به!! حيث تنسى وتتناسى متابعة رأسمالها من الموظفين وطريقة تطويرهم وكيفية الاستفادة منهم، مما يجعلهم نهبا لمزاجية مديريهم وجهلهم، الذي يؤدي بدوره لتسرب الكفاءات ؟ ودفن المواهب، وقتل روح المبادرة وإنهاك المميزين فيهم بأعمال روتينية وبسيطة مقارنة بإمكانياتهم. من جانب آخر وللاشارة لأهمية الموارد البشرية، فعندما ننظر في خصائص الرأسمال البشري Human Capital، فإنه لا ينتهي كالموارد المالية والمصانع والاسهم بل (يتقادم) بمعنى ان المعرفة والمهارة التي اكتسبها الانسان تبقى صالحة لفترة طويلة ولكنه لا يفقدها فجأة فيصير بدون مهارة او معرفة الا في حالات نادرة كالمرض الذي قد يعطل الاستفادة منهما. ثانيا ان العنصر البشري يكتسب ويولد المعرفة بدون حدود من خلال معالجته لها، والتي تبنى على اساس المشاهدة والملاحظة والخبرة والقراءة، بعكس الموارد المادية المقيدة في التوسع والاستهلاك. وإذا نظرنا الى ناتج الموارد البشرية نجدها في الجودة والتطوير بينما نجد ناتج الموارد المادية الفخامة والرفاهية والحجم والتي قد تفتقر للجودة، فالموارد المادية قد تبني احدث المستشفيات بينما جودتها منخفضة بسبب اطباء غير اكفاء، وقد تبني اعظم المباني المدرسية ولكن جودة التعليم ضعيفة بسبب المعلمين غير الأكفاء، لذلك فالتركيز على تطوير مهارات الموارد البشرية يعطينا الجودة، بينما التركيز على الموارد المادية يعطينا رفاهية، لذلك من أولى بالتركيز ؟؟!! للموارد البشرية دور كبير في إنقاذ اوطانهم اكثر من دور الموارد المادية، ففي عهد هتلر وروزفلت فقد أعادوا بناء دولهم بناء على الكساد (النفسي) وليس الكساد (الاقتصادي) وذلك بربط حلم الشعب بحلم القيادة، فانطلق الشعب يعمل اغلبه بدون تكلفة يأمل بتحصيلها بعد اعادة اقتصادهم بشكل قوي، لنجد هنا أن الموارد البشرية عملت على خلق الموارد الاخرى، لذلك وجب ان يطلق عليها رأس مال بشري. ولمعرفة مفهوم إدارة الموارد البشرية او تنمية الموارد البشرية، نجد أن إدارة الموارد البشرية تهدف إلى تحسين كفاءة جميع الموظفين، بينما تهتم تنمية الموارد البشرية في زيادة المعرفة والمهارات والكفاءة العامة للأشخاص العاملين في المنظمة، وبمعنى اخر وبلغة رياضية، فإن ادارة الموارد تستهدف (التكتيك) بينما تنمية الموارد تستهدف (التكنيك). يتمثل مفهوم تنمية الموارد البشرية من خلال اقسام شؤون الموظفين والتي ترصد الانضباط الوظيفي وتضع انواع التدريب وتوثق مسيرة الموظف مهنيا في ملفه الوظيفي، بينما يمثل مفهوم ادارة الموارد البشرية الادارة كلها من حيث تحفيز هذا المورد ومتابعة أدائه ومراجعته مع الإدارات وعدم تسليمه له ليتحكموا به، لذلك اعتبرها الأب الروحي لجميع الموظفين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4557
| 06 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
4227
| 07 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
1650
| 12 مايو 2026