رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الأحداث في مصر ليست صراعات قصر أو اشتباكات ميادين. ما يجري في مصر هو إعادة رسم لخرائط جديدة وتبديلا في رؤى واستراتيجيات، وبنحو آخر إسقاط لغة تحمل رنين الألفاظ دون مضمونها.
وهذا النوع من الصراعات هو صراع المدى الطويل، لا يصلح معه سياسة حافة الهاوية، وإعدام الأمم مقابل رؤية مغتربة من حيث المعاني والدلالات والغايات، فعندما يسمع شعب "إما أن تقبل بما نقول أو هو الدم"، فيخرج بالملايين عاري الصدر يسقط تهديد (نحن أو الفوضى)، وتنكشف حقيقة أن ما ثار عليه كان هو الفوضى.
ولا يصلح معه حديث خصيان بني أمية، حديث يبث الخنوع ولا يقطع في الطريق أي مدى، وكأنه لا يعرف في اللغة غير التسامح وعدم الإقصاء والحوار، تحكمهم حكمة "إذا صفعك إرهابي على خدك الأيمن فأعطه الأيسر، واعتذر له أنك لا تملك غيرهما"، وكأن الأمم لا يأتيها في تاريخها لحظات تستدعي أوضح ما تعتقد، وتحمل له بأشجع ما يمكنها، فالأمم لا تتكرر في تاريخها لحظات عودة الوعي واسترداد الإرادة مصادفة، ولكن تلك اللحظات قد يمتد زمنها لسنين لتستقر، عندما تتحرر الإرادة ويستقر في يقينها ما تعتقد فيه، وترى أنه حقيقة التاريخ والحاضر فوق هذه الأرض ولصالح أهلها.
الصراع في مصر وعلى مصر دائر على كافة المستويات، وأراه في موجة 30 يونيو قد تجاوز نقطة الخطر، وأن منحنى استرداد مصر آخذ في الصعود. فالمشهد ليس ميدانا احتشد فيه شعب، ولكنه شعب ملأ شرايين الحياة في وطنه، فطرد كافة الأجسام الغريبة خارج شرايين الوطن، فلم يعد لها غير أن تؤول إلى تحالفاتها علانية، لتنكشف أبعاد الصراع وقواه.
وإذا جسد هذا دلالة الإرادة، واليقين، فهو بالتبعية قد استدعى أقصى ما يمكن أن تواجهه مصر من عداءات أو تحالفات وخطط، وبمعنى آخر أن المواجهة شاملة وشرسة وتخوض معاركها الأخيرة، في هذه الجولة على الأقل من تاريخ مصر.
نعم مصر تجاوزت نقطة الانكسار، واستردت المبادأة، مما استدعى أن تكون المواجهة شاملة، وهو أمر يبعد لفظ "الاستقرار" المجرد من قاموس السياسة في مصر، ويصبح استخدامه ناشئا عن عجز في الوعي، أو عن انتهازية. والغريب أنه كلما قطعت الثورة في مصر خطوات على طريق تحقيق أهدافها، أصاب داء النسيان إدراكها، وكأنها تستعيد الخطأ ونتائجه لتتأكد من الصواب.
والاستقرار في مصر يمكن له أن يتحقق، عندما يبدأ جيل جديد في قيادة العمل السياسي والعام في وطنه، ولا أعني جيل جديد بمعنى شباب وشيوخ، ولكن جيل يتسع أفق وعيه ليشمل تاريخ وطنه واحتياجات عصره ومنحاز لشعبه دون مَنٍّ أو أذى.
هنا تبرز نقطة الخلل في المشهد في مصر، شعب ملأ شرايين الحياة واختار البقاء، ومخاطر متعددة، واستقرار غائم ينتقل من الألسن إلى الفراغ لأن أهله غائبون ولم يحضروا بعد.
لعل كل فرد يؤدي ما يراه من جانبه مناسبا للحالة التي يحياها الوطن، ولكن هل هناك من توقف للحظة ليدرس ما تتكلفه مصر ماديا كل لحظة لمواجهة جملة المخاطر؟.
هل هناك من درس هذا المشهد الجليل ليوم 30 يونيو ترصده طائرات القوات الجوية المصرية، وكأنه طابور عرض استقر في يقينه هدفه وماض إليه؟، مشهد يعجز خبراء تحريك الجموع في السينما العالمية من إخراجه، وبهذا العمق المكاني والزمني وباستمرار تدفق لا ينقطع، وبكل محافظات مصر، وبهذه الروح السلمية.
هل هناك من درس حالة التقارب بين الشعب والجيش وبين الشعب والشرطة؟.
هل هناك من درس واقع سيناء والحدود الغربية والجنوبية؟
هل هناك من درس انتشار معسكرات الإرهاب الديني والمحتمي بالأطفال والنساء سواء في سيناء أو في المناطق المغذية لها بالعتاد والبشر؟
هل هناك من وضع أمامه خريطة مصر ليقرأ ما يجري من حولها، حتى إن أحد أجنحة المقاومة الفلسطينية ينقلب إلى طرف معاد في أي تقدير للموقف على الحدود المصرية؟، أليس هذا حال حماس الآن؟.
هل يمكن مراجعة المواقف الدولية من أمريكا حتى الاتحاد الإفريقي؟، من مع مصر، وأي مصر؟.
ثم السؤال الجامع لكل هذا: من يدير أمر مصر في هذه اللحظة؟.
السؤال ليس بحثا عن إجابة، السؤال دعوة للتأمل في أمر مصر وبهدوء.
كان مأخذنا على المجلس العسكري أنه سلم مصر للإخوان، والسؤال الآن: من أدار مصر منذ إقالة المجلس العسكري في رمضان الماضي؟، كيف استقرت مطالب الثورة وحقائق سرقتها من جماعة الإخوان في اليقين حتى تأتي لحظة نجد مرسي بين عناصر القوات المسلحة معزولا بقرار من قائدها العام؟
يجب الاعتراف أن مصر لم تمر بفترة مماثلة حتى بعد نكسة 1967، فالمكونات يومها كانت محددة، من هو العدو؟ وما هو الهدف؟ وميدان المعركة محدد؟ والعلاقات الدولية محددة وقضية استرداد الشرف والكرامة بالحرب قاطعة بل والقيادات ابنة الرؤية محددة ومعروفة سلفا، بينما كل هذا في وقتنا الحالي ظل خارج الحساب والمعرفة. والأخطر أن هناك التباس بشان العدو!.
لكن ما لا يستطيع أحد إنكاره، أن هناك إدارة لمرحلة متعددة المسارات والتوجهات والتفسيرات والشخوص المبهمة والكتل البشرية الزاحفة والشهداء يتساقطون لأسباب عديدة، مجتمع يفور والغليان يبلغ مداه، ليصل إلى نقطة الحسم يوم الأربعاء 3 يوليو مساء بقرار عزل محمد مرسي، وكأن مصر كانت تعلم ما تريد وكانت ذاهبة إليه بكل قواها، أليس ذلك كله يدعو الميادين والقصور أن تتواضع وتدرك حقيقة الصراع في المجتمع وقواه المؤثرة وطبيعة تكوينها ودور كل منها وضرورة التكامل بين هذه الأدوار؟.
بعد الثالث من يوليو هناك إدارة للازمة علانية الأداء في بعض مما يجري، فهناك رئيس مؤقت هو رئيس المحكمة الدستورية، وهناك مساعدون له، وهناك منصب نائب رئيس تولاه محمد البرادعي، ثم هناك تشكيل لوزارة هي ليست ابنة جيل الاستقرار المنشود هي جامعة بين ما ثار عليه الشعب وما يراه ولكن الالتقاء تم عبر مراحل محدودة من الاختبار، ولذلك ليس هناك في علوم الإدارة تفويضا بالمطلق، ولكن هناك تحديدا مسبقا بالحاجة إلى وضع دستور لمصر الثورة، واستيعاب لمعني "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، وترجمة هذا الشعار في عقد اجتماعي جديد.
عند الحديث عن أمر مصر، لا يجوز وضع جماعة الإخوان في ذات مستوي القياس، فمصر وطن وارض وتاريخ وشعب، وأيا كانت أي جماعة او حزب، فهي لا تعدو كونها جزءا وليست كل يمكن القياس عليه، أو وضعه في حالة ندية مع الوطن.
الحديث عن جماعة الإخوان ليس حديثا عن قبيلة أو عشيرة أو عرق في مجتمع، ولكنها عناصر من أسر مصرية ارتبطت ببناء تنظيمي، ولكن العقيدة انحرفت بالبناء والأفراد ليحدث الانفصام، هل القضية وطن وشعب، أم القضية جماعة؟، وأين هو الوطن في رؤية الجماعة؟، وبعد ذلك كله ما هي طبية العلاقات والارتباطات الخارجية؟.
الإخوان وأمريكا، طرفان اليوم دخلا إلى مرحلة تغيير جذري لأدوارهما ووجودهما. الإخوان بالفعل دخلوا مرحلة الفناء لما يحملونه سياسيا وتنظيميا وتمويليا وانكشف دورهم وعلاقتهم بالمخططات الغربية بالنسبة للمنطقة، بل إن قضية فلسطين التي ظلوا يزايدون بها صارت لعنة تطاردهم، وأميركا انكشف وجهها التآمري علي شعب مصر، فليس الأمر تحقيق مصالح أمريكا أو تحقيق ديمقراطية، ولكن الأمر صناعة الوريث الديني الإخواني لنظام مبارك، وهل لهذا بكل تكلفته المادية (الأرقام بين أمريكا والإخوان بالمليارات)، وما دفعه الشعب من دماء وما يواجهه الجيش المصري من جماعات إرهابية على أرض مصر، توصيف آخر غير التآمر.
مصر تعيد الإمساك بذاتها، وكان تعبير "مصر عادت شمسك الذهب"، صار حقيقة على الأرض.
وهي تملك المبادأة في إدارة الأزمة، وإدارة الأزمة موجودة قبل 30 يونيو وليس هناك ما يستدعي إنهاء أعمالها.
وهي تجاوزت حالة الخطر، ولا يصلح معها نهج حافة الهاوية.
يبقى أن الصدق في مواجهة القادم مهما كانت مراراته ضرورة بقاء، ضرورة تحقيق بقاء مصر الوطن، وتحقيق أهداف الشعب في "عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية".
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
6570
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1572
| 26 يوليو 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
1131
| 29 يوليو 2026