رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يبدو أن الهدف التكتيكي للولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو من دعم أوكرانيا في الحرب الحالية مع روسيا وعلى المدى المتوسط هو أكثر من إخراج روسيا من أوكرانيا، ومن ثمّ تهيئة الأجواء لانضمامها لحلف الناتو. أما القضاء الكلي على الدُّب الروسي فهو هدف استراتيجي غير أن وقته لم يحن بعد ولا يجب أن يتم عن طريق حرب عالمية ثالثة يكون الكل فيها خاسرا بما في ذلك المنتصر. ولذا سارعت واشنطن بالتأكيد على عدم منح أوكرانيا أسلحة وصواريخ بالستية بعيدة المدى قد تضرب العمق الروسي. وكانت موسكو قد حذرت واشنطن بأنها ستصبح طرفاً في النزاع، حال قررت تزويد كييف بصواريخ بعيدة المدى. وفي خلد الولايات المتحدة وحليفاتها أنه كما تم تفكيك الاتحاد السوفييتي السابق بالقوة الناعمة المحروسة بالقوة العسكرية فيمكن تكرار ذات السيناريو. واليوم تتوجس موسكو مما عرف بـ "وثيقة كييف الأمنية" باعتبارها مدخلا لإحلال التفاوض بديلا للبندقية، وترى فيها مشروعا لتحضير كييف للانضمام لحلف الناتو، وهو الأمر الذي بسببه شنت روسيا حربها على أوكرانيا باعتبار ذلك تهديدا استراتيجيا لوجودها.
وفي الطبيعة يُعرف عن الدب الأبيض شراسته النمطيّة، إلا أنه عادةً ما يكون حذرا في مواجهة مصدر الخطر، حيث يفضل التراجع عوضا عن القتال. لكنه صياد ماكر، فهو يصطاد عن طريق التسلل والتربص، وفي العادة لا يُشعر طريدته بوجوده إلا بعد أن يهاجمها. وسواء كان التراجع الأخير للجيش الروسي في شرق أوكرانيا عملية كرٍّ أم فرٍّ، فإن الجيش الأوكراني تلقى من حلف الناتو دعما معلوماتيا وبأسلحة نوعية غير مسبوق، باعتراف الأمين العام للحلف، مما أحدث فرقا على أرض المعركة.
لكن الروس يزعمون أن الكَرَّة الأوكرانية الأخيرة عليهم حققت فقط انتصارا إعلاميا إذ أن الفَرَّ الروسي لم يكن إلا انسحابا ضمن خطة معدة تحت ظروف معينة. فهل حقا تعمدت روسيا التراجع أم أن الناتو قد أجبرها على التراجع عبر الأداة الأوكرانية وبدأ فصل جديد من فصول الصراع بين القوتين العُظميين؟. ربما بالفعل تراجعت روسيا تكتيكيا وهي تحاول امتصاص ضربات الدعم الغربي النوعي لأوكرانيا، وهو دعم في المحصلة ليس لأجل عيون كييف ولكن لأهداف استراتيجية بعيدة المدى. فثمة من يعتقد أن روسيا ستركز على سلاح الغاز مع اقتراب فصل الشتاء وستنظر ماذا فاعلة أوروبا التي تشكل العضوية الغالبة للناتو، فمن بين 30 دولة في الحلف، هناك 27 دولة أوروبية. وتعول موسكو على فشل كل محاولات أوروبا الاستغناء عن الغاز الروسي الرخيص، وقد دعت رئيسة المفوضية الأوروبية إلى خفض استهلاك الكهرباء في أنحاء الاتحاد الأوروبي، وإلى فرض ضرائب استثنائية على شركات الطاقة، في مواجهة ارتفاع الأسعار. وأحيط البرلمان الأوروبي علما بإن أسعار الغاز والكهرباء سجلت أعلى مستوياتها على الإطلاق منذ بدء الحرب على أوكرانيا. في حين تعثرت خططا غربية بشأن وضع سقف لأسعار الغاز الروسي إلى الاتحاد الأوروبي، بعد تهديدات روسية باتخاذ المزيد من العقوبات تجاه أوروبا.
اليوم يحتاج كل الخبراء والمحللين السياسيين والعسكريين لوقفات مَليّة لمحاولة فهم ما يجري في تلك المنطقة؛ فمن قبل كادوا أن يجمعوا على أن هناك تحولاً عميقا في حركية العقل الروسي وإستراتيجيته تجاه الفضاء الجيوسياسي المحيط، وفي ما أبعد من الفضاء المحيط. بل أن كاتبا في مجلة فوربس الأمريكية زعم أنه في حال قررت روسيا مهاجمة دول البلطيق فيمكنها احتلالها بالكامل خلال 2 – 3 أيام، ولن يستطيع حلف الناتو خلال هذا الوقت الاستجابة سريعا باتخاذ قرار منسق مؤكدا أن هذا الأمر ظل يشكل قلقا لواشنطن.
وربما الذي يشكل نوعا من التوازن بين القوتين على المدى المنظور هو موقف بكين من النزاع في أوكرانيا ونظرتها لروسيا باعتبارها شريكا استراتيجيا يحاول الحد من هيمنة الولايات المتحدة وحلفائها. وربما تخشى الصين في أن أي خلل في هذا التوازن قد يعيق هدفها أن تصبح "دولة اشتراكية حديثة عظيمة" بحلول الذكرى المئوية لجمهورية الصين الشعبية في عام 2049.
لعل الخاسر الأكبر على المدى القصير والبعيد هي أوكرانيا؛ فسواء احتلتها روسيا وفرضت عليها رؤاها السياسية، أو تمكنت هي من إخراج روسيا من أراضيها وإنزال رؤى وأهداف الناتو على أراضيها ومن ثمّ الانضمام إلى الحلف، فإن أوكرانيا لن تعد أوكرانيا وستتحول إلى بلد محطم ومنهك في مواجهة تهديد روسي مستمر ولا يتوقع أن يكون الاندفاع لإعمارها كما هو الحال حين دعمها أثناء العمليات العسكرية في مواجهة روسيا. إن أوكرانيا محايدة هي الصيغة الأذكى للتعاطي مع تعقيدات الصراع الدولي بين القوتين العظميين بسبب وضعها الجيوسياسي الحساس، وقد كان الحياد مثمرا في حالة السويد وفنلندا رغم موقعيهما الأقل حساسية. لكنهما للأسف تخلتا عن ذلك الحياد وانضمتا إلى الناتو في لحظات ضعف وخوف وتحريض. في ذلك اليوم خرج الرئيس الأمريكي جو بايدن، كامل زينته من اجتماع ضم رئيسة وزراء السويد والرئيس الفنلندي، وقد برقت عيناه بنصر مُعلنا أن السويد وفنلندا تستوفيان "كل المعايير" للانضمام إلى حلف الناتو. فذلك النصر الجزئي قابله العالم بقلق عميق بسبب تخلي السويد وفلندا عن حيادهما طويل الأمد، إذ أسهمت تلك الخطوة الانفعالية في تكريس حالة حافة الهاوية بسبب الحرب في أوكرانيا.
اليوم ورغم مظاهر الاحتفاء الأوكراني بدحر القوات الروسية الأخير فهي لا تستطيع اخفاء خوفها وقلقها، وتوجسها، فهي واقعة بين مطرقة وسندان، عملاقين متنافسين متباغضين، وتستشعر أن الولايات المتحدة وحلف الناتو حساباتهم تقوم على مصالحهم أولا، وليس على أساس نجدة الملهوف والغريق.
الميديا الغربية تحت ضغط الحقائق
رغم ارتباط الميديا في الغرب بالنظم السياسية في عموم أدائها لوظائفها لاسيما عندما يرتبط الموضوع بالشؤون المتعلقة بالآخر،... اقرأ المزيد
1011
| 08 سبتمبر 2024
صراع البحر الأحمر.. مرحلة كسر العظم
كثير من المؤشرات تؤكد أن أفريقيا هي الميدان الأكثر سخونة للصراع الدولي على الموارد، والممرات البحرية الدولية. والمتصارعون... اقرأ المزيد
819
| 01 سبتمبر 2024
تحديات ما بعد الحرب والأزمة السياسية
فيما تسابق الحكومة الأمريكية ممثلة في الحزب الديمقراطي الحاكم الزمن لاهثة لإضافة أي إنجاز خارجي تدعم به حملتها... اقرأ المزيد
1215
| 25 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8730
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2832
| 30 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
2772
| 30 أكتوبر 2026