رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الرئيس الفلسطيني ومستشاروه هذه الأيام يتحدثون كثيرا عن اللقاء الذي سيجمعه بالسيد خالد مشعل وهو اهتمام غير طبيعي ولا معتاد ويعكس ضرورته بالنسبة لعباس الذي اعتدناه إما ممتنعا أو متشرطا على لقاء السيد مشعل.. في نفس الوقت تتوالى أخبار اجتماعات السيد عباس ومستشاريه مع الرباعية الدولية لإيجاد مدخل جديد لاستئناف عملية التسوية المتعطلة منذ عدة سنوات كشفت عبثها وضيق أفقها .. وبقدر ما بين اللقاء بمشعل والكلام عن التسوية من تناقض وما يفترض أنه سيضع عباس بين خيارين متباعدين وبقدر ما يقلل أحدهما فرصة الآخر إلا أن السيد عباس يبدو مصرا عليهما كليهما.. ليس المظنون أن عباس يراهن على تحويل موقف السيد مشعل لصالح التسوية وليس من المنطقي أن يراهن على كلمته – مشعل – يوم المصالحة التي أراد أن يفهم منها أنه يوافقه على المفاوضات لمدة سنة.. ولكن الأرجح أنه يراهن على إحراج السيد مشعل بمطالبته بإتمام المصالحة على أساس الانتخابات التشريعية والرئاسية.. وهو ما صرح به " ياسر عبد ربه " في تعليقه على أهمية اللقاء وما يجب أن يتمخض عنه .. عندما قال: " المصالحة يجب أن تعيد للشعب دوره حتى لا تتحكم الفصائل في القرار الوطني".. وأقول:
هذا يعني أن الانتخابات في نظر السيد عباس ومن حوله هي الحل لكل المشكل الفلسطيني من الانقسام إلى الاحتلال.. وربما يظن البعض أن الدعوة لهذه الانتخابات دعوة عادلة وبريئة وأنها الحل لكل الخلافات كما في كل دول العالم.. وهذا غير صحيح وهو قياس في غير محله.. لأن الانتخابات تقوم أساسا على المغالبة لا على الاتفاق والتفاهم فإن نفع ذلك في دول مستقرة ولها دستور جامع وناظم لنوعية وحدود الخلافات بين الاتجاهات والأحزاب فهو لا يصلح في مثل الشعب الفلسطيني الذي يحتاج ليس لمغالبة جديدة يستعلي فيها أحد الفرقاء على الآخرين ويجتاح مشاريعهم وبدون دستور ناظم ومحدد وتصل الخلافات بين الاتجاهات أن يخون أحدهم الآخر وينسق مع العدو ضده.
الشعب الفلسطيني بحاجة لاتفاق يقلص الخلافات ويحدد المثيرات ويثبت الاحترام المتبادل بين الفصائل التي صار بينها ما صنع الحداد .. ولتوضيح ما نقول لنتخيل أن فتح – السلطة – فازت في الانتخابات التشريعية والرئاسية وأخذت الجمل بما حمل ثم ذهبت في اليوم التالي واتفقت مع العدو على إعطائه نفوذا على غزة كما تعطيه على الضفة ، وأتبعت ذلك بالتنسيق المخابراتي معه كما في الضفة أيضا.. فهل ستكون قد حلت المشكلة أم عقدتها ؟ وهل ستقبل حماس بذلك حتى لو فرضنا أنها أقلية أو كانت تتجسد في شخص واحد فرد رأسه ؟
هذا التحدي لا تحله إذن المصالحة على أساس الانتخابات ، وليس له حالات مشابهة في أي دولة مستقرة ذات دستور ناظم.. ومن هنا فالانتخابات لا تصلح منطلقا لحل الخلافات الفلسطينية.. وهو منطق أقرت به فتح في المصالحة عندما قبلت بإرجاء الانتخابات وأن تسبقها خطوات كثيرة من التفاهم واستعادة الثقة ، وقبلت أن يكون موعد الانتخابات متأخرا عن موعد التوقيع ..
المسألة ليست تحل بالانتخابات.. وسواء كانت نتيجتها لصالح حماس أو فتح.. والقضية ليست قضية جدال أو مساجلات كلامية ولكنها قضية عملية وواقعية وماثلة في الحال الفلسطيني ، ولدينا نموذجان - غزة والضفة - للنظر في فرق البرامج وما يستتبع ذلك الفرق من فروق على الحال الوطني .. ولدينا أيضا انتخابات 2006 التي كانت موصوفة ومشهودة من حيث الشفافية ونسبة المشاركة فيها وكيف أدت لحرب فصائلية ثم للانقسام الذي لم يكن قبل ذلك ..
إذا أريد للقاء (عباس - مشعل) أن يثمر نتائج حقيقية وأن ينتج تحولات تاريخية ومصيرية قد صارت ضرورية ولا تحتمل التأخير فإن ثمة أسئلة جوهرية صارت على لسان كل فلسطيني اليوم ، وصار لا بد أن يتفق على إجابتها وأن تثبت على رأس المصالحة .. وهي فوق التنازع الحزبي ، وفوق معايير كل فريق على حدة ، وفوق الخلافات ، ويجب أن تؤسس للاستراتيجية الفلسطينية الجديدة .. وبدونها فليبق الانقسام الذي هو بدون الإجابة عليها الشر الأهون والخطأ الأقل ..
الشعب الفلسطيني يسأل اليوم : ماذا بعد فشل عملية التسوية ؟ وإلى متى ستبقى السلطة في المرفأ الصهيوني ؟ ومتى يصبح تفكيكها لازما لا محيد عنه ؟ وما مصير المقاومة وغزة في حال فوز فتح أو فوز حماس بالانتخابات ؟
فإن كان الجواب أن ما بعد التسوية تسوية ، وأن ما بعد المفاوضات مفاوضات ، وأن الحياة الفلسطينية مفاوضات في مفاوضات فلا داعي للقاء إذن ، ولا ثمرة منه ، ولا من الانتخابات التي ستتمخض عنه ولا من المصالحة كلها .. وإن كان الجواب أن السلطة ستظل في المرفأ الصهيوني دائما بصرف النظر عن كل الاعتبارات وبمعنى أنها ستظل خاضعة للتدخل الصهيوني والتنسيق المخابراتي ، وأن المجلس التشريعي وتوازناته ونسب الأكثرية والأقلية فيه ستظل تحت رحمة وإرادة العدو ، وأن رئيس السلطة سيظل عاجزا عن حضور اجتماع عربي أو إقليمي لصالح قضيته كما حدث أيام العدوان على غزة .. فلا داعي للقاء إذن ، ولا ثمرة منه ، ولا من الانتخابات التي ستتمخض عنه ولا من المصالحة كلها .. وإن كان الجواب أن المقاومة ممنوعة في كل الأحوال ، وكان ما قاله عباس في ستراسبورغ يوم 20 / 4 / 2009 من أنه " حتى لو فازت حماس بالتشريعي والرئاسة فلن يسمح لها بإطلاق الصواريخ وجر الشعب الفلسطيني إلى المواجهة " أقول إذا كان هذا الموقف من المقاومة نهائيا .. فلا داعي للقاء إذن ، ولا ثمرة منه ، ولا من الانتخابات التي ستتمخض عنه ولا من المصالحة كلها .. وإذا كان الجواب أن غزة ستصير مثل الضفة تطارَد فيها المقاومة ويُصفى فيها القادة وتُصادَر فيها الأسلحة .. فلا داعي للقاء إذن ، ولا ثمرة منه ، ولا من الانتخابات التي ستتمخض عنه ولا من المصالحة كلها ..
وبالعودة للانتخابات .. فهي أولا : ليست ضمانة على شيء ؛ لأن كل هذه الأمور " الفوق خلافية " لا تخضع لمعايير الأكثرية والأقلية ، وثانيا : لأن فلسطين ليست مستقلة وليس لها دستور ناظم ، ولأن وراء كل صوت انتخابي وكل حجر في وادي تربصا صهيونيا ، ثالثا : ولأن الانتخابات قد جربت في ظل عدم الاتفاق على برنامج سياسي " الحد الأدنى " فأدت لحرب فصائلية كادت تؤدي لحرب أهلية وأدت لمزيد من الانقسام ، رابعا : لأن العدو لن يسمح لحماس أن تفوز !! ولا ينكر أحد أن الأمر بيده ، وأنه يستطيع التدخل جراحيا عند اللزوم لمنع ذلك وأنا على يقين أنه لو فعل ذلك فلن يتراجع عباس عن إجراء الانتخابات ، وربما يعتبرها الفرصة لعزل حماس وهزيمتها .. ولست أبالغ إذا قلت والأرجح أن يرتب ذلك مع العدو كما رتب أمورا كثيرة ضد حماس .. خامسا : لأن النيات وحدها حتى لو صدقت والتعهدات الكلامية وحدها مهما كثرت فلا يمكن الوثوق بها بالأخص وهي تصدر عمن لا يملك أمر نفسه وعمن جربت مصداقيته.. والمؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين ، والعاجز هو تماما كالمفرط سواء بسواء من حيث النتيجة والمحصلة الفعلية.
الحقيقة أن الشعب الفلسطيني بحاجة لاستراتيجية جديدة تقوم على أساس أن عملية التسوية قد فشلت ، وأن السلطة قد باتت معوقا للمشروع الوطني الفلسطيني ولم تعد أكثر من هيئة في خدمة الاحتلال ، وأن الزمن يسير ويتطاول لصالح التهويد والاستيطان ، وأن المقاومة أثبتت جدارة تستحق الاعتراف بها وبقيمها وبمبرراتها ، وأن غزة صارت رغم أنف العدو معادل ردع له ونواة للتحرير الكامل وشبه محررة ، وأن العالم العربي بات يتغير لصالح الشعب الفلسطيني ، وأن الشعب الفلسطيني إن توحد على قلب برنامج سياسي واحد فإن العالم العربي سيقف معه تصعيدا وتخفيضا ورسميا وشعبيا راغبا أو مضطرا بما يستحث العالم للضغط على العدو وبما يقفز بالقضية الفلسطينية إلى موضع الاهتماتم العالمي الرسمي والشعبي ..
آخر القول : من الخطأ والخطر اختزال المشكل بين فتح وحماس في الانقسام الذي أبعد غزة عن الضفة بقدر ما أبعد حماس عن فتح ، وجاء نتيجة لخلافات لا بداية لها ، ومن الخطأ والخطر توهم أن الانتخابات التشريعية والرئاسية التي تفوض الغالب منهما بالتحكم في خيارات ورؤية ومصالح المغلوب ويتحكم العدو في إجرائها ونتائجها ستحل هذه الخلافات ، ومن الخطأ والخطر تجاهل الأسئلة " فوق الخلافية " التي يجب أن يجاب عليها قبل أية مصالحة وأي انتخابات ، ولا بد أن يقوم عليها برنامج الحد الأدنى ، ومن الخطر والخطأ أن يتمحور أي لقاء وعلى أي مستوى حول سبل الالتفاف على القضايا الأساسية بالكلام في التقاسم والتنافس.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9408
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2226
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1125
| 06 أكتوبر 2026