رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تستضيف إحدى المدن الخليجية البارزة على مستوى العالم نجمة الواقع الهوليوودية (كيم كاردشيان) وسط اهتمام إعلامي غير مسبوق لهذه المرأة المشهورة بأنها صاحبة مغامرات عاطفية لا تعد ولا تحصى.. وأنا لست ممن يقيمون سياسة هذه المدينة التي تعد قبلة مفتوحة جداً لكل مظاهر السياحة غير المقننة والتي لا يعد أي شئ فيها من المحرمات أو الممنوعات.. ولكني أستغرب ذلك الإعلام (الخليجي والعربي) الذي سقط على رأس كاردشيان كما يتساقط الذباب على الجيف المتعفنة.. أستغرب من الصحفيين الخليجيين والعرب الذين تسارعوا حينما طلت (كيم) من بوابة القادمين للمطار وكيف حاولوا التقاط الصور والأحاديث السريعة وتسجيل الانطباعات الأولى لفتاة هوليوود لدى قدومها لمدينة خليجية ستلقى فيها ما تريده حتى وإن أرادت متابعة فضائحها المخزية فلا فرق بين هناك وهنا!!.. فماذا دها إعلامنا ان أصبح همه ملاحقة مثل هؤلاء الذين لا قيم ولا دين ولا انضباط لهم وسط مخاطر لم تعد محدقة بالأمة بل إن الأمة تغرق في توابعها ويكاد أن يفنى كل شيء حي وملتزم فيها؟!!.. من هي تلك (الكاردشيان) لتكون الملكة غير المتوجة التي استقبلتموها بالورود وثياب (النشل) الخليجية وتوجتم رأسها بالذهب ويديها بكفوفه؟!.. من هي تلك التي صرحت أثناء العدوان على غزة من قبل القوات الإسرائيلية الآثمة وهي ترى أجساد الأطفال البريئة تحت ثقل البيوت المدمرة بأن إسرائيل تدافع عن أمنها وأمن أطفالها؟!!.. هل هذا هو الجزاء وهذا هو الثواب الذي يجب أن يكون لإمرأة مثلها؟.. أن نكسوها بالذهب ونستقبلها مثل الأميرة وهي أصغر من أن نقبل وجودها على أرضنا؟!.. إلى متى سيكون إعلامنا مغررا به إلى هذه الدرجة التي لم تعد تفرق بين غث تافه وسمين غني مهمل؟!..إلى متى سنظل أسرى ننتظر ما يتمخض عنه الرحم الغربي من توافه مشوهة لا ترقى بنا وبديننا وقيمنا وانضباطنا؟!.. لماذا ننسى الأهم والمهم ونتعلق بتلابيب هشة خرقاء لمجرد أنها تلمع زيفاً؟!.. فما الذي فعلته هذه (الكيم) لكي تجد هذا الاستقبال المهيب وملايين من اللاجئين الفلسطينيين ترفض دول عربية استقبالهم وإيواءهم إلا بقليل من الخيم والمساعدات رغم تورط حكوماتها في تأكيد وتثبيت الاحتلال الإسرائيلي لأراضيهم، فلا هم يعيشون في دولتهم ولا يلقوا دولا بديلة لها؟!!.. فهل تسمون ذلك كرماً؟!..فقد سمعت عن إكرام الضيوف لكن مثل هذه وغيرها حرام عليهم أن يكن ضيوفاً في دول خليجية عربية إسلامية يجب أن تتمتع بأقل صفات المؤازرة لكل شعب متضرر من دولة (كيم كاردشيان) وغيرها.. وليس من اللائق انه في الوقت الذي لا يلقى الطفل الفلسطيني مدرسة ليتابع فيها سنته الدراسية التي ألغاها العدوان الإسرائيلي الإرهابي وحولها قسراً إلى إجازة صيفية مبكرة؛ نرى بيننا من يستقبل أشخاصا يلقون في دولهم اهتماماً غير اعتيادي استقبال الفاتحين وكأن كيم تنتظر الضيافة منا رغم استطاعتها استضافة شعوب على حسابها!!..فإلى متى هذا التظاهر بالحداثة الفارغة ومحاولاتنا المستميتة لأن نعبر عن تطورنا بينما مضمون العمل وآلية ترجمته يسيران إلى التخلف بعينه؟!.. وطبعاً هذا ما يتفاخر الغرب بنجاحه بيننا بكل اقتدار.. هكذا يريدوننا أسرى الشهوات والملذات والغناء واللهو، وما هو مهم فعلاً فهو كفاف لا يليق بسمعتنا كدول خليجية نفطية كبرى تغرق في ثراء فاحش!.. هكذا يحبوننا وهكذا يريدوننا ونحن لا نحتاج لكثير من الجهد لنكون كما يودون.. قليل من الغناء وكلمات الحب والهيام وكثير من الإغراءات الأنثوية الجسدية وتسليط الضوء على نجومهم والباقي اتركوه علينا!.
صدقوني إنني أكتب هذا المقال وانا أستعرض صور استقبال كيم كاردشيان ومشاهد من الاحتفالية الضخمة التي جرت لها للأيام الأولى من استقبال أقل ما يقال عنه انه لإحدى الملكات فقط لتجميل صورة العرب في ناظريها.. وفي الجهة المقابلة أرى الأب الفلسطيني وهو يبحث عن لقمة يسد بها رمق عائلته، وطفلا يتجول بالشوارع الغارقة بالدخان والدمار في الوقت الذي يتنعم به أطفال العرب بفصول وكتب مدرسية وبإجازة صيفية هادئة؛ وأما لا تزال تحصي كل ليلة كم بقي من أطفالها ومن يمكن أن يغادرها صباح اليوم التالي!!..أكتب هذا المقال وأن أرى إعلامنا العربي الذي يهوي — بمزاجه — إلى حضيض تافه وهوامش فارغة من أي مضمون ولا معنى لها، بينما إعلام الغرب الجاد يمضي نحو تتبع تسلح دوله وقوتها واستقرارها وتمكينها من تثبيت هويتها كبلدان قوية يعمل لها ألف حساب وحساب، فلا يغلب اللهو على الجد لديه، على عكسنا تماماً فما أن تحدث مصيبة عربية حتى يتسابق الإعلام العربي في تغطية فصولها لتموت قبل أن تبدأ وينشغل بأشياء تغطي على أشياء أخرى، فهذا مقياس الاهتمام لديه وما يريده رتم الحياة ننساق إليه وما تحتاجه الأمة فعلاً من الإعلام لا تلقاه أبداً، وبالطبع تأتي أحداث مجزرة غزة التي نسيها الجميع بعد أن علقت إسرائيل عدوانها الإرهابي عنها رغم عدم كفها في الحقيقة عنه، لمجرد أن إسرائيل أخذت استراحة وخصص لها العرب مليارات من الدولارات الضائعة للإعمار، وتضيع غزة كما ضاعت المجازر التي سبقتها، والفضل لإعلامنا الناسي المتناسي بينما إسرائيل لاتزال في خطب رؤوس الشر لديها تذكر محارق اليهود التي حدثت منذ عقود والفضل أيضاً في ذلك لإعلامها القوي الذاكرة!.. لهذا إهداي يا فتاة فهل تساوي فتاة فلسطين المغبونة بفتاة هوليوود المدللة؟.. في نظري؟.. لا تساويها فلا يصح أن يساوى الذهب الخالص بقشور فاكهة مثل الموز إن ظلت صفراء شهية فهي بعد ساعة تعافها القمامة من رائحتها المنفرة!.
فاصلة أخيرة:
قطر.. قدرات مشهود لها في الوساطة وفض النزاعات
تفخر دولة قطر بالمكانة التي وصلت إليها على الصعيد العالمي، باعتبارها صانعة سلام ووسيطا دوليا يحظى بالثقة والاحترام،... اقرأ المزيد
30
| 23 يونيو 2026
النحاس.. الحلقة المفقودة في سلسلة الصناعات المعدنية
يتركز الاهتمام عند الحديث عن الصناعات المعدنية دائماً على الحديد والألمنيوم، بينما يبرز معدن آخر تتسارع أهميته الإستراتيجية... اقرأ المزيد
177
| 23 يونيو 2026
أخلاقنا تعكس إنسانيتنا
نادتها لحمل الأكواب المتكدسة أمامنا فجاءت على عجالة، وقد استغربت شخصياً السرعة التي حضرت بها العاملة، وفجأة سمعنا... اقرأ المزيد
51
| 22 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
مع كل ارتفاع جديد في أسعار الذهب، يتكرر المشهد نفسه. تبدأ التوقعات بمزيد من الصعود، وتنتشر النصائح بضرورة الشراء قبل فوات الأوان، ويشعر كثير من الناس بأنهم قد يفوتون فرصة استثمارية كبيرة إذا لم يدخلوا السوق سريعاً. لكن ما أن يتراجع الذهب بشكل مفاجئ حتى يبدأ سؤال آخر بالظهور: هل كان قرار الشراء صحيحاً من الأساس؟ الحقيقة أن الذهب من أكثر الأصول الاستثمارية التي يساء فهمها. فالبعض ينظر إليه على أنه استثمار مضمون، بينما يراه آخرون مجرد معدن لا يحقق أي عائد. وبين هذين الرأيين تقع الحقيقة. فالذهب ليس استثماراً سيئاً، لكنه ليس أيضاً الطريق السريع إلى الثراء. لفهم الموضوع بشكل أفضل، علينا أولاً أن نسأل: ما الذي نريده من الاستثمار؟ إذا كان الهدف هو تحقيق دخل دوري منتظم، فإن الذهب ليس الخيار المناسب. فهو لا يوزع أرباحاً مثل الأسهم، ولا يدفع فوائد مثل السندات، ولا يدر إيجارات مثل العقارات. أما إذا كان الهدف هو حماية جزء من الثروة في أوقات الأزمات وعدم اليقين، فإن الذهب يمتلك سجلاً تاريخياً طويلاً يجعله أحد أهم الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون حول العالم. ولهذا السبب تحتفظ البنوك المركزية بآلاف الأطنان من الذهب رغم امتلاكها خيارات استثمارية أخرى قد تحقق عوائد أعلى. وقد يتساءل البعض: إذا كانت الأسهم والعقارات والسندات قادرة على تحقيق عوائد أعلى، فلماذا تواصل البنوك المركزية حول العالم شراء الذهب؟ الجواب أن البنوك المركزية لا تبحث دائماً عن أعلى عائد، بل تبحث عن أعلى درجات الأمان والاستقرار. فالذهب لا يعتمد على ملاءة حكومة معينة، ولا على أداء شركة محددة، ولا يمكن طباعته كما تطبع العملات الورقية. ولهذا ينظر إليه باعتباره أحد الأصول الاحتياطية التي تساعد الدول على تنويع احتياطاتها وتقليل اعتمادها على العملات الأجنبية. وخلال السنوات الأخيرة زادت العديد من البنوك المركزية حول العالم مشترياتها من الذهب، في خطوة تعكس استمرار الثقة في دوره كأداة لحفظ القيمة على المدى الطويل، حتى في عصر تتعدد فيه الخيارات الاستثمارية وتتنوع الأدوات المالية. ومن هنا يمكن تلخيص وظيفة الذهب في عبارة واحدة: الذهب يحمي الثروة أكثر مما يصنعها. وقد عبّر المستثمر الأمريكي الشهير وارن بافيت عن هذه الفكرة بطريقة مختلفة عندما انتقد الاستثمار في الذهب، معتبراً أن الأصول المنتجة مثل الشركات والمشاريع هي القادرة على بناء الثروة الحقيقية لأنها تحقق أرباحاً وتتوسع مع مرور الوقت. في المقابل، يرى المستثمر المعروف راي داليو أن الذهب جزء مهم من أي محفظة استثمارية متوازنة، ليس لأنه يحقق أعلى العوائد، بل لأنه يساعد على تخفيف المخاطر عندما تتعرض الأسواق لصدمات مفاجئة. فالأسهم والعقارات والسندات صممت أساساً لتحقيق النمو والدخل، بينما يؤدي الذهب دور الحماية والتوازن داخل المحفظة الاستثمارية. ولعل المثال التالي يوضح الصورة بشكل أفضل. لو أن مستثمراً وضع 100 ألف ريال في الذهب قبل عشرين عاماً، فمن المرجح أنه كان سيحقق مكاسب جيدة مع ارتفاع أسعار الذهب على المدى الطويل. لكن لو استثمر المبلغ نفسه في أسهم شركات قوية أو في صندوق يتبع الأسواق العالمية وأعاد استثمار الأرباح الموزعة، لكانت النتيجة في كثير من الفترات التاريخية أفضل من الذهب. أما لو استثمر المبلغ في سندات ذات جودة ائتمانية مرتفعة، فربما كانت الأرباح أقل من الأسهم، لكنه كان سيحصل على دخل دوري منتظم طوال فترة الاستثمار. وفي العقار المؤجر، لا يعتمد المستثمر فقط على ارتفاع قيمة الأصل، بل يستفيد أيضاً من الدخل الإيجاري المستمر. وتشير البيانات التاريخية إلى أن الذهب حقق أداءً قوياً خلال العقدين الماضيين، مستفيداً من الأزمات المالية العالمية وارتفاع معدلات التضخم وزيادة مشتريات البنوك المركزية. لكن الدراسات الاستثمارية طويلة الأجل تظهر أيضاً أن الأسهم العالمية تفوقت على الذهب في كثير من الفترات الزمنية عند احتساب الأرباح المعاد استثمارها، وهو ما يؤكد أن الذهب أداة مهمة لحماية الثروة وتنويع المخاطر، لكنه ليس بالضرورة الأداة الأفضل لتحقيق أعلى العوائد. ومن الأخطاء الشائعة التي يقع فيها بعض المستثمرين شراء الذهب بعد موجات الارتفاع الكبيرة بدافع الخوف من ضياع الفرصة، أو وضع نسبة كبيرة من ثرواتهم في أصل واحد، أو اتخاذ قراراتهم بناءً على الأخبار اليومية بدلاً من خطة استثمارية واضحة. ويبقى السؤال الأهم: كم يجب أن أخصص للذهب من أموالي؟ لا توجد نسبة مثالية تناسب الجميع، لكن كثيراً من مديري الأصول العالميين يرون أن تخصيص ما بين 5 % و15 % من المحفظة الاستثمارية للذهب قد يكون كافياً لتحقيق التنويع والحماية دون المبالغة في الاعتماد عليه. وفي النهاية، لا ينبغي النظر إلى الذهب باعتباره منافساً للأسهم أو العقارات أو السندات، بل باعتباره مكملاً لها. فالذهب يشبه حزام الأمان في السيارة. لا أحد يشتري السيارة من أجل حزام الأمان، لكنه يشعر براحة أكبر عندما يكون موجوداً. فالذهب كان وسيبقى جزءاً مهماً من النظام المالي العالمي، لكنه ليس وصفة سحرية للثراء. المستثمر الناجح لا يسأل فقط: إلى أين سيتجه سعر الذهب؟ بل يسأل أيضاً: ما الدور الذي يجب أن يؤديه الذهب داخل ثروتي؟ وعندما يعرف الإجابة عن هذا السؤال، يصبح الذهب أداة استثمارية مفيدة بدلاً من أن يتحول إلى رهان عاطفي على حركة الأسعار.
31239
| 20 يونيو 2026
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
18123
| 16 يونيو 2026
عندما يتعرض أي منتخب لخسارة قاسية، يكون من السهل توجيه أصابع الاتهام إلى اللاعبين وتحميلهم كامل المسؤولية، لكن ما حدث للعنابي أمام كندا يستوجب قراءة أكثر إنصافاً وواقعية. فاللاعبون أنفسهم الذين خرجوا بنتيجة إيجابية أمام سويسرا في الجولة الأولى لا يمكن أن يفقدوا قدراتهم بين ليلة وضحاها. ما تغير لم يكن مستوى اللاعبين بقدر ما كان غياب الرؤية الفنية الواضحة وسوء إدارة المباراة، وهي أمور يتحمل مسؤوليتها المدرب قبل أي طرف آخر. المشكلة الحقيقية لم تكن في الأسماء الموجودة داخل المستطيل الأخضر، بل في الطريقة التي أُديرت بها المباراة منذ بدايتها وحتى صافرة النهاية. وهنا تبرز مسؤولية المدرب الذي يتحمل النصيب الأكبر من هذه الخسارة الثقيلة، فالفريق ظهر من دون شخصية واضحة، ومن دون جاهزية ذهنية تسمح له بمواجهة الضغط أو العودة إلى أجواء اللقاء بعد استقبال الأهداف. كما بدا واضحاً أن العنابي لم يدخل المباراة بالحالة البدنية التي تمكنه من مجاراة نسق المنافس أو الحد من تفوقه. ولم تتوقف الأخطاء عند حدود الإعداد الذهني والبدني، بل امتدت إلى الجانب الفني. فالمدرب لم ينجح في استثمار قدرات لاعبيه بالشكل الصحيح، الأمر الذي أفقد الفريق الكثير من فاعليته، فظهر بعض اللاعبين بعيدين عن مستواهم المعتاد لأنهم لم يوظفوا فنياً في الأدوار التي تناسب إمكاناتهم. وكما نعلم فإن مباراة بهذا الحجم يصبح استغلال لاعب بحجم عفيف ضرورة وليس خياراً، وعندما يعجز المدرب عن توظيف أهم الأوراق الهجومية للفريق بالشكل الأمثل، فإن ذلك يعكس خللاً مباشراً في الرؤية الفنية قبل أي شيء آخر. الأكثر إحباطاً كان الإصرار على نهج دفاعي عقيم منح المنتخب الكندي أفضلية كاملة في الاستحواذ والسيطرة على مجريات اللعب، وبينما كان المنافس يهاجم بأريحية ويصنع الفرص تباعاً، اكتفى العنابي بالتراجع وانتظار ما سيحدث، وعندما بدأت النتيجة تتجه نحو سيناريو كارثي، لم نشاهد أي تدخل فني حقيقي يغير شكل المباراة أو يعيد التوازن إلى الفريق. صحيح أن طرد همام الأمين وعاصم مادبو شكّل ضربة مؤثرة وأربك حسابات الفريق، إلا أن اختزال النتيجة الكارثية للمباراة في حالتي طرد فقط لا يعكس الصورة الكاملة لما حدث، فالمنتخبات التي تمتلك هوية واضحة وشخصية قوية تستطيع التكيف مع النقص العددي وتقليل الأضرار، لكن العنابي بدا فاقداً للسيطرة والتنظيم حتى قبل حالات الطرد، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة حول الجاهزية الفنية والتكتيكية. المدرب لم يقرأ المباراة بالشكل المطلوب، ولم ينجح في إيجاد حلول أو إجراء تعديلات مؤثرة تحد من تفوق المنافس. التبديلات جاءت متأخرة ومن دون أثر واضح، والخطة بقيت كما هي رغم أن المباراة كانت تسير في اتجاه واحد. والأسوأ من ذلك أن المدرب لم يحرر اللاعبين القادرين على صناعة الفارق، بل وضعهم داخل أدوار حدّت من خطورتهم وأفقدت الفريق أحد أهم أسلحته الهجومية. كلمة أخيرة: تحيةٌ وتقديرٌ واحترامٌ لجماهير منتخبنا التي بقيت في المدرجات بروحٍ وطنيةٍ عاليةٍ رغم الخسارة الثقيلة.
4125
| 21 يونيو 2026