رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لست هنا بصدد الحديث عن الذهب او الفضة ولا الحديد والالمنيوم والنحاس ولا عن عشق النساء للألماس الثمين واللؤلؤ المستخرج من اعماق البحار ولا غيرها من المعادن الثمينة او الهامة او التي يسعى الإنسان للتزيّن بها او التباهي بامتلاكها فهي تسلب العقول وتلفت الأنظار، لكني اعني في مقالي اغلى المعادن المتمثلة في معدن الإنسان ذاته،، هذا هو الأهم فإذا أردت اختبار إنسان والتعرف إلى معدنه، فراقب مواقفه، وسلوكاته في أوقات الشدة. والناس معادن بينهم النفيس، وبينهم الرخيص، وفي حياتنا أناس من ذهب، وأناس من فضة، وإذا أردت أن تختبر الجيد من الرديء في المعادن عليك أن تصهرها في النار، وكلما زادت قيمة المعدن، ونفاسته، استعصى على النار، وسرعان ما تذوب وتنفصل عن المعدن النفيس كل ما علق به من شوائب ليزداد صفاء، وبهاء.
لا شك ان الأزمات، والكوارث، والمحن، كلها شدائد تمر علينا لتصقل قيم ومبادئ الإنسان، وتُظهر المخبّأ منها، والناس كالارض تنقسم الى معادن، منها الصافي والمختلط وأساس الصفاء في معادن الناس هو عفتهم وإخلاصهم لمواقفهم ووفائهم لعهودهم وصفاء نفوسهم وعدم اختلاطها بالشوائب التي تدنس بريقها وتعكر صفوة نفوسها، وابتعادها عن الخبائث التي تتسم بها الانفس الشريرة. فعهد الكريم لا يتغير ولا يتبدل بتبدل الاحوال كالمعدن الاصيل الذي لا تغيره الظروف، يقول لقمان الحكيم لابنه: يا بني الناس معادن تصقلها الشدائد، فأمسك بأسنانك على من يؤازرك في شدتك، ولا تحزن على من فقدْته، ولم تجده في محنتك.
ودعونا نتفق ان الحياة الدنيا مسرحٌ كبير يصعب على الإنسان أن يدرك فيها حقيقة الآخرين وما تخفيه نفوسهم نحوه، وإن كانوا ممن يتعامل معهم بشكل يومي، لأنهم يرتدون أقنعة جميلة وجذابة هم أبعد ما يكونوا عنها لكونها غير معبرة عن حقيقتهم كقناع المحبة على سبيل المثال، فلربما يحمله من له في قلبه الكره والحقد والحسد تجاهك دون أن تدري، لأنها من المشاعر المضمرة التي لا تظهر من دون مواجهة المواقف الحياتية التي لا تحتمل الزيف والخداع، فكثيرون من نجدهم معنا في مقدمة الصفوف في السراء، لكنهم في الضراء يتراجعون للخلف، بل وقد يغيبون عن الأنظار فيهربون عنا ويتخلون عن كل ما كانوا يبرزونه في لحظات السعة والرغد، فالظروف القاهرة والمأساوية هي الوسيلة الوحيدة لكشف حقيقة من ادعى نبل الأخلاق وصدق المحبة.
وهناك حكمةٌ شهيرةٌ تقول «متصنع الود تفضحه الشدائد، ومتصنع الأخلاق تفضحه الخصومة، ومتصنع الحب تفضحه المصالح» فالكلمات قد تخفي خلفها معاني كثيرة، لكن المواقف والتصرفات تنطق دائما بالحقيقة، فكن حقيقياً بمقامك بأسلوبك بأخلاقك بأيمانك بتقواك بقيمك بروحك بشخصيتك بعفويتك وأرض بما وهبك الله اياه من عطايا، وكن انسانا في فعلك وقولك غير متكلف ومتصنع، وكن عزيز النفس ابيّ النفس كالجبال والأشجار.
ان الشدائد تفضح الود المصطنع وتبرز المعادن الأصيلة ولذلك يقال «إن المنتصر أصدقاؤه كثيرون، أما المهزوم فأصدقاؤه حقيقيون» ولا يسلم الإنسان من قوارع الزمن ونوازلها التي تتخبط به والتي قد تعوزه الحيلة للجوء الى طلب المساعدة والسند وقت الحاجة لكنه للأسف ينصدم بمواقفهم الغير مشرفة، فتجدهم وقت السراء ملفوفين حوله متكالبين على خيره وعزه وبركة أمواله يلبسون أقنعة المحبة والأخوة والصداقة والقرابة يمثلون ببراعة على المسرح ولكنهم أبعد عنها، وأما في وقت الضراء تجدهم مثل السلحفاة تهرب لتتقوقع وتتراجع للخلف ببطء وتظهر عليهم ملامح الحقد والكره والبعض والحقد والحسد.
وان اعتبرنا المعدن في انسانيتنا من القيم الإنسانية فلأنها ليست مفاهيم نظرية وكلمات عابرة فقط، ولكنها مواقف حياتية تُثبتها الأفعال التطبيقية، لأنها تظهر حقيقية في واقعنا العملي لا في الأقوال التي تقال شفهيا أو كتابيا وحسب، وفي زمننا الحالي باتت المعادن الأصيلة عملة نادرة، وأصبحت كلمة «معدنك أصيل» أو «معدنك ذهب» باعتبار أن الذهب معدن لا يبلى ولا يصدأ، أصبحت كلمة تستخدم بندرة او للمجاملة والمصالح، هذا إن أردنا استخدامها كوصف لشخص يستحقها، لا ذكرها لمجرد المجاملة فالمعادن الأصيلة تظهر في المواقف، وهي أصلاً صناعة المواقف حينما تتحرك وفق قناعات وثوابت، وحينما يتحرك الفرد وفق ما يؤمن به وما يعمل به من مكارم الأخلاق ورفيع الصفات.
ان المعدن الحقيقي لشخصية الإنسان، لا يمكن أن يُميَّز بسهولة ويسر، بل قد يحتاج الى سنوات عدة وأيضاً إلى مواقف عدة حتى يمكننا أن نتعرف على معدن الشخص الذي تصاحبه أو حتى تتعامل معه في كل حال، نعم إن المواقف الحياتية هي من يظهر المعدن الحقيقي لكل شخصية، ولأن غالبية المعادن تكون صلبة فلذلك اقترنت بالشخصيات الانسانية ومدى قوة صبرها وتحملها ودعمها لمن حولها، فكان منها ما هو الأعلى والأصيل وأيضاً منها الرديء، والناس بين هذا وذاك، والحياة ومواقفها تظهرنا على حقيقتنا مهما حاولنا إظهار عكس ذلك وقد نرتكب الكثير من الأخطاء ونضل طريقنا أحياناً ولكن ما يثبت في النهاية هو المعدن الأصيل والأصل الطيب فالذهب لا يصدأ ولا يتعفن، ومعادن البشر تصقلها المواقف اليومية والأزمات الحياتية مع البشر والظروف.
ويحاول الكثير من الأشخاص أن يتصرفوا على عكس سجيتهم، ويبدون ما يعارض باطنهم، وأن يتصنعوا الأخلاق والذوق والصدق والإخلاص ولكن سرعان ما تكشف الشدائد عن هؤلاء الناس وتتضح حقيقتهم لأنه مهما كانوا على قدر من التمثيل والتكلف ستأتي لحظة ينزعون فيها قناع السلام واللطف ويظهرون فيها على حقيقتهم من دون أقنعة، لذا علينا ان نتذكر هذا الشطر من بيت الشعر الذي يحفظه الكثيرون ويرددونه لمواساة أنفسهم عندما يخذلهم من توقعوا وقوفه إلى جانبهم ( جزى الله الشدائد كل خير) ويُلحقونه بالشطر الثاني الذي يقول (عرفت بها صديقي من عدوي).
أخيراً..
البعض في حياتنا وبعد ظهور معدنهم ليسوا إلا «حضور مزيف «، وباختصار في ظلمتك تُعرف نجومك..
بين المنعطفات..
تجربة القيادة على الطرقات ليست عملية آمنة دائما فقد يكون حظك سيئا ان مررت في طرق وعرة ومنعطفات... اقرأ المزيد
2082
| 13 يوليو 2023
ليست مجرد قشة..
تمتلئ صفحات التاريخ بالقصص التي بُنيت على احداث واقعية غيرت ربما من شكل التفكير حينها او عدلت في... اقرأ المزيد
2151
| 06 يوليو 2023
عن المبالغة أكتب..
قد لا يبدو العنوان جاذباً للبعض أو مُستغرباً للبعض الآخر ولكن مما لاشك فيه ان بين سطوره معاني... اقرأ المزيد
3204
| 02 يوليو 2023
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12144
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10077
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3474
| 22 أكتوبر 2026