رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
السؤال الملتبس والمحيّر طرح نفسه طوال الشهور الماضية: هل لروسيا نفوذ على النظام السوري؟ قد يكون الجواب: نعم، لكن موسكو لا تمارس هذا النفوذ على طريقة الولايات المتحدة التي لم تتأخر في تأييد خلع رئيسي مصر وتونس عندما ثار شعباهما عليهما، وكانت لها مساهمة ملموسة في إطاحة زعيم ليبيا وفي دفع الرئيس اليمني إلى التنحي، وأتيحت لروسيا فرص عدة لإيضاح أنها لا تتدخل ولا تؤيد التدخل لتغيير الأنظمة، وهو ما يبدو ظاهرياً موقفاً محموداً بل موقفاً مبدئياً يصلح لأن يرسخ في السياسة الدولية لو أن موسكو سعت فعلاً إلى إطلاق نقاش دولي حوله بغية تعزيز سياسة الدول واحترام الشعوب.
غير أن شيئاً من هذا لا يشغل فعلاً الروس، إذ بذلوا ما في وسعهم لاستثمار الأزمة السورية في نيل مصالح ومكاسب كانوا ينتظرون اللحظة المناسبة لتحصيلها في صراعهم مع الدول الغربية. ثم أنهم قدموا للنظام السوري كل الدعم الممكن للحيلولة دون سقوطه وتغييره من الداخل وبفعل كفاح الشعب السوري.
وقد يكون الجواب: لا، ليس لروسيا نفوذ يسمح لها بأن تضغط على النظام السوري لحمل رئيسه على التنحي أو الرحيل، لكنها رأت أن تستغل "الفيتو" الذي تتمتع به في مجلس الأمن لتعرقل أي جهد دولي منسق يمكن أن يتوصل إلى إسقاط النظام السوري. ووجدت مصلحة في الاختباء وراء الموقف الروسي، وكذلك إيران، وادّعت الدول الثلاث أن لها مصالح في سوريا، ولابد من التفاهم معها كي تؤيد التغيير الذي تعتبر أنه ملزم بالحفاظ على تلك المصالح، وإذا تعذّر هذا التفاهم فإنها ستعمل على إطالة الأزمة إلى ما لا نهاية، لكن إذا لم يكن لروسيا النفوذ الذي يمكنها من تقديم "إطاحة النظام" لقاء رزمة المصالح، فعلام تدور المساومة بينها وبين الولايات المتحدة؟
المعلوم أن هناك مفاوضات أمريكية – روسية تتم على مستوى الخبراء منذ فترة وبعيداً عن الأضواء، وهي تتمحور حول مسائل غير مرتبطة مباشرة بالشأن السوري، بل بالشأن الاستراتيجي الشامل، بدءاً بالدرع الصاروخية في أوروبا ومروراً بالتعامل مع الأزمة النووية مع إيران وصولاً إلى الأمن الاستراتيجي في وسط آسيا، بالإضافة إلى ملفات اقتصادية، ذاك أن اللقاء المرتقب بين باراك أوباما وفلاديمير بوتين يفترض أن يتوصل إلى تفاهم بين الدولتين الكبريين يغطي معظم خلافاتهما ويحاول تفعيل التوافقات التي تتحدثان عنها في مختلف المناسبات، ولا يبدو أن مواقفهما من سوريا هي المقياس المناسب لتقدير تقاربهما أو تباعدهما، وإنما تستخدمانها إما للتعبير عن تقدم أو تعثر في التفاوض الجاري بينهما، أو للتعتيم على التقائهما الفعلي بشأن سوريا، إلا أن الظروف لم تنضجه بشكل كافٍ كي يُصار إلى إعلانه.
قبل عشرة أيام التقى وزيرا الخارجية هيلاري كلينتون وسيرغي لافروف في دبلن (أيرلندا) وشارك المبعوث الدولي – العربي الأخضر الإبراهيمي في جانب من محادثاتهما، لم يُفهم شيء، أي شيء محدد مما صرّحا به، لكن الإبراهيمي أشار إلى أنهما لا يزالان يؤيدان "تسوية سياسية" في سوريا، وقيل إن اقتراح إرسال "قوات لحفظ السلام" كان مدار بحث، ثم أن مساعديهما وليام بيرنز وميخائيل بوغوانوف تابعا التفاوض في جنيف وأشركا أيضا الإبراهيمي، وفي هذه المحطة اتضح أن تنقيح "اتفاق جنيف" 30 يونيو سيعكس تقارباً بين الدولتين وأنه يمكن عندئذ الذهاب إلى مجلس الأمن بمشروع قرار مستند إلى ذلك الاتفاق لإلزام الطرفين بوقف إطلاق النار وإطلاق "عملية نقل السلطة".
كانت روسيا ذهبت إلى أقصى حد في استغلال قضية "التدخل الخارجي" في سوريا، والمقصود هو التدخل العسكري، رغم علمها بأنه لم يكن مطروحاً في أي وقت، لا بالسيناريو العراقي (الاجتياح والاحتلال)، ولا بالسيناريو الليبي (تدمير القدرات العسكرية للنظام)، ولعل ما سحب هذه الورقة من الاستغلال الروسي إعلان رئيس "الائتلاف الوطني السوري"، إن المعارضة لم تعد تحتاج إلى قوات دولية لمساعدتها ضد النظام وفي الوقت نفسه، كانت روسيا تراهن على أن يحسم النظام الموقف العسكري لصالحه، فهذا يقوي موقفها التفاوضي، ويمنحها الوقت الكافي لخوض المساومة الكبرى مع أمريكا، لكنها فوجئت، مثل الأمريكيين، بأن الإنجازات الميدانية للمعارضة تنافس كل المساومات وتسابقها، حتى أصبح همّ الدولتين التعجيل بالتفاهم قبل أن تفرض عليهما الأرض أمراً واقعاً يصعب التعامل معه.
وفيما أعلنت واشنطن اعترافها بـ"الائتلاف" ممثلاً شرعياً للشعب السوري، بادر نائب وزير الخارجية الروسي إلى القول إن المعارضة تكسب "ويمكن أن تنتصر"، لكن الأمريكيين استبقوا الاعتراف بوضع "جبهة النصرة" على قائمة الإرهاب، ثم أن الروس نفوا كلام نائب الوزير بوغوانوف مؤكدين أن موقفهم "لم ولن يتغير"، ولا يعني هذا التذبذب الزئبقي سوى أن الدولتين لم تقفلا ملفاتهما الأخرى لحسم موقفهما حيال الوضع السوري، وطالما أن موسكو تعرف أن الأمريكيين لا يحبذون تدخلاً عسكرياً، وواشنطن تعرف أن الروس لا نفوذ فعلياً لهم على رأس النظام السوري، فإن "التغيير" المرتقب لابد أن يصاغ في قرار لمجلس الأمن.
وحين يتبلغ النظام في دمشق أن روسيا ستؤيد قراراً ملزماً بوقف النار والشروع في نقل السلطة سيعرف أن اللعبة الروسية التي ارتكز عليها لمقاتلة شعبه قد انتهت.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2223
| 01 أغسطس 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
2127
| 29 يوليو 2026
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
1974
| 03 أغسطس 2026