رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كان لا يزال منجذبا إلى أضواء الثورة السورية التي اعتبرها مباركة وذات أبعاد مشرقة تأتي كل يوم بمنافع لم يكن يحلم بشيء منها قبلها حيث الظلام الدامس والقهر المجنون والاستبداد والاستعباد من فرعون وهامان وجنودهما الخاطئين، وكان رغم المبشرات المتتابعة لا يستطيع أن يهدأ أو يغط في نوم مريح، فجيش الأفكار والخواطر والتقلبات التي تمكر بالثورة ليل نهار يجعله نهبا لشيء من القلق والحيرة حتى إنه يمسك قلبه الخفاق كلما حانت ساعة نشرة الأخبار إشفاقا أن تأتي بما لا يسر من المآسي الجسام التي عصفت ومازالت بالشعب السوري الصابر المصابر المصطبر بلا حدود وإذ هو في هذه الحالة المضطربة رغم بعض الانتصارات الفعلية التي تزيح الكثير من الهموم والغموم، فكر ماذا عليه أن يفعل إنه يريد أن يقف على الحقيقة أكثر وأكثر ليستجلي المشهد وأنى له ذلك وهو بعيد وغير متكئ إلا على الأنباء الفضائية أو الإعلام المقروء أو السماع من زيد وعمرو وبكر نقلا أو تحليلا، ولأن الشك فيه عذاب واليقين هو الروح والريحان فقد قرر اليوم أن يدخل بنفس حلبة الميدان ويرى ويسمع ويحلل ويمدح ويقدح وينتقد بإخلاص طلبا للحق، ويكون أمينا مع نفسه وضميره عساه ينشرح ويزيل شبح التردد القاتل عنه.
كان انطلاقه مع إخوة صادقين بعد أن تمكن من زيارة أحد المخيمات الحدودية مع تركيا وقد سر أيما سرور حين شعر وهو يرى ويسمع أحوال المهجرين بارتفاع المعنويات التي تسابق الريح عند الكثيرين رغم العناء والتشرد فالنغمة التي يضرب هؤلاء على وترها إنما تركز على استعلاء الإيمان ومعاني الكرامة والعدالة والحرية والتي تهزأ بالصعاب غير المحتملة في سبيل تلك المعاني التي عدمت واضمحلت جدا منذ عهد الديكتاتور حافظ الأسد ثم عهد الديكتاتور الصغير بشار المستبد الذي حاز كأبيه أعلى درجة اليوم في القتل والإجرام دون رادع من دين أو ضمير أو خلق سوي، لقد وصلت المركبة الحدود التركية وختمت الجوازات ثم وقفت عند الحدود السورية فإذا به ينزل منها ويخر ساجدا لله تعالى شكرا على ما أولى وأنعم ولم يرفع جبهته وهو مستغرق في الخشوع وعشق الوطن الذي لم يمس ترابه منذ أربعة وثلاثين عاما إلا بعد وقت طويل، يا لها من لحظات تعدل كل ما لديه في الدنيا حيث يدور شريط الذكريات في السجود عند الحدود هل هو في حلم أم حقيقة، هل يمكن أن يعتبر هذا اليوم عيدا جديدا في حياته إذ كان يشعر كما الملايين الآخرين بأنه كان قشة تذروها الرياح، كيف أحس أنه كالجبل في مكانه وأن شانئه ليس إلا كالعنكبوت، يا لها من فرصة ونشيد قلبي يحن للنور بعد نير الديجور أين الجبروت والتماثيل واللافتات التي كان يكتب عليها: الأسد إلى الأبد لقد خر الباطل وتهاوى بعد أن فتك بأهل العلم والفكر واعتدى على ربات الخدود وجعل الناس عبيدا أمام توحشه السادي، وحين يبغي على الأحرار والحرائر والضعاف ذوو الطغيان يصبح العيش مستحيل الوجود.
وأنى للوجود أن يكون وبيوت الله تدنس والمصاحف تمزق وتحرق ويبال عليها، إن الوطن جنة الدنيا مع الكرامة وهو جهنم الدنيا بلا حرية وكرامة، لا شك أنه شعر بالاكتئاب أثناء سجوده من مشهد الماضي الأليم ولكنه مسحه بالأمل والرجاء والتفاؤل حين وجد نفسه داخل وطنه الحقيقي وحياه أفراد الجيش الحر بكل ترحاب فلله درهم ما أعظمهم وما أنبلهم! إن الفرق شاسع جدا بين ما كان الناس فيه وما آلو إليه وهذا أمر الله في عباده، وحين التقى بالمجاهدين في كل ساحة وحي وزقاق وهم يتوشحون أسلحتهم ويستمعون إليه وهو أحق أن يستمع إليهم أدرك أن هذا الشعب قوي وصامد وعزيز وخالد فوهبوه بعض ما لديهم فرقى في سماء العز ونشوة النصر، إن كل حواجز النظام الأسدي في ريف حلب قد دمرت ورحلت إلى غير رجعة وهاهي المدن والمناطق والنواحي تزغرد بنشيد الدم الذي طهر الأرض من المفسدين، لقد رأى خرابا واسعا ولكنه رأى النفوس عامرة واثقة بالنصر ولما دخل حلب الشهباء ما كان يتصور أن هذه المدينة الاقتصادية الكبرى برصانتها، ورونقها ستصبح أشبه بمدينة أشباح وهكذا يفعل الحقد فعله بعدما ظن أنها تؤازر الظلم ولكنه قلب كفيه وعرف حقيقة ظنه، وفي الجانب المقابل رأى صديق المجاهدين كيف هم يعيشون وكيف غلبت لذة تحرير العديد من الأحياء على المصاب بالأرواح والممتلكات جراء قصف الطيران العشوائي، وهو لن ينسى أثره حين سلط على مشفى البيان في حي الشعار وجيء بالجرحى ذوي المشاهد المؤلمة حقا إذ سقط برميل البارود على العمارة المجاورة وكان ما كان وشاء الله أن يعين الأخ إخوانه الجرحى بالدواء المفقود وأن ينصرف ظانا أن الأمر قد انقضى فإذا بالأخبار تسرع بعد أيام إلى أن المشفى قصف وقصف بجنون حتى أصبح الذين هم فيه من أطباء وجرحى أثرا بعد عين.
إن كل جولة في أحياء حلب المحررة تزيدك إيمانا وإصرارا على الثبات لاسيما ما رآه من الآليات والدبابات والمدرعات المدمرة والأخرى التي غنمها الجيش الحر وما رأى من اندحار جنود الظلام الذين رضي بعضهم أن يكون بشار لهم ربا، ومما أكرمه الله به من المشاهد أن رأى أسرى المقاتلين والشبيحة المجرمين في سجون الجيش الحر، وأن يكون أحد العقداء منهم يتوسل بذله حتى كاد يقبل الأقدام للتوسط بإطلاق سراحه ناسيا ما فعله بالأحرار وأن يعترف الشبيحة بما جنوه من قتل وحرق واعتداء فعلي على النساء والشيوخ والأطفال، فهل ستعود حلب وريفها إلى ما نرجوه بعد الحسم والنصر على الظالمين، لا ريب أن وعد الله لن يتخلف وأن الأحرار بإيمانهم وسواعدهم سيحققون ذلك قريبا بعون الله، وماذا يقول صديق المجاهدين وقد نقلته الأقدار إلى ريف إدلب وشارك في تشييع الشهيد هناك بعد قصف قلعة حارم حيث اشتد الأمر بعد ذلك وقتل أكثر من عشرين شهيدا لقد شم رائحة المسك فقبل فرحا وقبل العديد من شباب القرية ذلك الجسد الطاهر وعاهدوا الله أن يسيروا على نهجه وعبثا يظن الظالمون أنه إذا تفاقم قمعهم فإن الثورة ستخمد ويقضى على العصابات المسلحة كما يدعون لكنهم عرفوا كم ازدادت هيجانا وتطورا بدماء الشهداء، ماذا عساه أن يقول ويكفيه أنه أيقن بعد الذي رأى بعينه وقلبه أن هذه الثورة هي من صنع الله وأنه لن يقهرها أحد لا المجرم بشار وزبانيته ولا من يدعمونه ويشتركون في قتل وتشريد أبناء شعبنا كما أنه مهما أرادت الصهيونية أن تحقق حلمها لإبقاء الجزار ونظامه فإن الحق غالب وإن جنوده المؤمنين منتصرون لقد قالها صديق الثوار بكل فخر وعز ويقين الحمد لله الذي دفعني إلى حلبة الميدان فعرفت ما لم أكن أعرف وزال القلق والاضطراب فالثورة ماضية حتى إسقاط المجرمين خصوصا بعد الانتصارات التي أحرزها المجاهدون في كلية المشاة وغيرها في حلب وكذلك الكتائب والأفواج والمطارات الأسدية حول دمشق والصراع في داخلها، فلننزل إلى الميدان قدر استطاعتنا فإنه من ذاق عرف.
معرض الكتاب.. الاستثنائي
كل عام يختلف بشكل متغاير وبثوب جديد، ليصبح جاذبا لكل الفئات والأعمار والتخصصات، معرض استثنائي من السعة والتنظيم... اقرأ المزيد
48
| 23 مايو 2026
الدوحة تقرأ
شهدت النسخة الأخيرة من معرض الدوحة الدولي للكتاب حضوراً ثقافياً لافتاً، مؤكدةً مكانة دولة قطر بوصفها حاضنةً للفكر... اقرأ المزيد
57
| 23 مايو 2026
يوم عرفة... هوية جامعة عابرة للحدود
منذ بزوغ شمس رسالة الإسلام، ظهرت رسالته العالمية التي لا تحصر المنهج في جنس أو قومية أو أرض... اقرأ المزيد
45
| 23 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1437
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1269
| 19 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1041
| 21 مايو 2026