رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الساعة الخامسة صباحاً يرن جرس المنبه ليُحدث في عقلي اهتزازاً مزعجاً، أستيقظ من النوم لأتخلص من بقايا أحلامي البالية، فتتشبث بي وسادتي لتمنعني من الرحيل، أتصارع معها بعينين شبه مغلقتين وحاجبين غاضبين فأطرحها صريعة، تتناثر على خريطة ملامحي مياه صالحة للشرب بها نسبة أملاح لا يُستهان بها، لأعيد الكرّة مرّات عدة حتى أستفيق من غفلتي الناعسة، ثم ألتقط لوجهي انعكاساً بمرآتي، من أنا؟ ما اسمي هذا اليوم؟ لا أعرف ، أنا مجرد كائن بشري يسير على الأرض بطريقة عكسية.
انتهيت من المرآة و دوران شريط تنبؤاتي أمام ناظري وردود أفعالي المتوقعة لهذا اليوم، أدخل إلى المطبخ، ثم أتناول رغيفاً ساخناً، وأحتسي فنجاناً من القهوة، حتى لا يتبقى به سوى مقبضه فأدّخر التهامه إلى اليوم الذي يليه، ثم أسير على الهواء هرولةً، وأهرول زحفاً حتى أكون في منتصف وقتي، أمتلك عقارب وأرقاماً، أقلاماً وحروفاً، غيوماً وأمطاراً، رعداً وبرقاً، ولكنني لا أملك أنهاراً.
كنت في هذا اليوم أرى ما لا يراه أحد، لا ألمح سوى ظلي الوحيد، شمس باردة أشعر بها وقد اخترقت أشعتها زجاج الصالة ذات اللون السكرّي، رائحة العود الكمبودي تضوع في أرجاء منزلي وتتصاعد في الفراغ، راديو والدتي الجلدي مُعلّق على الحائط المتوّجع من انغراس المسمار به، تتراقص الستارة المخشوشنة بفعل نسمات الهواء ذات البرودة القارسة ملوم ذيلها المنسدل متحركاً بإغواء على أغنية محمد عبده ...
" تذكٌر .. صوتك يناديني ...
تذكر ... تذكر ...
تذكر الحلم الصَغير ...
وجدار من طين وحصير ...
وقمَرا ورا الليل الضرير ...
على الغَدير ...
لاهَبٌت النسمَة تكسر ... "
يا لهذا الصباح الغريب، أبحث عن صدى لصوتي، لا يسير معي إلا ظلي، ويختبئ خلف ظهري الصمت وتجمدّني لسعات البرد، ربما هذا الصباح لي لا يعيش به أحد سواي وصديقي الظل الذي غالباً ما أشعر بانكساره فأقسو عليه، ثم أمارس معه تناقضاتي فأحزن عليه كثيراً، تارةً أنعته بأنه عدوي الجميل وتارةً أخرى بصديقي العطوف، وهو يراني بعينين ماكرتين وابتسامة يعلوها حزن.
خرجت من باب منزلي حتى داهمتني رائحة المطر، وتلقيت صفعة من ذلك الهواء البارد، فوضعت فوق رأسي شوارع وبشراً ومنازل وأفكاراً ترافقني، وأنا أمتطي سيارتي وأشتم خليطا من رائحة المحرّكات وبقايا المطر، نظرت إلى ساعتي وهي تشير إلى السادسة والنصف صباحاً، شعرت بشوق إلى كوب آخر من القهوة ليعيدني إلى صوابي، فلا يزال الوقت مبكرّاً.
ذهبت إلى أحد المقاهي التي تطل على بحر كورنيش الدوحة، جميع من في المقهى هم أنا وظلي وطاولة لم يرتكن عليها سوى رجل واحد، وأما بقية الطاولات فإنها تفتقد البشر في هذا الصباح اليتيم، سحبت كوبي الممتلئ بالقهوة واندفعت إلى خارج المقهى وقد اكتظت السماء بغيوم رمادية وهطل المطر من جديد.
اقتربت من مكان عملي، وقد اختلفت أشكال قطرات الغيث وكأنما قناديل تضحك وتنزل إلى مبنى الوزارة، مظلاّت تهبط وبها بشر أعينهم لامعة، وكانت تحفهم السيمفونية التاسعة لبيتهوفن يتمايلون على لحنها وهم يتهافتون أمام الباب، أدلفت من باب سيارتي وبيدي قهوتي وعيني متسمرّة على " برشوتات " تهبط في كل مكان، يحيطون بالوزارة ويطوقونها ويركضون على سطحها، تعلوها بعض الأدخنة ومدفعيات تكسر السور، دخلت لأبحث عن إجابة فوجدت علامات الاستفهام تتساقط على رأسي، هؤلاء اقتحموا وزارتي! حطموا أبواب المكاتب فرحين، سرقوا أقلامي وأحرقوا أوراقي، اعتقلوا طموحي وطموح من هم حولي.
لم أعرفهم جيداً، من هؤلاء؟ صوت لراديو آخر في أحد الممرات يتناقل خبر ذلك الاحتلال وصوت المذيع يصدح بالمكان، تتخلل أخباره بعض الفواصل لأغانٍ وطنية وأشعار حماسية، ولازلت لم أفهم ما الذي يحدث حولي، إلا بعد أن أُطلقت رصاصة في رأس طموحي من أسلحة جنود الاحتلال، وانتثرت أشلاء القهوة وأنا أنتظر دوري ليتم انتشال جثة آمالي وجثث الموظفين الشهداء، لم أكن أعلم إلا بعد وفاة طموحي بأن وزارتي قد أاحتلت من قبل مسؤولين جدد لم يولدوا يوماً في وزارتي، لم أكن أعلم أن سعادته يعشق رائحة الغربان! لم أكن أرغب مشاهدة هؤلاء الأغراب وهم يأمرون وينهون وأبناء ذلك المكان ما بين نفي وتهميش واعتقال، لم أكن أعلم ذلك إلا بعد حين وقفت عند باب أحدهم، لم يُفتح الباب لي إلى الآن، فاكتفيت بإخراج الناجين من تحت الأنقاض، فأؤازرهم وأذرف دمعاً بذرف دموعهم، ولا تزال "البرشوتات" تهبط، ولا زلنا نُضطهد! وسعادته " مستأنس ... الله يديم عليه الوناسة ويا فرحتي فيه".
نهاية المعركة:
عدت إلى المنزل وأنا عبارة عن مكعبّات صغيرة مُتفرقة، لم أجد من يلم أجزائي، وبهدوء مستميت أخرجت بعض الشظايا من قلبي الذي تحول إلى مُكعب متوقد، فأطفأته بعضاً من شذرات دموعي التائهة، ثم وجدتني وحيدة، أغلقت كل المنافذ التي رمتني بشرر، جلسنا معاً أنا ومكعباتي في أحد أركان غرفتي دونما ظلي الذي استشهد هناك، دقيقة صمت على روحه الطاهرة، ثم استمعنا إلى آخر الأغنية:
" ريانَة العُود ... نادي ...
نادي الليَالي تعُود ..
بشوق الهَوى ... بوعُود ...
بوجهي اللي ضيعته زَمَان ...
في عُيُونك السٌود ...
يا الضحكة العَذبة ...
عَنك الصٌبر ... كِذبه ...
وفيك العُمر موعود"...
تحدي الزاوية
اعتدت منذ فترة أن أكتب النصوص القصيرة التي تعبّر عن لحظة ما قد لا تكون حقيقية، حينما يشتد... اقرأ المزيد
925
| 14 فبراير 2016
الجلوس على حافة التعب!
أتعبني التبرير …أتعبني أن أجلس خلف قناع باسم، أتعبني النظر في ملامح البشر، فانعكست عليّ شراً!أرهقني الحزن، أرهقني... اقرأ المزيد
1890
| 17 يناير 2016
فزّاعة العصافير
لا أعتقد أن هناك أسوأ من رذيلة الغرور، الحصول على شهادات عليا تزيد الإنسان تواضعاً هذا بالنسبة للشخص... اقرأ المزيد
1444
| 27 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10386
| 06 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
8337
| 03 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3216
| 10 سبتمبر 2026