رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يصح لقادة الرأي أن يكون لسان حالهم "معاهم معاهم عليهم عليهم"
لا أحد يعتب على النظام الليبي الذي يقتل شعبه فلم يكن المتوقع منه أحسن من هذا وهو لم يخف يوما أنه نظام بين الجاهل والمغرور والمطوح في الخيال كما أنه بخصوص القضية الفلسطينية لم يزعم يوما أنه سيقاتل " إسرائيل " فضلا عن أن يقوم بذلك فعليا.. ولا أحد يعتب على النظام اليمني الذي لا يسمع شعبه ولا يأبه بتعطل البلد فهو أصلا لم يعش يوما أو يحدث نفسه أن يعيش في الحاضر وبالنسبة لفلسطين فبينه وبينها قفار وفيافي وآلاف الأميال فضلا عن عدم مصداقيته في شيء يقوله أبدا.. لكن الذي يؤسف له وكان يعول عليه هو النظام في سوريا لمكانه من فلسطين ومكانته من المقاومة والذي طالما ردد شعارات القومية والثورية والعروبية.. هذا النظام نعرفه ونعرف ما فعل في حماة وفي تدمر وفي لبنان وتل الزعتر ونعلم ما فعل مع الأكراد لكن.. كان الظن أن العهد الجديد سيكون مختلفا وأن بشار ينتمي لجيل الثورة المعرفية والتكنولوجية وأنه يقيم معادلاته على أساس التطوير والتغيير وعندما رأيناه يناصر الشعب الفلسطيني وقع في روعنا أنه لشعبه أكثر محبة ونصرة واحتراما وربما خطر لنا أنه سيعتذر يوما لحماة وقد رأينا بوادر تسامحه مع الإسلاميين.. هي مواقف لا شك مشكورة غير منكورة ولا مكفورة.. وازداد احترامنا له وارتفعت لدينا مكانته لما رأيناه مناقضا ومناكفا للمعسكر الصهيوعربي الذي كان مع العدو يهدم لبنان ويحاصر غزة ويتآمر على الثوابت ويجري في التطبيع والتعاون الاستخباري ويقاطع المقاومة.. لكن..
ما يؤسف له أن هذا النظام راح اليوم يكرر ما فعل هو ذاته في الثمانينيات بل يزيد عليه في دلالة على الرجعية الفكرية والسياسية والحزبية التي تذكرنا بقول من قال (ومن يشابه أبه فما ظلم) وهو اليوم يقتل شعبه في قسوة ولامبالاة غير مسبوقة وهو يكذب على العالم كذبا ساذجا سخيفا لتبرير ما يفعل، أما الأكثر عجبا فهو أن من الكتاب والمثقفين والعروبيين من لا يزال مخدوعا بدعاواه تلك ويبدي استعدادا لتصديق أية مقولة أو رواية يخترعها أو يروجها.. ذلك يلقي ظلال الشك على كل مواقفهم قبل وبعد الآن.. ولست أدري أية قومية أو وطنية أو ثورية تبقى لنظام لا يحترم دماء وكرامة شعبة وأهله وناسه وقديما قالوا (اللي ما فيه خير لأهله ما فيه خير لجيرانه) وأية قومية من دون الوطنية كأساس لها، وأية ثورية من دون احترام معاني الكرامة الإنسانية ورفض الظلم.. هذا كله لم يعد موضع ثقة ولم يعد تقبل فيه دعاوى النظام السوري.. لذلك أجد من الضروري أن أذكر بجملة حقائق أخاطب بها أولا الرأي العام، وثانيا من يوجهونه ويؤثرون فيه من كتاب ومفكرين لا يزالون يدافعون عن جرائم النظام ويظنون أنهم بذلك يفككون مؤامرة على سوريا والحقيقة أنها فقط في عقلهم وخيالهم.. وأقول:
1- إن ذات الأخلاق وذات الإسلام وذات القيم الوطنية التي فرضت مناصرة الشعب الفلسطيني هي ذاتها نفس الأخلاق ونفس الإسلام ونفس القيم التي تفرض اليوم الوقوف مع الشعب السوري والليبي واليمني وأي شعب ينكل به نظامه..
2- إن إهانة أي شعب هي إهانة لكل الشعوب ولكل القيم والأخلاق المحترمة سواء كان المعتدي حاكما عربيا أم كان احتلالا خارجيا أجنبيا.
3- لا يجوز ولا يقبل من أي حاكم مهما علت رتبته أو دعواه في الوطنية والقومية وفي مواجهة الصهيونية أن يبني رصيدا من ذلك أو أن يستغل رصيده في ذلك لظلم شعبه وقهره ونهبه واتخاذ بلده مزرعة أو إقطاعية له ولورثته وخاصته وطائفته وشبيحته.
4- على كل شريف - مثقف وكاتب ومفكر وإعلامي وسياسي وإسلامي وغير إسلامي - أن يقف مدافعا عن دماء شعوبنا في وجه النظم المستبدة ليكون منسجما مع عقيدته ودينه وأخلاقه ووطنيته.. فكل شعوبنا سواء في عصمة الدم والكرامة والتمتع بالحرية والأمن..
5- من يدافعون عن هذه النظم ومهما كانت الخلفية الثقافية أو الحزبية التي ينطلقون منها أو يريدون الوصول إليها إنما هم أحد اثنين ؛ إما لهم ارتباطات مشبوهة مع هذه النظم ويظنون أنها باقية ولا يلتفتون للانهيارات الكبيرة في الشرعية والردع التي تعاني منها، أو أنهم مغفلون لا يزالون تنطلي عليهم مقولات النظم التي يتبنون الدفاع عنها.. وفي الحالتين لا ينبغي الانخداع بكلماتهم وتعبيراتهم المركبة على لغة أخلاقية وصياغات تتقمص الوطنية والثورية.. أقول:
نعم رأينا العدو الصهيوني يقتل الفلسطينيين ويقصفهم ولسنا نقلل من حجم ولا من خطورة ذلك.. لكننا – للأسف – رأينا في سوريا وليبيا تحديدا أفظع من ذلك.. رأينا قتلا لا كالقتل لا من حيث العدد ولا من حيث الطريقة والتشويه والإهانة ولا من حيث تواصل سفك الدماء! ورأينا شبيحة العدو (المستوطنين والمستعربين) يحرقون المساجد والمصاحف والمزارع إلى غير ذلك مما يعلمه كل أحد لكننا للأسف رأينا في سوريا وفي ليبيا شبيحة النظام وميليشياته وثواره يقومون وبشكل رسمي ومنهجي ومكشوف ومطرد بمهاجمة عموم الناس وبيوتهم ومتاجرهم وشوارعهم وسياراتهم ومساجدهم ومصاحفهم ومشاعرهم الدينية وأعراضهم وتواترت الروايات عن أنهم يبثون عبر مكبرات المساجد الأغاني بدل الأذان.. نعم رأينا مثقفي العدو الصهيوني يناقشون ويحاورون عبر الفضائيات وسمعنا تهجماتهم على محاوريهم وقذاراتهم وقلنا إنهم أساءوا الأدب مع الله أفلا يسيئونه مع الناس.. لكننا رأينا في الفضائيات السورية والليبية من يتهم المعارضة بالفاحشة والشذوذ وينزل في تعبيراته إلى مستوى السوقية القذرة دون مراعاة لمعايير الذوق الأولية.. ورأينا العدو يعتقل الفلسطينيين ويعذبهم جسميا ونفسيا ويحرمهم من أبسط حقوقهم الإنسانية والقانونية ويوجد اليوم في سجونه خمسة آلاف وخمسمائة معتقل وثمة مفقودون آخرون ومعتقلون من دون تهم محددة فيما يطلق عليه (الاعتقال الإداري).. لكننا لم نر كما في سوريا عشرات آلاف المعتقلين وعشرات آلاف المفقودين ولم نره يمنع المنظمات الخدمية والحقوقية والرقابية الدولية والمحلية والمحامين من الاطلاع عليهم ومقابلتهم ولم نره يقلع أظافر المعتقلين أو يقتلهم ويشوه أجسادهم أو يدوسهم بالدبابات.. وعلى ذكر الدبابات رأينا الأطفال الفلسطينيين يمتطون دبابات العدو ؛ في حين أن الدبابات السورية وهي الأقل كفاءة وجدناها تسرح وتمرح في ميادين حمص وحماة وشوارع درعا وأحياء دير الزور والقامشلي دون أن يكون أحد حولها سوى من يسمون بالشبيحة المسلحين بالمسدسات والعصي والمدى.. ومن المضحكات المبكيات أن شريط الأنباء في إحدى فضائيات النظام السوري يبكي جريحا فلسطينيا في غزة في الوقت الذي تتناقل الأنباء أن جيشهم المظفر يقصف مخيم الرملة الفلسطيني قرب اللاذقية ويقتل العشرات ويهجر الآلاف من سكانه!!
المدافعون عن النظام يرددون وربما عن انخداع مقولتين يكررهما ويدور حولهما (كما يدور الحمار في الرحى) ؛ الأولى: أن المظاهرات مؤامرة خارجية وربما قال صهيونية، والثانية: أن في المتظاهرين مندسين ومسلحين لا بد من مواجهتهم أمنيا.. وأرى أن ألفت هؤلاء بشيء من التوعية والتثقيف.. وأسأل: إذا كان الأعداء الخارجيون - حسب نظرية المؤامرة - يستطيعون إخراج كل هذه المئات الألوف ليتعرضوا للقتل وليكرروا ذات التضحية كل يوم وكل أسبوع وفي كل مدينة وقرية وضيعة ؛ فأين التربية الوطنية، وأين التحصين المعنوي، وأين الوعي العام الذي يتربى عليه الناس منذ عشرات السنين؟ وإذا كان النظام عاجزا عن إقناع هؤلاء ومن وراءهم الملايين بنفسه وبوطنيته وأحقيته مع أنهم ولدوا وترعرعوا في ظله فأي نظام هو هذا النظام؟ وبخصوص المندسين والمسلحين أسأل: هل اعترف أحد من المعتبرين في المعارضة بأنه مارس أو دعا للمواجهة المسلحة؟ وهل رأى أحد أحدا منهم مسلحا داخل المظاهرات؟ أو هل استطاعت كاميرا الحكومة تصويره وهو يطلق النار على قوات الجيش وأنصار الجيش؟ أم أن أقصى ما قدمت لنا وسائل إعلام النظام أنها أتت ببعض النكرات من الناس ليقولوا ما يدعم الرواية الرسمية وعلى طريقة التسميع لطلاب الابتدائية؟ وأسأل أيضا: هل طريقة وحراك الجيش وشبيحته في مواجهة المظاهرات والمسيرات من حيث الشكل والجري في الشوارع هو حراك من يواجه سلاحا يتحرز عنه ويتدارأ منه ؛ أم – وكما رأيناهم - يتنقلون في أريحية وطمأنينة لا تناسب إلا الآمن المطمئن؟ أيضا: لماذا لا تقع تفجيرات أو اعتداءات على المسيرات المؤيدة للنظام التي هي الأولى بالاعتداء لو صح أن المعارضين مسلحون وغير سلميين؟ ثم لماذا لا تتحول ساحات وشوارع دمشق (لا قدر الله) إلى مثل الاثنتي عشرة مدينة في الست محافظات عراقية التي طاولتها انفجارات الاثنين الماضي وقتلت سبعين وجرحت مائة؟ وأخيرا: إذا كان التسلح هو خط المعارضة فلماذا لا تعترف به؟ ولماذا لا تعلن ذلك على الملأ وتطلب الدعوم على أساسه؟ فما قيمة عمليات مسلحة لا تندرج في برنامج سياسي ولا تستثمر فيه؟ اللهم إلا إذا كانت المعارضة معنية بأن تتهم بالتخريب والعبث!! وهذه في الحقيقة غاية وهو المعني بها!!
آخر القول: لا يصح ولا يجوز لقادة الرأي والفكر من الكتاب والمثقفين أن يكون لسان حالهم (معاهم معاهم عليهم عليهم)، ولا أن يجمدوا على موقفهم الداعم للنظام السوري أو الليبي أو اليمني بعد الذي رأوه منهم، ولم يعد مقبولا أن يدعي أحدهم نصرة الشعب الفلسطيني بعد اليوم في حين لا يغار على كرامة ودماء وحرية شعبه أو أي شعب آخر.. فكل الشعوب في عصمة الدم والعرض والمال وفي الأمن والكرامة والحرية سواء بسواء..
من دخل مدخلا خاطئا يخرج منه
نلتقي أحيانا ببقية ممن لا يزالون يعيشون الخيال الذي رسمه لهم السيسي ، ويؤيدونه على غير وعي بما... اقرأ المزيد
664
| 12 يناير 2017
صديقي أقال أحسن موظفيه !
صديقي أقال أحد الموظفين لديه من العمل .. فجاءني الموظف يستشفع بي لدى صديقي كي يعيده للعمل فالموظف... اقرأ المزيد
967
| 05 يناير 2017
سحب الانقلاب المصري مشروع القرار .. خزي يستحقه !
بعد أن سحبت مصر – الانقلاب - مشروع قرار قدمته إلى مجلس الأمن الدولي لإدانة الاستيطان الصهيوني في... اقرأ المزيد
603
| 29 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8928
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4848
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4155
| 23 سبتمبر 2026