رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أحمد الشيخ عبدالله الفضالة

- كاتب من مملكة البحرين

مساحة إعلانية

مقالات

123

أحمد الشيخ عبدالله الفضالة

السيرة النبوية بين ثبات المبادئ ومرونة الوسائل

18 أغسطس 2026 , 11:18م

تتجه القلوب إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم العطرة، وتتجدد مشاعر المحبة والاعتزاز برسول الله الذي حمل رسالة غيّرت وجه التاريخ، وأعادت للإنسان مكانته، وأخرجت مجتمعًا من ظلمات الجاهلية إلى آفاق الإيمان والعلم والأخلاق والحضارة.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه علينا ماذا يمكن أن نتعلم اليوم من محمد صلى الله عليه وسلم؟

فالسيرة النبوية ليست مجرد سجل لأحداث وقعت قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، وإنما هي تجربة إنسانية وحضارية متكاملة، يمكن من خلالها فهم الكثير من السنن التي تحكم بناء الإنسان والمجتمع، وإدارة التحولات، والتعامل مع الأزمات، وصناعة المستقبل.

وهنا تكمن أهمية أن نقرأ السيرة بعيون الحاضر، لا لكي نعيد الماضي، وإنما لكي نستخلص منه ما يعيننا على فهم حاضرنا وبناء مستقبلنا.

لم يبدأ المشروع النبوي ببناء المؤسسات أو امتلاك أدوات القوة، وإنما بدأ ببناء الإنسان.

كان بناء الإيمان، والوعي، والأخلاق، والمسؤولية، هو الأساس الذي قامت عليه بقية المراحل. فالإنسان الذي يعرف غايته، ويدرك مسؤوليته، ويضبط سلوكه بالقيم، هو القادر على بناء الأسرة والمجتمع والمؤسسة والدولة.

وهذه واحدة من أهم الرسائل التي تحتاجها مجتمعاتنا اليوم؛ إذ إن التنمية الحقيقية لا تقاس بما تمتلكه المجتمعات من موارد ومؤسسات فحسب، وإنما بقدرتها على بناء الإنسان الذي يحسن استخدام تلك الموارد، ويحافظ على مؤسساته، ويقدم المصلحة العامة، ويشارك في صناعة المستقبل.

لقد جاءت الرسالة المحمدية بمنظومة متكاملة من القيم: الصدق، والأمانة، والعدل، والرحمة، والتكافل، والشورى، وحفظ الحقوق، والإحسان إلى الناس.

ولم تبقَ هذه القيم مجرد مبادئ نظرية، بل تحولت في التجربة النبوية إلى سلوك وممارسات وعلاقات اجتماعية، ثم إلى أسس لبناء مجتمع جديد.

وهنا درس بالغ الأهمية: لا قيمة للمبادئ إذا بقيت حبيسة الخطاب؛ فقوة القيم تظهر حين تتحول إلى سلوك وثقافة ومؤسسات.

فحين يصبح الصدق ثقافة، والأمانة ممارسة، والعدل قاعدة، والتعاون أسلوبًا للعمل، يصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة أزماته وأكثر ثقة بمستقبله.

ومن أبرز ما تكشفه السيرة النبوية قدرتها على الجمع بين ثبات المبادئ ومرونة الوسائل.

فالأهداف الكبرى لا تتغير بتغير الظروف، لكن طرق الوصول إليها يمكن أن تتنوع وفقًا للواقع والإمكانات وطبيعة المرحلة. وهذه قاعدة شديدة الأهمية في عالمنا المعاصر، حيث تتغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتقنية بوتيرة متسارعة.

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الثبات على مبادئ الرسالة، وفي الوقت نفسه شديد الوعي بواقعه، يعرف متى يبادر، ومتى يصبر، ومتى يتفاوض، ومتى يغيّر الوسيلة، دون أن يفقد البوصلة أو يتنازل عن جوهر الرسالة.

وهذه ليست مجرد مهارة في إدارة الأحداث، وإنما درس في الحكمة الاستراتيجية: أن تعرف ماذا تريد، وأن تفهم الواقع كما هو، وأن تختار الوسيلة المناسبة للوصول إلى الهدف.

الوحدة وإدارة الاختلاف

ومن الدروس التي تزداد أهميتها في زماننا أن بناء المجتمع لا يعني إلغاء الاختلاف، وإنما حسن إدارته.

فالمجتمعات بطبيعتها متنوعة في أفكارها وتجاربها ومصالحها، لكن الخطر يبدأ حين يتحول الاختلاف إلى خصومة، والخصومة إلى انقسام، والانقسام إلى فقدان للثقة.

وقد أسس النبي صلى الله عليه وسلم مجتمعًا استطاع أن يجمع بين مكونات متعددة حول منظومة مشتركة من القيم والمسؤوليات، وهو درس مهم في عالمنا العربي والإسلامي الذي يحتاج إلى تعزيز ثقافة الحوار والتعاون، وتقديم المشتركات، وتغليب المصلحة العامة.

إن الوحدة الحقيقية ليست أن نتطابق في كل شيء، وإنما أن نختلف دون أن نتفرق، وأن نحافظ على ما يجمعنا، وأن نجعل التنوع مصدر قوة لا سببًا للصراع.

إن القراءة المعاصرة للسيرة النبوية تضع أمامنا حقيقة مهمة: الأمم لا تبني مستقبلها بالتمني، وإنما بالوعي والعمل والصبر وحسن الإعداد.

لقد مرت الدعوة النبوية بمراحل متعددة، ولم تكن النتائج وليدة لحظة واحدة، وإنما جاءت ثمرة تراكم طويل من التربية، والتخطيط، والعمل، والصبر، وبناء الإنسان والمجتمع.

وهذا ما نحتاج إلى استعادته اليوم؛ أن ننتقل من ردود الأفعال إلى المبادرة، ومن التمني إلى التخطيط، ومن الشعارات إلى العمل، ومن التركيز على الأزمات إلى بناء القدرة على تجاوزها.

فالمستقبل لا ينتظر من يصنعه، وإنما تكتبه المجتمعات التي تمتلك رؤية واضحة، وإنسانًا قادرًا، ومؤسسات فاعلة، وقيمًا تحمي مسيرتها.

ماذا بقي من أخلاقه في سلوكنا؟ ماذا أخذنا من رحمته؟ ماذا تعلمنا من عدله وحكمته؟ وكيف يمكن أن نجعل سيرته مصدر إلهام في حياتنا وأعمالنا ومجتمعاتنا؟

فمحبة النبي صلى الله عليه وسلم ليست مجرد مشاعر، وإنما اقتداء. والاقتداء ليس كلمات، وإنما سلوك وعمل وأثر. ولهذا فإن أجمل ما يمكن أن نستعيده هو أن نجعل من سيرته منهجًا في بناء الإنسان، ودليلًا في إدارة الاختلاف، ومدرسة في العمل والإصلاح، ومصدرًا للأمل والثقة بالمستقبل.

فمحمد صلى الله عليه وسلم لم يكن مجرد ذكرى في تاريخ أمة، وإنما صاحب رسالة ما زالت قيمها قادرة على مخاطبة الإنسان في كل زمان.

ولعل السؤال الأهم هو كيف نجعل من النور الذي جاء به حاضرًا في حياتنا، ومن سيرته طريقًا نبني به إنسانًا أفضل، ومجتمعًا أكثر تماسكًا، ومستقبلًا أكثر إشراقًا؟ وأن ننتقل من تذكر متى كان الميلاد إلى استعادة الرسالة، ومن محبة السيرة إلى الاقتداء بها، ومن الاحتفاء بالماضي إلى صناعة المستقبل.

مساحة إعلانية