رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الأشهر التي مضت من عمر الثورة المصرية سمحت لنا بأن نتفرس في وجوهنا كما تبدت في مرآة الحقيقة، الأمر الذي كشف عن أننا جميعا خرجنا مشوهين من رحم النظام السابق.
(1)
الفكرة المفتاح فيما أتحدث عنه أننا جميعا أبناء بيئة اجتماعية وسياسية واحدة، وإن اختلفت مشاربنا ومرجعياتنا الفكرية والسياسية. وهذه البيئة خضعت طوال الثلاثة أو الأربعة عقود الأخيرة لنظام اقترن فيه الاستبداد المقيم بالفساد المستشري. وللاستبداد طبائعه المدمرة. فهو مؤذن بفساد العمران. بمعنى الاجتماع البشري، عند ابن خلدون. وهو أصل كل فساد آخر عند عبدالرحمن الكواكبي، وقد فصَّل في ذلك في كتابه الشهير الذي تحدث عن تلك الطبائع. ونوه في مقدمته إلى أهمية أن «يعرف الذين قضوا نحبهم أنهم هم المتسببون لما حل بهم، فلا يعقبون على الأغيار ولا على الأقدار».
ليس منا إذن من نجا من التأثر بأجواء المرحلة السابقة. وليس بوسع أي أحد أن يدعي أنه كان معصوما من أصدائها. بالتالي فلا محل للتساؤل عن وجود ذلك الفساد من عدمه، ولكن السؤال قد يصح إذا ما انصب على درجة التأثر بتلك الأجواء. وهو ما يسوغ لي أن أقول إننا جميعا ــ أفرادا وجماعات ــ خرجنا من النظام السابق بيوتنا من زجاج، قد تختلف فيه درجة الهشاشة ولكنه يظل زجاجا في نهاية المطاف.
بوجه أخص، فإن طول عمر النظام السابق، الذي استمر ثلاثين عاما، وفر له فسحة كافية لتفكيك المجتمع وإعادة تركيبه من جديد بالمواصفات التي ارتآها مناسبة له. رأينا ذلك بصورة جلية في مؤسسات السلطة وجهازها الإداري، كما رأيناه في الكيانات السياسية التي ظهرت في تلك الفترة، بل رأيناه أيضا في تراجع منظومة القيم السائدة في المجتمع.
(2)
إن بعض أنصار النظام السابق وأبواقه ما برحوا يتحدثون عن الأسواق الكبيرة (المولات) التي ظهرت في عهده والمنتجعات والجسور التي أنشئت، وشبكة المترو التي امتدت وأعداد المشاركين في الإنترنت ومشتري الهواتف النقالة وغير ذلك. وهذا قد يكون صحيحا، إلا أنه يظل منسوبا إلى محيط العمران الإنشائي إذا صح التعبير، لكنه أبعد ما يكون عن العمران الاجتماعي والبشري. بكلام آخر فإن البنايات والمشروعات التي نفذت لا تعد دليلا كافيا على التقدم، وإنما هي بعض مظاهر التقدم الذي ينبغي ألا يقاس بالمشروعات الاستهلاكية والإنشائية وحدها، ولكنه يقاس أساسا بمدى إيجابية منظومة القيم الحاكمة للمجتمع في المجالات المختلفة.
إن ما تتحدث عنه هذه الأيام وسائل الإعلام وما تلوكه ألسنة الطبقة السياسية المصرية، عن الاستحواذ والإقصاء والتهميش وإهدار أحكام القضاء وسلطة القانون. هذه العناوين كلها ليست طارئة في فضائنا السياسي، ولكنها من مخلفات ومواريث النظام السابق. أو قل إنها جزء من ثقافة تلك المرحلة التي لم نتخلص منها بعد. في هذا الصدد أزعم أن الذين مكنوا من موقع في ظل النظام السابق مارسوا ذلك الذي ينتقدونه اليوم، إلا من رحم ربك بطبيعة الحال. لا أعني نظام مبارك وحزبه الوطني فحسب، ولكنني أعني أيضا مختلف الجماعات والقوى السياسية التي حالفها حظ التمكين، وقدر لها أن تدير منبرا أو جماعة أو منظمة في تلك المرحلة. أتحدث عن شرائح الليبراليين والعلمانيين واليساريين الذين كان أغلبهم إما مرضيا عنهم من قبل النظام السابق أو متحالفين معه. صحيح أن مبارك سلم مقاليد السياسة والإدارة لجماعته الذين شغلوا المواقع الأساسية في السلطة والحزب. إلا أنه سلم أبرز منابر الإعلام والثقافة لممثلي تلك الشرائح. وظل الاتفاق غير المكتوب بين الجانبين مستقرا على إقصاء الإسلاميين وتهميشهم حيثما وجدوا. عندي عشرات القصص التي تؤيد تلك المقولة، بعضها يتعلق بخبرات شخصية والبعض الآخر يخص آخرين أعرفهم، لكني لا أريد أن أذكر أسماء حتى لا أحرج أحدا. لذلك سأكتفي بالإشارة إلى ثلاثة نماذج فقط، فقد حرِّمت جوائز الدولة التقديرية على أي مرشح من الإسلاميين حتى إذا لم يكن من الإخوان. وتم ذلك طوال الوقت بتوافق بين مجموعة من المثقفين وبين جهاز أمن الدولة، وعبرَّ لي أعضاء في إحدى اللجان الاستشارية لمشروع ثقافي خليجي كان يختار كل عام شخصية عربية يمنحها جائزته عن استيائهم من موقف اثنين من المثقفين المصريين ــ أحدهما صار وزيرا فيما بعد ــ دأبا على الاعتراض على أي شخصية إسلامية ترشح للجائزة، خصوصا من بين المصريين ولم يكن هناك تفسير لذلك سوى أن الاثنين من العلمانيين الأصوليين، الذين أصبحوا الآن يعظوننا في ضرورة القبول بالآخر واحترامه.
النموذج الثاني يتعلق بقصة الدكتور نصر أبوزيد، الذي اعترضت حينها على فكرة محاكمته ولكن القضاء بمختلف مراتبه أدانه، بما في ذلك محكمتا الاستئناف والنقض. حينذاك انهالت مقالات وتصريحات تسفيه القضاء واتهامه بالتحيز لصالح الإسلاميين واختراقه من جانبهم. وهؤلاء الذين ظلوا يكيلون الاتهامات للقضاء وقتذاك وجدناهم يتصدون للدفاع عنه ويشددون على ضرورة احترام أحكامه، حين أصدرت المحكمة الدستورية مؤخرا حكمها الذي دعت فيه إلى حل مجلس الشعب ذي الأغلبية الإسلامية.
لاتزال تلك النخب تمارس إرهابها الفكري في ذات الاتجاه الأمر الذي دفع وزير الثقافة الحالي لأن يصرح لصحيفة (المصري اليوم) في حديث نشرته له في 7/9 الحالي قائلا إنه لم يستعن بإخواني واحد في أي موقع ثقافي. ويبدو أنه بذلك الإقصاء أراد أن يبرئ ساحته ويثبت أنه عند حسن ظن تلك الفئات به ليأمن من التشهير والاتهام في وسائل الإعلام التي يسيطرون عليها.
(3)
لا أريد أن أبرز الاستحواذ الذي يتحدثون عنه هذه الأيام وهو ما أدينه وأستنكره إذا صح. ولكني أردت فقط أن أنبه إلى أن ثمة أمراضا من مخلفات النظام السابق توطنت في الساحة الثقافية المصرية، فأصابت الجميع ولم يعد أحد مبرأ منها، وبسبب عموم البلوى، فليس لأحد أن يكابر ويعاير الآخر بما أصابه. ولكن واجب الوقت ونداءه هو كيف نعالج أنفسنا لنبرأ جميعا من تلك الآفات. وأولى مراحل العلاج أن يعترف المريض بمرضه.
إن قسمة البلدين إلى معسكرين الأول انخرطت فيه ما سمي بالقوى المدنية، والثاني شمل التيارات الإسلامية التي عرفت باسم القوى الدينية هو صياغة حديثة أضفت نوعا من التقنين للحرب الباردة التي ظلت مستمرة طوال الفترة الماضية. وما استجد فيها أن الطرف الإسلامي اكتسب شرعية وخروجا من الظل إلى الضوء والنور. وقد ذكرت من قبل أنها صياغة خطرة ومغلوطة كرست التقاطع بين الطرفين وأغلقت باب التلاقي أو حتى التوازي بينهما. الأمر الذي يعني أن الطرفين خرجا متخاصمين من خبرة النظام السابق. وبدت خصومة الطرف العلماني والليبرالي واليساري أشد. ليس فقط لأنه ظل تاريخيا منحازا إلى موقف الرفض الحاسم للإسلاميين، ولكن أيضا لأنه استشعر أن صعود الأخيرين يهدد احتكار الأولين للمواقع التي هيمنوا عليها طوال الوقت.
هذه المفاصلة بين الطرفين ظلت مصدرا للتشوهات التي أصابتهما معا. ذلك أن خصامهم لم يتح لهم أن يعملوا معا، فلم يعرفوا بعضهم بعضا ولم يثقوا في بعضهم بعضا. وبالتالي ظل سوء الظن مخيما على علاقاتهم. فقد ظن بعض الإسلاميين أن الآخرين متفلتون وضالون إن لم يكونوا كفارا ومطعونا في إسلامهم وهي معان كرسها وضعهم في موقف الضد من المتدينين. وشاع في أوساط الآخرين أن الإسلاميين جهلاء ومتخلفون ويتاجرون بالدين. وتنطع بعضهم حتى وصفوهم بالمتأسلمين. (لاحظ أن بعض رسامي الكاريكاتير لا يزالون يقدمون الإسلاميين باعتبارهم رموزا للتخلف والقبح والغباء وليس فيهم ما يدعو إلى التقدير أو الاحترام).
ذلك التوجس المتبادل المسكون بالنفور وعدم الثقة، كان كفيلا بتعطيل وإفساد أي عمل مشترك بين الطرفين، حتى بدا أن كلا منهما ليس مؤهلا للتعاون مع الآخر، الأمر الذي لم يكن مستغربا أن يفشل الطرفان في التفاعل فيما بينهما وأن تصبح كلمة التوافق عنوانا فارغ المضمون.
إذا أردنا أن نتصارح أكثر فينبغي أن نعترف بأننا بعد الثورة حاولنا أن نؤسس نظاما ديمقراطيا في حين أننا ظللنا نفتقد إلى الثقافة الديمقراطية، حيث لم نتعلم كيف نعمل معا، وكيف يمكن أن نستخلص من الآخر أفضل ما فيه لتنتفع به الجماعة الوطنية، بدلا من أن ننشغل بإبراز أسوأ ما في الآخر لإقصائه ونفيه من الساحة الوطنية.
(4)
الخلاصة أننا لابد أن نعترف بأننا مازلنا في «حضانة» أو تمهيدية الديمقراطية. من ثَمَّ فحاجتنا ملحة لأن نستعيد ثقافة الممارسة الديمقراطية، فيتعرف بعضنا على بعض، بحيث يكمل كل منا الآن، ولا يتردد في التعلم منه. بغير استعلاء أو استكبار. والحرص على التعلم واكتساب الخبرة يتطلب تواضعا للذات واحتراما وتقديرا للآخر.
هذه الروح تستصحب اقتناعا ضروريا بأن الجميع شركاء في الوطن، الذي هو أكبر من أي طرف بذاته، وبالتالي فإن النهوض بذلك الوطن يقتضي تفاعلا بين أطيافه واحتشادا لكل مكوناته. في هذا الصدد أذكر بأنني دعوت من قبل إلى ترحيل مطلب تطبيق الشريعة المثير للخلاف، والاكتفاء في الوقت الراهن بالاتفاق على مجموعة من المبادئ والقيم التي تحظى بالإجماع الوطني، قياسا على ترحيب النبي محمد بفكرة حلف الفضول الذي عقده نفر من وجهاء قريش لحماية الضعفاء قبل الإسلام، وهو ما يجعلني أدعو إلى خطوة أخرى على طريق تواضع الأهداف، مناديا بالكف عن الحديث عن مشروع «النهضة» الذي يبدو المصطلح فيه أكبر بكثير من قدرة وطاقة المجتمع الذي يمر بفترة النقاهة. بل أدعو إلى الاعتراف بأن جميع القوى السياسية والإسلامية في المقدمة منهم ليست لديها إستراتيجيات واضحة المعالم للمستقبل. ذلك أن تلك القوى لم تحلم يوما ما بأن تكون شريكة في إدارة البلد، ولم يتجاوز حلمها طوال تلك المرحلة حدود إثبات الحضور ضمن مؤسسات النظام السابق. أما الإخوان فقد ظلوا مشغولين طوال الوقت بالدفاع عن الذات وأحكام الحفاظ على التنظيم في مواجهة الغارات المستمرة التي ظلوا يتعرضون لها. وإذا صح ذلك فإنه لا ينبغي أن يكون سببا لإحباطنا، ولكنه يجب أن يكون حافزا لإقناعنا بحاجة كل منا للآخر، لوضع إستراتيجيات النهوض المرجوة من خلال التجربة والخطأ. وهو ما لا يشين أحدا أو ينتقص من قدره. لأن المشين حقا أن يدعي أي طرف أن لديه إستراتيجيات كاملة الأوصاف للحاضر والمستقبل والداخل والخارج، في حين أنه لا يزال يتعلم ويحاول التعرف على محيطه وعلى العالم من حوله.
إن أولى خطوات علاج أي مريض أن يعترف بمرضه، وهو ما لا أراه حاصلا حتى الآن، رغم أننا لسنا بالسوء الذي يعجزنا عن ذلك ــ سنواصل الكلام في الموضوع الأسبوع المقبل بإذن الله.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4314
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2874
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1182
| 28 سبتمبر 2026